من أجندة رئيس المحكمة يكتبها محمد رجب

قضية

الليلة الأخيرة في حياة مصممة الأزياء!

غرام.. فوق زهرة اللوتس!

دوي هائل انتبه على صوته المفاجئ سكان شارع القائد بالمنيل! فتحوا النوافذ في لحظات.. المارة توقفوا أمام العقار رقم 6 حيث سقطت السيدة فيفي من الطابق الثالث!

.. الارتفاع لم يكن شاهقا ورغم هذا فارقت فيفي الحياة في التو واللحظة.. وقف الناس يضربون كفا بكف فلا أحد يجهل صاحبة الجثة.. البعض يميزها بأناقتها المبهرة.. والبعض يعرفها من صورة نشرت لها بإحدى الصحف.. والبعض الثالث رآها في أحد برامج المرأة علي شاشة التليفزيون..! إنها مصممة الأزياء التي عملت في أكثر من فيلم سينمائي وترددت علي بيتها بعض النجمات المعروفات.!

كانت الصدمة أكبر من أن يستوعبها جيرانها وسكان الشارع الذين كانوا يتباهون بأن فيفي تسكن بينهم.. التأثر كان واضحا فوق الوجوه الباكية أو المندهشة فلا أحد من جيرانها إلا وقدمت له خدمة ما.. خاصة البسطاء وأطفال الملجأ القابع في نهاية الشارع.. كانت تصر على أن تصطحب من تخدمه في سيارتها الحمراء والمميزة بالسقف المتحرك.. لكن الجميع كانوا يتساءلون في وقت واحد، نفس السؤال:

• كيف سقطت فيفي من بلكونتها المطلة على الشارع؟!

بعض المارة غطوا الجثمان بأوراق الصحف.. وضباط الشرطة صعدوا إلى شقة فيفي لمعاينتها في نفس اللحظة التي وصل فيها وكيل النيابة.. ومن العمارة المواجهة على الرصيف الآخر هرولت هالة صديقة عمر فيفي نحو عمارتها ومرقت وسط الزحام كالسهم متجهة إلى شقة فيفي لا تصدق أنها ماتت!

الضباط فتحوا الشقة بالمفتاح الاحتياطي الذي كانت فيفي تحتفظ به عند البواب.. لم يكن داخل أو خارج الشقة ما يشير الى أن هناك شيئا غير طبيعي.. الحجرة التي سقطت من بلكونتها فيفي كانت هي الأخرى مرتبة بشكل دقيق.. كل شيء في مكانه.. وكيل النيابة يدون ملاحظاته ورئيس المباحث يستمع إلى جيران فيفي في نفس الطابق الذي تسكن فيه.. وهالة تبكي في هيستيريا وتقسم بأن فيفي آخر إنسانة فوق الأرض تفكر في الانتحار.. طلب منها رئيس المباحث ألا تشوش على الشرطة والنيابة وتخلي المكان لهم.. خرجت هالة تجر قدميها جرا واتجهت إلى الريسبشن.. وقبل أن ترمي بجسدها فوق المقعد لمحت شيئا غريبا.. لم تصدق عيناها وقد اتجهتا بالصدفة نحو حجرة المكتب التي كانت تعشقها فيفي.. وبنفس السرعة أدارت وجهها وتظاهرت بأنها لم تشاهد شيئا!

 

الشاهد الوحيد!

 

النيابة صرحت بعد عدة ساعات بدفن الجثة وتكليف المباحث بالكشف عما إذا كان وراء الحادث شبهة جنائية أم أنه مجرد حادث انتحار.. شاهد واحد كان يقف في نافذة شقته كان الوحيد الذي أدلى بأقوال مختلفة عن باقي الجيران.. قال:

كنت أرتشف الشاي في نافذتي حينما وقع بصري على السيدة فيفي وقد تهيأت بملابس الخروج.. كانت ترتدي فستانا في غاية الأناقة.. تنظر من بلكونتها وكأنها تترقب وصول شخص ما.. لكنها كانت تبدو متوترة فقد دخلت حجرتها وعادت للبلكونة أكثر من مرة لتعيد النظر إلى أسفل.. وفي لمح البصر فوجئت بها بين السماء والأرض.. وسقط من يدي كوب الشاي في نفس اللحظة من هول المفاجأة!

• هل تعتقد أن توازنها اختل مما أدى إلى سقوطها؟!

•• لا أستطيع الجزم بذلك.. يمكنني فقط أن أؤكد أنها كانت في حالة توتر واضح!

• هل لاحظت وجود شخص أو أشخاص داخل شقتها أو على الأقل داخل حجرتها!

•• لا.. لكنها في إحدى المرات التي دخلت فيها حجرتها مالت بجسدها نحو الأرض ثم اعتدلت وبين يديها قطتها السيامي.. إنها القطة الجميلة التي اعتدنا رؤيتها بين يدي فيفي كلما جلست في بلكونتها.. هذه المرة شاهدت فيفي تطبع عدة قبلات على رأس القطة ثم تعيدها إلى الأرض في حنو بالغ!

 

بلاغ مفاجئ!

 

صباح اليوم التالي فجرت هالة مفاجأة من العيار الثقيل حينما طلبت الإدلاء بأقوال خاصة أمام رئيس النيابة.. قالت:

حينما طلب مني رئيس المباحث مغادرة حجرة نوم فيفي واتجهت إلى الريسبشن شاهدت بالصدفة زميله معاون المباحث في حجرة المكتب وهو يتصفح الأجندة الخاصة بفيفي ثم يطوي أوراقها بسرعة ويتجه إلى الحمام!.. تظاهرت بأنني لم أره.. لكنه حينما خرج من الحمام لم تكن الأجندة في يده!!.. كان الضباط يعرضون على وكيل النيابة أي شيء يتشككون فيه ليدون به ملحوظة إلا معاون المباحث الذي تعمد إخفاء الأجندة الخاصة بصديقة عمري والتي لم تكن تسمح لي أنا شخصيا بقراءة ما فيها.!

• ما أوصاف هذه الأجندة؟!

•• لا أعتقد أن لها شبيها في مصر.. أحضرتها معها فيفي من باريس قبل عدة سنوات، وهي على شكل زهرة اللوتس ولها غلاف من القطيفة الحمراء!.. عموما كانت فيفي تحرص على ألا تمتد إليها يد أحد مهما كانت علاقته بها.. وكانت تحتفظ بها في مكان بارز في صدر المكتبة.. وعرفت منها أنها تدون فيها بين الحين والآخر بعض المواقف المهمة جدا في حياتها!

• ولماذا أخفى الضابط هذه الأجندة؟!

•• لا أعرف؟!

• هل تخلص منها داخل الحمام؟!

•• لا أعرف!

• هل هناك ثمة علاقات بين الضابط وفيفي؟!

•• لا أعتقد على الإطلاق.. كانت تحكي لي أدق أسرارها ولم تأت سيرة هذا الضابط من قريب أو بعيد!

• كل القرائن والأدلة تشير الى أن فيفي انتحرت.. لماذا تصرين على وجود شبهة جنائية؟!

•• أنا يا سيدي لا أتهم أحدا.. كان يمكن بعد ساعات من الحادث أن أقتنع بأن الحادث انتحار.. لكن ما فعله الضابط مازال يثير الريبة في نفسي!

 

اعتراف!

 

انتهت أقوال هالة واستدعى رئيس النيابة على وجه السرعة معاون مباحث القسم.. وجاء الرد مستفزا لرئيس النيابة عندما أبلغه مفتش المباحث أن الضابط المطلوب بدأ إجازة زواج منذ صباح اليوم وأنه يقضي شهر العسل مع عروسه في الغردقة!.. لكن رئيس النيابة أصر على استدعاء الضابط من إجازته لأنه صار طرفا في حادث انتحار السيدة فيفي ولم يزد رئيس النيابة حرفا وهو ينهي المكالمة على عجل!

عاد معاون المباحث من الغردقة بعد يومين واتجه مباشرة إلى رئيس النيابة ليواجه موقفا صعبا:

• أين الأجندة الخاصة بالسيدة فيفي والتي كانت في صدر المكتبة داخل حجرتها؟!

•• موجودة!!

• ولماذا أخفيتها داخل الحمام؟!

كأن صاعقة أصابت الرائد فايز معاون المباحث من هول المفاجأة التي لم يتوقعها.. لكن يبدو أنه قرر بسرعة ألا يراوغ في إجاباته كيلا يزيد من حجم الشبهات… وكرر رئيس النيابة سؤاله:

• لماذا أخفيتها..؟!

•• سبب شخصي بيني وبين السيدة فيفي؟!

• وهل تدخل الأسباب الشخصية في العمل؟!

•• لا.. أنا تصرفت بشكل تلقائي ودون وعي أو تفكير!.. لم أكن أتصور أنها تدون أسرارها في هذه الأجندة!

• وما السبب الشخصي الذي تدعيه؟!

•• علاقة حب من طرف واحد.. حاولت أن أجعلها صديقة لي لكني فشلت.. وحينما وقع الحادث وكان قبل إجازة زواجي بيوم واحد لم أستطع الاعتذار عن عدم الذهاب مع رئيس المباحث إلى مسرح الحادث الذي يقع في نفس دائرة القسم!

• مطلوب أن تعيد للنيابة هذه الأجندة.. حالا..!

موسوعة جينيس!

خلال سويعات عاد الضابط إلى رئيس النيابة وقدم له الأجندة الحمراء التي كان يخبئها في درج مكتبه قبل بدء إجازته!.. وبادر الضابط هامسا لرئيس النيابة:

• أسجل أسفي أولا لظني أن هذه الأوراق من حقي ولأني خشيت أن تقع في يد أحد زملائي أو أحد الصحفيين الذين كانوا يتوافدون على بيت المجني عليها.. أو تقع حتى في يد أحد الجيران فتنكشف علاقتي بها وربما يصل الأمر إلى حد الفضيحة!.. خاصة أن مثل هذه الحكايات ربما تفسد زواجي في أيامه الأولى..!.. لقد شرعت في تمزيق صفحات الأجندة فور عودتي لمكتبي ليلة الحادث.. لكن قلبي لم يطاوعني فقررت الاحتفاظ بها سرا على سبيل الذكرى!

•• قلت إن فيفي كانت تحبك من طرف واحد فلماذا كان حرصك على أن تحتفظ بما تكتبه عنك وأي شيء يدينك حتى تخشى من وقوع الأجندة في يد أحد؟!

• في البداية ربما كان الحب متبادلا.. لكن تغيرت مشاعري فيما بعد.

•• هل كنت تعرف مكان الأجندة من قبل؟!

• لا.. لكن حينما وصل بلاغ بالحادث وكنت وقتها أجهز نفسي للقيام بإجازتي طلب مني رئيس المباحث أن أرافقه في هذه المهمة.. وما أن قرأت اسم وعنوان المجني عليها حتى أصابني ارتباك شديد بسبب الصدمة التي أحدثها الخبر، خاصة أنه لم يكن هناك من يعلم شيئا عن علاقتي بفيفي.. رأيت جثمانها فوق الأرض فاقشعر بدني وتذكرت كل المشاهد التي دارت بيني وبينها.. وقفزت إلى ذاكرتي جملة قالتها لي ذات يوم على سبيل المداعبة.. همست لي يومها بأنني حصلت على شرف دخول الأجندة الحمراء، وحينما سألتها عما تقصده بالأجندة الحمراء قالت لي إن العباقرة وأصحاب الأرقام القياسية يدخلون موسوعة جينس، لكن أجندتها الحمراء لا تدون فيها غير أسماء أصحاب المحطات المهمة في حياتها!!.. وحينما دخلت حجرة المكتب كانت الأجندة الحمراء أول ما وقعت عليه عيناي!.. أنا لم أرتكب جريمة.. الأجندة قرأتها وأعدتها فأي جريمة في هذا؟!.. إذا كان هناك بلاغ من هالة صديقة المتوفية فقد قابلتها ونفت وجود أي بلاغ منها!.. وهي الآن خارج مكتبكم ويمكن أن تتأكدوا منها بأنفسكم!!.. أرجوكم إغلاق هذا الملف حرصا على سمعة الراحلة وعلى سمعتي!

تنهد رئيس النيابة في ضيق ثم همس للضابط:

• بعض الجرائم الأخلاقية لا يعاقب عليها القانون.. لكنها توصم صاحبها وقد تسقطه من نظر نفسه.. أنت يا سيادة الرائد أخفيت عن العدالة دليلا حتى ولو كان من وجهة نظرك غير مهم.!

•• سجلت اعتذاري من قبل.. وأكرره الآن!

جريمة أخلاقية!

كنت أنا رئيس النيابة الذي دار بينه وبين الضابط هذا الحوار.. ولاعتبارات أخلاقية لم أحقق معه رسميا حرصا على سمعة السيدة فيفي وقد غادرت هذه الحياة.. لكن ما أن غادر الضابط مكتبي حتى دفعني الفضول لقراءة آخر الصفحات التي انزعج منها الضابط.. كنت أقرأها في لهفة.. وبسرعة.. فقد كانت هالة صديقة فيفي تنتظر خارج المكتب لتتسلم الأجندة بغلافها الأحمر الرقيق.. لكن حينما أمرت بدخولها علمت أنها انصرفت ولم أرها بعد ذلك.. ربما اختفت بترتيب من معاون المباحث!.. وظلت أجندة اللوتس الحمراء في بيتي حتى الآن.. بين الحين والآخر أجد نفسي مدفوعا لقراءة آخر صفحة كتبتها فيفي قبل يومين من الحادث.. وقالت فيها:

•• الليلة أسدل الستار على الرائد فايز اسما عشقت حروفه، وشكلا بهرني منذ اللحظة الأولى وموضوعا عشت فيه الحلو والمر!.. الليلة أودع جنته بعد أن كوتني نارها.!.. لست نادمة على ما كتبته عنه في طول وعرض زهرة اللوتس!.. أعترف أنها خطيئتي الأولى والأخيرة والتي لا يمكن أن أغفرها لنفسي.. نعم أحببته.. أو هكذا أحسست بعد أيام قليلة من لقائي الأول معه.. لم أكن أعرفه من قبل إلا على ألسنة الناس البسطاء في المنيل.. كان أشهر ضابط عرفته المنيل.. البعض كانوا يسمونه “الجلاد”.. والبعض الآخر يطلقون عليه لقب “الشبح”.. زرته لأول مرة في الليلة الموعودة بعد أن تعرضت شقتي للسرقة.. لم يلفت انتباهي مكتبه الفخم.. ولا صوته الجهوري.. ولا رهبة الناس منه.. وإنما شدني “كرباج” سوداني معلق خلف مقعده!.. ومع هذا دق قلبي له.. قلبي الذي كان حزبا معارضا للرجال قدم كل التنازلات وهتف له ومشى في ركابه!.. ضاعت مقاومتي ثلاثين عاما عشتها وحيدة سواء قبل أو بعد وفاة أمي.. لم أكن بحاجة إلى رجل يحبني أو يتزوجني أو يرعاني.. لكني معه ومنذ لقائي الأول به أحسست أنه الفارس الغائب.. والبطل الذي سوف ينتشلني من وحدتي.. ويبدو أنه لم يكن أقل مني في مشاعره.. أو هكذا تصورت.. بذل جهدا كبيرا حيث يثبت لي أنني حبه الأول.. التقينا عدة مرات عشت فيها نعيما لم تعشه امرأة.. اتفقنا على الزواج ومن فرط سعادتي لم أسرب الخبر حتى لأعز الناس إلى قلبي، ربما خوفا من الحسد الذي أؤمن به.. وربما تنفيذا لرغبة فايز التي لم أناقشه فيها.. عام كامل من روعة الحب أنساني كل ما فات من حياتي.. وكانت ظروف فايز الشخصية كما أخبرني سببا في تأجيل زواجنا.. أو هكذا أقنعني أيامها..!.. لكنه انكشف أخيرا حينما امتنعت عن الذهاب معه إلى استراحة القناطر!! وإذا كان هو قد انكشف أمامي فقد اكتشفت أنا ما ضاع مني في هذه الاستراحة!!.. كان كل هدفه أن أشاركه شاليه الاستراحة كما حدث مرتين.. لا.. لن أكون أبدا وسيلة متعته أو لعبته المفضلة على ضفاف النيل في استراحة القناطر.. عاندته فقطع علاقته بي منذ شهر.. وبالأمس فقط همسوا في أذني بأنه سيتزوج الخميس القادم!.. كيف أغفر لنفسي أو أسامح ضعفي؟!.. أعترف أنني احترقت بناره، لكنني أنا التي أشعلت النار منذ البداية.. أعرف أنه سيعود لي ذات يوم.. حتى لو تزوج ألف ألف امرأة.. لكنه حينما يعود فلن يجدني.!

الصورة وضحت تماما.. فيفي لم يقتلها أحد وإنما تخلصت من حياتها.. والجاني لن يعاقبه القانون.. كل ما عرفته عنه أنه تم نقله إلى إحدى محافظات الصعيد بعد انتهاء إجازة زفافه!.. رحل الاثنان من حي المنيل دون أن يشعر بهما أحد.. الرائد فايز حمل كرباجه وأشياءه الخاصة وانتقل لمكتبه الجديد في الصعيد.. وفيفي تركت حبها فوق زهرة اللوتس.. ورحلت بلا رجعة.. وبقيت الأجندة الحمراء أمانة في بيتي حتى الآن!

صفحة جديدة 1

اخترنا لك