من أجندة رئيس المحكمة

من أجندة رئيس المحكمة: في محكمة الأسرة.. الدنيا غير الدنيا!

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

من أجندة رئيس المحكمة

للزوجة أن تطلق نفسها مرة واحدة بشرط..!     

داخل محكمة الأسرة لا فرق بين رجل وامرأة إذا كان الاثنان يجهلان القانون.. تبدو الدنيا كما لو كانت غير الدنيا.. زيجات فى مهب الريح.. وأزواج في حالة ترقب.. زوجة تطلب الاحتفاظ بزوجها وأخرى تطالب المحكمة بأن تحكم بصحة طلاقها من زوجها.. وهذان نموذجان من الواقع.. السيدة شربات والسيدة نوال.

نوال حكايتها حكاية.. أصابها زوجها بعقدة نفسية بسبب خيانته المتكررة لها، هكذا، وصفت لنا نزواته.

قالت للمحكمة:

 ليس أصعب على المرأة من أن تمضي حياتها مع رجل فقدت فيه ثقتها!.. كنت أحرص على بيتي أكثر مما تحرص عليه العدالة.. ولأن بيتي هو مملكتي، كنت أغفر مرة ومرات وأتسامح مرة ومرات.. لكن لا أحد فوق الأرض  يملك الغفران والسماح إلى الأبد، لأننا بشر، لنا قدرات محدودة تختلف عن قدرات الخالق الغفور الرحيم!
سيدي القاضي..
أنا وزوجي كنا نعمل مهندسين بأحد أحياء القاهرة الراقية.. لقد أحببته يا سيدي حبا منحته فيه كل ما أملك من مشاعر ووجدان لبناء أساس قوي لحياة سعيدة ومسلحة بالحب والممزوجة بالتضحيات.. لكني فوجئت به بعد ستة أعوام  يضحي بي من أجل امرأة أخرى وحينما وصلتني أنباء غرامه بها، وقفت مثل أي امرأة تحب زوجها أطالبه أن يختار بيني وبينها، خرج غاضبا ولم يعد ثم أرسل لي بعد أيام ورقة الطلاق.
سيدي القاضي..
احتملت وتحملت، صبرت على جرحي الكبير، ابتلعت همومي وأحزاني وواصلت عملي بكل التحدي والإصرار على التفوق.. وبعد عامين فقط جاءني منكس الرأس، محطم الخطوات، تهزه أنفاسه، ارتمى على مقعد مواجه لمقعدي وبكى.. اعترف لي أنه وقع ضحية امرأة من بنات الشيطان.. كانت عصابة منظمة في رداء امرأة، فقرر أن يهجرها وينقذ نفسه، أساءت إليه وكادت تفضحه.. اعترف لي أنه طلقها وطلب العفو.. وسامحته بقلبي الكبير كيلا أخرب بيتي،  لكن بعد أن أصررت على شرط ووافق هو عليه.. كان شرطي أن يفوضني في طلاق نفسي وقتما أشاء. ووافق هو دون تردد.. وعدت إليه!

عشنا في سعادة ثلاثة أعوام أخرى.. لم أجعله يشعر يوماأننيصاحبة فضل عليه في إعادته إلى عش الزوجية.. بل تقدمت في معاملتي معه كزوجة وعشيقة وصديقة وأخت وأم وفقا لحالته المزاجية ودون تفكير في تأثير هذا كله على  أعصابي.. لكنه عاد كما تعود ريما لعادتها القديمة..  ضبطته متلبسا بغرام فتاة تصغره بتسع سنوات.. ضبطته راكعا على ركبتيه أمامها.. يداه ترتعشان وهيتتلمسقميص نومها الحريري.. وبدلا من أن يخجل من نفسه ويحترم صبري عليه كل هذا الوقت.. إذا به لا ينتظر حتى تنتهي عدتي وجاء يطلب مراجعتي واستردادي وعودتي لعصمته.. ورفضت في إباء فطلب دخولي في طاعته باعتباري مطلقة رجعية له.. ولم أجد أمامي سوى إثبات طلاقي البائن ورفض دعواه.. لأنني وبإيجاز شديد لا يمكن أن تكون حقوقي كزوجة أقل من حقوق لاعب الكرة الذي يتخذ قرارا باعتزال معشوقته الكرة وهو في قمة عطائه.. لقد اعتزلت أنا هذا النوع من الرجال وأنا أيضا في قمة عطائي..!
وقال الزوج للمحكمة:

نعم كتبت الإقرار لها بحقها في أن تطلق نفسها وقتما وحيثما تشاء.. لكنه طلاق معلق ومن سمات الطلاق المعلق أنه طلاق رجعي يتيح لي أن أراجع زوجتي فى فترة العدة.

 وجاء الدور على المحكمة فرفضت دعوى نوال لأنه  وفقا للرأي الشرعي وفتوى دار الافتاء فإن للزوج أن يفوض زوجته في طلاقها منه بتفسير تخيير النبى عليه الصلاة والسلام لزوجاته في الآيتين 28 و29 من سورة الأحزاب.. إلا أن هذا التفويض يتقيد بمجلس علمها فقط، فلا يجوز أن تطلق نفسها فى غير هذا المجلس إلا اذا كانت صيغة التفويض عامة.. وإذا قال الزوج لزوجته طلقي نفسك متى شئت، فليس لها أن تطلق نفسها ثلاثا جملة واحدة، فلا يمكن ان يملك غيره أكثر مما يملك هو وإن صح ذلك عند الشافعية وفقا لمذهبهم..

وبالتالى يقع الطلاق مرة واحدة في هذه الدعوى ويكون من حق الزوج مراجعة زوجته لأن تطليقها نفسها ليس طلاقا بائنا طالما أنها في فترة العدة من زوجها.

سيدة الكوخ!

وحكاية شربات بدأت حينما قرر العمدة أن يتزوج قبل “الأربعين” فلم يكن قد مضى على وفاة زوجته غير ثلاثة أسابيع!.. نزل الخبر كالصاعقة على أهل القرية الصغيرة الذين جعلوا عمدتهم رمزا للأصول والعدل والحق طوال فترة عمديته.

اعترض كثيرون.. واتهم آخرون عمدتهم بالجنون بعد أن بلغ من العمر أرذله.. لكن لا الذين اعترضوا ولا الذين اتهموا جرؤ أحدهم على النطق جهرا أو علنا.. تبادلوا الهمسات وصار الخير هو موضوع الساعة في القرية يحير العقول وتلوكه الألسنة ويتسلى به العاطلون وتسخر منه قلة قليلة من معارضي سياسة العمدة بعد أن نزع منهم مخالب الظلم والافتراء وحطم غرورهم!

وقامت الدنيا ولم تقعد حينما بدأت توابع الخير تتسرب إلى الأهالي، فالمرشحة للزواج كانت الست زبيدة بائعة الفطير التي تعيش في كوخ يطل على محطة السكك الحديدية.. كثيرون اعتبروا “زبيدة” وصمة في تاريخ العمدة.. وأخرون ادعوا أن زبيدة أوقعت العمدة بالسحر الذي ينسب إليه أهالي القرية كل الألغاز التي يحتارون في فهمها.. أما القلة القليلة المعارضة للعمدة فقد سارعت إلى فتح ملف زبيدة حينما كانت تعمل “غازية” في مطلع شبابها!

الأغلبية وجدوا أنفسهم في حرج أمام القنبلة التي فجرها المعارضون.. كيف يتزوج عمدتهم من راقصة كانت تحيي الموالد والأفراح.. وكيف تصبح هذه الراقصة سيدة دار العمدية التي قد يستعين بها العمدة أو يستشيرها في أمور في قضايا الأهالي والقرية.. اقترح احدهم أن يذهب كبيرهم إلى دار العمدة ويستثمر صداقة عمره بالعمدة ليقنعه بالعدول فورا عن هذه الزيجة ويا دار ما دخلك شر.

ذهب الرجل إلى العمدة.. حاوره وحدثه ونصحه وحذره..  استمع إلى رأيه وأسمعه رأي الناس.. لكن باءت مهمة الوسيط بالفشل.. عاد ليخبر الأهالي أن العمدة رأسه وألف سيف أن يتزوج زبيدة لأنها من وجهة نظره تمثل طبقة النساء الكادحات المقهورات في القرية.. لم يكن لها ذنب فيما يردده الناس عنها.. أبوها منذ الصغر كان يصطحبها إلى الموالد والأفراح ضمن الفرقة التي يعمل بها.. أبوها الذي زوجها من طبال الفرقة قبل أن تتم العام السابع عشر من عمرها!

ووقف الشيخ جابر يسأل الأهالي نفس الأسئلة التي طرحها عليه العمدة في لقائهما:

هي زبيدة لا سمح الله سمعتها كده ولا كده.. حد يعني قال إنها فرطت في شرفها يا شيخ جابر.. حتى وهي غازية؟!

تذكر الناس واقعة زبيدة قبل خمسة عشر عاما حينما قتلت رجلا من أصدقاء زوجها حاول أن يراودها عن نفسها لكنها لم تعبأ بنفوذه وسلطاته وثرائه ودافعت عن شرفها ببسالة ثم برأتها المحكمة من تهمة القتل أو بمعنى أدق اعتبرتها في حالة دفاع شرعي عن النفس والعرض.. تذكر الأهالي الواقعة والتزموا الصمت.. ثم تفرقوا دون أن تهدأ نفوسهم من خبر زواج العمدة وزبيدة!

أيام قليلة.. وطلب العمدة يد زبيدة من ابنها محروس.. طار الابن من الفرحة ودمعت عينا زبيدة.. لم تصدق بائعة الفطير نفسها.. خمسة عشر عاما عاشتها وهي أرملة منذ مات زوجها وأبوها في حادث اعتزلت بعده الرقص ووهبت شبابها لتربية محروس حتى اختارت له عروسه شربات وزوجتها له  قبل عام واحد.. لم تصدق زبيدة أنها ستترك الكوخ إلى دوار العمدة.. وتتحول من بائعة فطير إلى أهم سيدة في القرية.. كادت أن ترقص طربا والدموع تملأ وجهها.. ترقص لأول مرة في حياتها احتفالا بنفسها.. أمسكت قطعة الزجاج الصغيرة ومسحتها بقطعة قماش بالية ثم راحت تتأمل وجهها.. رغم الدموع وبصمات الزمن فمازال فوق ملامحها جمال لم يغرب كله.. وقفت تتأمل جسدها وهي تروح وتجيء داخل الكهف الصغير.. رغم العباءة السوداء المليئة ببقع السمن مازالت الأنوثة تأبى الرحيلا.. مازال الذهب يلمع رغم الطين الذي يحاصره!.. ابتسمت فعاد البريق بقوة ليشرق جمال زبيدة بعد اعتقال دام خمسة عشر عاما!

تزوج العمدة من زبيدة وسرعان ما نسي الأهالي اعتراضاتهم حينما استغلت زبيدة ذكاءها الفطري وراحت تدفع العمدة إلى مزيد من النجاح في تعاملاته مع الناس، فتحت أبواب الدوار أمام المظلومين والجائعين والخائفين ورغم جهلها بالقراءة والكتابة أجادت العلاقات العامة وقراءة ما يحتاجه الناس فتفاتح فيه العمدة كلما قرأت في عينيه أنه في لحظة رضا وصفاء.

مضت السنوات.. السعادة ترفرف في دوار العمدية.. الجميع يعيشون أحلى فترات العمر.. زبيدة التي أصبحت رمزا لسلطان ونفوذ زوجها .. والابن محروس الذي تفتحت أمامه كل مراكز العمل.. وشربات زوجة محروس التي بدأت تخطط لخلافة زبيدة مهما كان الثمن.. خاصة وأن شربات تجاوز جمالها مرحلة الصاروخ الذي يستعد للانطلاق.. أنها الآن تحلق في مدارات الحسن والفتنة.. بل وتفهم أحيانا نظرات الغيرة في عيون زبيدة.!!

تتأزم نفسية زبيدة حينما يموت ابنها محروس دون سابق إنذار، تضاعف الحزن في قلبها، فراق محروس من ناحية. وما تخفيه الأيام لما يدور داخل بيت العمدة بعد أن بزغ نجم شربات!

ويبدو أن زبيدة كانت على حق فلم تكد تمضى ستة شهور حتى صار العمدة لا يأكل ولا يتكلم ولا يشاور غير شربات.. كانت شربات تضحك حينما يبرر العمدة تصرفاته معها بأنها مثل ابنته.. وكانت زبيدة تضحك أيضا لكن شتان الفارق بين الضحكتين!.. امرأة تشعر بالغروب ينسحب بها للخلف.. وامرأة تشعر بالإشراق يشدها للأمام!

ذات يوم ارتفع الهمس من جديد حول العمدة.. ذاع خبر زواج العمدة من شربات فاهتزت القرية.. أكدت زبيدة الخبر وهي تبكي وهرول الشيخ جابر إلى صديقه العمدة يرجوه من جديد أن يتراجع عن سقطته.. لكن العمدة ثار في وجهه ثم صاح بصوت مدو:

**  “منعول أبو العمدية.. خدوها وسيبولي شربات”!

توجس الأهالي خيفة من عهد شربات التي كانت تريد العمدة لنفسها بينما زبيدة كانت قد جعلت العمدة للأهالي ولنفسها معا.. شربات تبحث عن المجد.. وزبيدة كانت تبحث عن الحب.. شربات تتزين بالمجوهرات.. وزبيدة تتجمل بحب الناس.. والفلاح البسيط يفهم الفارق الكبير بين المرأتين!

المحامي الشاب ابن أحد المزارعين بالقرية تزعم حملة ضد العمدة وأقام بالاتفاق مع الأهالي دعوى تفريق بين شربات وعمدة القرية.. وأكدت زبيدة للمحكمة أن شربات هي زوجة ابنها وقدمت كل المستندات التي تؤكد صحة حديثها وأنه لا يجوز لزوجها أن يتزوج من أرملة ابن زوجته لأنها في حكم زوجة ابنه المحرمة عليه شرعا!

لكن المحكمة قضت برفض الدعوى  لأن حكم زواج الأب من  أرملة ابنه أو مطلقته وهو محرم شرعا لا ينطبق على هذه الحالة؛ لأن شربات ليست أرملة ابنه وأنما  أرملة ابن زوجته.. ولأن المنصوص عليه فقها أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين امرأتين أيتهما فرضت ذكرا لم تحل للأخرى على أن يكون ذلك من الجانبين.. فلو فرضت امرأة الرجل ذكرا لحرم عليه التزوج بامرأة ابنه.. ولو فرضت امرأة الابن ذكرا لجاز له التزوج بامرأة هذا الرجل لأنه أجنبي عنها.

وعلى ذلك يحل للرجل “العمدة” أن يتزوج بزوجة ابن زوجته وله أن يجمع بينهما شرعا  تأسيسا على فتوى”فضيلة الشيخ أحمد هريدي س100 سنة 67″ كتاب دار الافتاء المصرية.

Leave a Comment