من أجندة رئيس المحكمة

من أجندة رئيس المحكمة يكتبها محمد رجب

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

قضية

النجمة الصاعدة إلى القبر بدل الكاميرات!

انتشرت الشرطة بشكل غير معتاد في هذه الليلة بالذات.. الأكمنة الثابتة تغطي معظم الشوارع الرئيسية والميادين ومداخل ومخارج القاهرة عقب سرقة محل للمجوهرات ومقتل صاحبه واثنين من العاملين وفرار الجناة في سيارة ملاكي.. الضباط في جميع الأكمنة يدققون في اللوحات المعدنية للسيارات بحثا عن السيارة الهاربة.. الشهود أجمعوا على ثلاثة أرقام هي الأرقام الأخيرة في اللوحة المعدنية، بينما اختلفوا حول باقي الأرقام.. الشرطة في مثل هذه الحالات تكفيها الأرقام الثلاثة؛ لأنها ستفحص كل السيارات من نفس الماركة والموديل التي تحمل الأرقام الثلاثة الأخيرة.. وربما تشتبه في عشرات أو مئات السيارات بهذا الأسلوب لتضبط سيارة واحدة.

كمين بشارع النيل بالعجوزة تقترب منه سيارة تحمل لسوء حظها الأرقام الثلاثة الأخيرة في لوحتها المعدنية، ومن نفس الماركة والموديل.. يشير ضابط الكمين لقائد السيارة بالتوقف.. يتجه الضابط بصحبة بعض أمناء الشرطة نحو السيارة.. يطلب الضابط من قائد السيارة التراخيص ويفتح أمناء الشرطة الأبواب الجانبية.. تبدو الدهشة على وجه قائد السيارة فقد اعتاد في أكمنة الشرطة أن يستقبلوه بابتسامة فور معرفتهم له فهو المخرج السينمائي الذي قدم أول أفلامه بنجاح باهر ونشرت وسائل الإعلام صوره، وظهر على شاشات التليفزيون وحفظ الناس ملامح وجهه.. لكن ضابط الكمين تجاهله أثناء تفتيش السيارة ثم طلب منه أن يفتح حقيبة السيارة.. لم يتردد المخرج، مد يده بجوار عجلة القيادة وجذب يدا صغيرة انفتحت معها حقيبة السيارة.. شهق الضابط.. وأمسك جهازه اللاسلكي بينما وقف المخرج الشاب غاضبا بجوار باب سيارته الأمامي.. الضابط يخطر قياداته في الجهاز بالعثور على جثة داخل حقيبة السيارة.. كأن صاعقة أصابت المخرج الشاب فأسرع مذهولا نحو مؤخرة السيارة.. نعم هي جثة.. الضابط لم يكذب.. صرخ المخرج في الضابط:

• جثة مين دي؟!.. وإيه اللي جابها هنا؟!

لم يرد قائد الكمين وأمر أفراد القوة بركن السيارة على جانب الطريق وتنفيذ تعليمات قياداته بالتحفظ على المخرج لحين وصول النيابة.. هكذا بدأ الفصل الأول في هذه القضية التي لم تكن ضمن أهداف الكمين على الإطلاق، لكن غالبا ما تضبط الشرطة في الأكمنة الثابتة قضايا لم يكن الوصول إليها ممكنا إلا بالصدفة.

وصل وكيل النيابة وبدأ معاينة حقيبة السيارة.. وما أن قلب وكيل النيابة الجثة على ظهرها حتى انكشف وجه المرأة القتيلة.. وهنا صرخ المخرج:

• أعرفها.. وأبحث عنها.. إنها ريهام.. خرجت لأبحث عنها بسيارتي ولا أعلم أنها جثة في حقيبة السيارة.. صدقوني هناك لغز في الحادث.

أمر وكيل النيابة بالقبض على المخرج وإرسال الجثة إلى الطب الشرعي لتشريحها ومعرفة سبب الوفاة، وكانت أسود ساعات العمر في حياة المخرج صاحب السيارة حتى بدأ التحقيق معه.

نجمة النجوم

رغم الانهيار الواضح للمخرج السينمائي الشاب وتوتره وانفلات أعصابه، فإن وكيل النيابة لم يكن لديه إحساس واضح بأنه بريء مائة في المائة أو مدان مائة في المائة.. تقرير الطب الشرعي حمل معه أكثر من مفاجأة، فمن حيث سبب الوفاة كان التقرير جازما في أن المجني عليها ماتت مخنوقة، ومن ناحية أخرى أثبتت الصفة التشريحية أن ريهام تعرضت لاعتداء جنسي حديث ومعاصر لوقت ارتكاب الجريمة، وإن لم تفقد بسببه ريهام عذريتها، فقد ثبت وجود تهتكات بغشاء البكارة ونتيجة مقاومة المجني عليها لم ينفض هذا الغشاء تماما.. كان معنى التقرير الطبي أن ريهام ماتت وهي نصف آنسة ونصف سيدة.. أما المفاجأة التي توقف وكيل النيابة أمامها طويلا فكانت تكمن في وقت الوفاة التي حدثت قبل يوم من العثور على الجثة.. لهذا سأل وكيل النيابة المخرج المتهم:

• منذ متى لم تفتح حقيبة سيارتك؟

منذ يومين تقريبا.

• هل يقود سيارتك أحد غيرك؟!

إطلاقا.

• هل تبيت سيارتك في الجراج؟!

لا.. الشارع الذي أسكن فيه شديد الهدوء وبه أماكن كثيرة لمبيت السيارات، ولم تحدث واقعة سرقة واحدة للسيارات التي تبيت في الشارع مثل سيارتي.

• هل تعطي مفاتيح سيارتك لأحد.. سايس مثلا؟!

أحيانا أمنحها للسايس.. لكن السايس نفسه غير منتظم في العمل.. أحيانا يغيب يوما أو يومين.. وأحيانا أسبوعا كاملا.

• هل ظهر في الشارع أمس.. أو أول أمس؟!

لا أعرف الإجابة على وجه التحديد فلم أركز أبدا في تتبع أخبار السايس.

• وما معلوماتك عن ريهام.. ومدى صلتك بها.. وكيف بقيت الجثة داخل سيارتك يوما كاملا دون أن تشعر بها؟!

ريهام كنت أعدها لبطولة فيلمي الثاني.. كنت أحتاج لبطلة رواية لها مواصفات خاصة للغاية.. حفيت قدماي بحثا عنها حتى عثرت عليها أثناء حضوري لجنة التحكيم لاختيار أحسن مسرحية من بين فرق الجامعات، وأحسن ممثلة وأحسن مخرج.. شاهدت ريهام ولم أصدق نفسي.. إنها هي البطلة التي أعياني البحث عنها.. كان اقتناعي بها بلا حدود فهي تجمع بين رقة فاتن حمامة وإغراء هند رستم وشقاوة سعاد حسني.. فتاة لا يمكن أن تحكم عليها بأنها شرقية أو غربية وإنما هي قارة قائمة بذاتها!.. مثقفة.. طموحة.. متناسقة الجسد بلا زوائد أو نواقص.. والغريب أنها كانت رغم هوايتها للفن تواصل تفوقها العلمي فبعد أن حصلت على بكالوريوس الفنون الجميلة نجحت في الماجستير وكانت تستعد للدكتوراه!.. كنت أحلم بأن تصبح ريهام نجمة النجوم في زمن قياسي، وأن تكون أول ممثلة كبيرة تحصل على الدكتوراه مع تقديم فيلمها الأول.. كانت ريهام في البداية مترددة، لكن محاولاتي معها نجحت في إقناعها بخوض التجربة.. وكانت هي سعيدة للغاية، خاصة حينما علمت أن الفنان الكبير أحمد زكي سيكون البطل أمامها.. وبالفعل بدأنا مقابلات متعددة مع شركة الإنتاج وبطل الفيلم ثم بدأنا توقيع العقود، لكن انشغال بطل الفيلم بتصوير عمل آخر جعلنا نؤجل بدء العمل في فيلمي.. انتهزت هذه الفرصة لإجراء تدريبات مكثفة لريهام أمام الكاميرا.. وكانت تحضر لمنزلي يوميا في التاسعة مساء وتنصرف في الواحدة صباحا لتحفظ السيناريو.. لكنها لم تحضر بالأمس.. انشغلت عليها طوال الليل.. سألت عنها في منزلها حيث تعيش مع جدتها فأخبرتني أنها نزلت في الثامنة والنصف مساء ولم تعد.. اتصلت بصديقاتها اللاتي حضرن معها أكثر من مرة إلى بيتي.. لكن ريهام لم تذهب إلى إحداهن.. حتى الجامعة ذهبت أنا إليها صباح اليوم فلم أجدها.. لهذا كنت متوترا طوال اليوم وفي المساء قررت أن أذهب إلى جدتها بنفسي.. لكن كمين الشرطة أوقفني لتصدمني المفاجأة السوداء، واكتشف أن ريهام مجرد جثة داخل سيارتي.. نفس السيارة التي كنت أبحث بها عن ريهام طوال اليوم.

الجرح القديم

انتهت الجولة الأولى من أقوال المخرج السينمائي وأمرت النيابة بحبسه على ذمة التحقيق؛ كما أمرت المباحث بسرعة التحريات عن سلوك المجني عليها وعلاقاتها، وعن سايس السيارات بالشارع الذي يسكن به المخرج المتهم.

مرت عدة أيام.. والمباحث تعمل على قدم وساق.. وفي الجولة الثانية من استجواب المخرج فجر مفاجأة حينما تذكر أنه وبعض سكان الشارع كانوا يتركون مفاتيح احتياطية لسياراتهم مع السايس حتى إذا ازدحم الشارع فجأة وتطلب الأمر تحريك بعض السيارات لم يصعد إلى أحدهم في أوقات النوم عصرا ويزعجه بطلب المفتاح.. ورغم اهتمام النيابة بهذه المعلومة فإنها طبقا لآخر التحريات وعلى ضوء ما قررته أقرب صديقات ريهام سألت النيابة المخرج المتهم:

• هل طلبت الزواج من ريهام.. واعتذرت هي؟!

نعم طلبت الزواج.. لكن ريهام قبل أن تعتذر حكت لي عن تجربة حب فاشلة مع زميل لها قبل التخرج اسمه مجدي، وروت لي بالتفاصيل كيف بدأت هذه العلاقة واستمرت عامين، حتى كانت النهاية بسبب تعنت مجدي.. فالشاب كان متزمتا ويغار عليها ويرفض تحررها، ويطالبها بأن تغير طبائعها وتنسى تقاليد الطبقة الأرستقراطية التي نشأت فيها.. بل كان يعترض على ملابسها وصديقاتها ويأمرها ثم يطالبها بطاعته.. ورغم أنها تحملت واحتملت وصبرت فإنها في النهاية لم تستطع أن تكون الإنسانة الأخرى التي يتمناها، ولم يستطع هو إلا أن يكون ظالما لها وحاكما بأمره، فابتعدت ريهام عنه وقطعت علاقتها به.. كانت ريهام تحكي عن مجدي وتغالبها دموعها.. ثم قالت لي إنها حاولت نسيانه وتوهمت أنها تعيش حبا مع زميلها رشدي وكان فاشلا في دراسته، إلا أنه ينتمي لنفس طبقتها الأرستقراطية وأحد أبناء واحد من أكبر الأثرياء في مصر، ومع الوقت اكتشفت أنه مدمن ولا ينافسها في قلبه سوى حبه لسهرات الكيف وجرعات الهيرويين التي فشلت في إبعاده عنها، وتحريره من عبودية هذا الإدمان، فقررت أن تنجو بنفسها وقطعت علاقتها به هو الآخر، ورغم أن هذا الشاب الثري المدمن أحبها بجنون باعتراف ريهام نفسها؛ فإنها لم تكن تطيق سماع اسمه أو تتذكر تجربتها معه، التي ندمت عليها أشد الندم، وبعد التخرج فوجئت ريهام بأن مجدي تزوج من زميلة أخرى من نفس الوسط الشعبي؛ الذي ينتمي إليه مما سبب لها جرحا نافذا بالقلب لم يندمل حتى الآن.. ورغم مطاردات الشاب المدمن لها واستماتته لإعادة علاقته بها فإنها تجاهلته تماما.. وبعد أن حكت لي ريهام قصتها مع الشابين اعتذرت بلباقة شديدة عن الزواج مني لأن قلبها مازال مشغولا بحب مجدي، وتقبلت منها هذا الاعتذار وصرت صديقا لها.

اعتراف

ظل المخرج السينمائي محبوسا بأمر قاضي المعارضات حتى حدث ما لم يتوقعه رئيس مباحث العجوزة بعد أن توصل للمكان الذي يختبئ فيه السايس، وما أن شاهد ضباط الشرطة حتى تمكن من الهروب.. ويبدو أنه أراد ألا يتأزم موقفه القانوني فسلم نفسه للنيابة وقدم اعترافا مثيرا وخطيرا:

• الإدمان هو الذي جمع بيني وبين رشدي ابن الأثرياء الذي كان يراقب ريهام ويتتبع خطواتها.. أعطاني مبالغ كبيرة حتى عرف مني أنها تتردد على شقة المخرج يوميا ولا تغادرها إلا بعد منتصف الليل.. كانت الظنون تلعب به وكان يعتقد أنها دفعت مقدما ثمن النجومية في هذه الشقة.. وذات ليلة طلبني على الهاتف وطلب سرعة ذهابي إليه.. وفي إحدى الشقق التي يمتلكها والده التقيته وفوجئت بجثة ريهام ممددة فوق أرض حجرة النوم وملابسها ممزقة.. كان متوترا وعصبيا.. صارحني بأنه تحايل على ريهام بحجة رد بعض صورها الخاصة، وظهر أمامها حملا وديعا وتظاهر بأنه أقلع عن الإدمان، وبدأ صفحة جديدة في حياته ويريد أن يعتذر لها ويرد إليها كل ما يخصها وينهى علاقته بها بشياكة.. ويبدو أنها صدقته دون أن تعلم هدفه وأنه يريد أن ينالها كما نالها المخرج.. لكنها قاومته بشراسة وخشي من الفضيحة فكتم صراخها ثم فوجئ بها وقد فارقت الحياة بين يديه.. طلب مني أن نعيد إليها ملابسها ونستر عورتها ثم وعدني بعشرين ألف جنيه لو ساعدته في التخلص من الجثة.. سال لعابي أمام المبلغ الكبير.. وقلت له إنني تحت أمره.. صمت رشدي لحظات ثم اقترح أن نضع الجثة في سيارة المخرج وبالتالي نتخلص منه ومنها في وقت واحد.. هو إلى السجن وهي إلى المقابر.. ساعدته بالمفتاح الخاص بسيارة المخرج ونقلنا الجثة في الثانية فجرا؛ بينما كان المخرج ينتظرها في شقته.. أنا لم أقتل.. ولكنني نفذت للقاتل ما يريد بعدما فشل في القضاء على عذريتها ولم يبق عليها آنسة. تم القبض على رشدي وبمواجهته بالسايس اعترف بالجريمة وأحيل إلينا محبوسا بينما تم الإفراج عن المخرج السينمائي.. ورغم مرافعة كبار وأشهر المحامين عن ابن الذوات فقد قضينا عليه بالمؤبد.. أما السايس فقد عوقب بالسجن المشدد عشر سنوات.

من بين سطور هذه القضية التي شهدها حي النزهة بمصر الجديدة وحي العجوزة بالجيزة تفوح رائحة التفكك الأسري وأثره على الأبناء وما ينتظرهم من مصير، فقد كانت ريهام ضحية طلاق أبويها.. الأب تزوج من امرأة أخرى.. والأم تزوجت هي الأخرى لتكيد لمطلقها وبقيت الابنة الوحيدة في رعاية جدتها العجوز والمريضة.. وتحت زعم التحرر وكراهية القيود عاشت ريهام حياتها كما يحلو لها غير عابئة بتقاليد أو قيم كانت تعتبرها من الأفكار الرجعية.. عاشت وماتت ضحية أبويها وعلاقاتها المريضة وكادت أن تتسبب في إعدام أو سجن شخص بريء.. أما المخرج السينمائي الذي كان اسمه على كل لسان بعد فيلمه الأول فقد عاد إلى لندن حيث عاش شبابه ودرس الإخراج السينمائي.. ولم تقم له قائمة حتى الآن.

Leave a Comment