مريم باقر – عروج الحلقة 151

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

انفعل.. اغضب

ليس فينا من لم يتعرض لسيول المفردات الجارحة.. ليس فينا من لم يتعرض لاتهامات شنيعة.. ليس فينا من لم تتقطعه سهام النميمة هنا وهناك.. وليس فينا من لا يجد في قائمة معارفه من يكنون له الكره والحسد والضغينة.. وليس فينا من لا يجد في من حوله من يحاول جاهدا أن يكسر كل بارقة أمل فيه ويهدم صرح كل طموح عنده.. وليس فينا من لم يواجه بعدائية ظاهرة وباطنة..

نعم إنها مواقف تمر في حياة البشر كلهم.. فمشاعر البشر تجاهنا مختلفة.. باختلاف المواقف التي بيننا وبينهم.. وباختلاف خلفياتهم النفسية والإيمانية.. والثقافية.. وباختلاف التراكمات التي تتكدس في قلوبهم وعقولهم..

ردود أفعالنا وسلوكياتنا مع هؤلاء تختلف أيضا باختلاف قناعاتنا الإيمانية والحياتية.. وباختلاف ثقافتنا النفسية والاجتماعية.. ولكن في الغالب الأعم.. إما أن تجد الكره يقابل بالكره.. والإساءة بالإساءة.. أو أن تجد بعضهم يتخذ موقفا عاليا وراقيا جدا بأن يتجاهل هذا كله ويترفع عن سفاسف الأمور.. فيعطيها ظهره.. ويصم آذانه عنها.. لكنها تبقى عالقة في القلب.. وإن تظاهر الفرد بعكس ذلك.. فكلا الشخصين يبقى الجرح غائرا في نفسه.. يبقى نزفه منسالا.. وكلما تذكره جدّ الجرح نزفا وألما.. رغم أنهما يتظاهران بالراحة من ردود أفعالهما تجاه الإساءة.. وهكذا أيضا بالنسبة للغضب المكبوت.. فأحيانا يستوجب الوضع الاجتماعي أن يتصرف المرء بعقلانية.. دون أي انفعال فيبقي تلك الأكوام متراكمة في عقله وقلبه..

وهكذا أيضا من تضطره الظروف لتمثيل الوداعة والهدوء حتى لا يخسر الآخرين إذا ما أفصح عن مكنونات قلبه من ألم وتعب.

فكثيرة هي المواقف التي تستوجب منا التصرف بخلاف الشعور الحقيقي الذي يسكن حنايانا.. ونكتم الآلام.. ونكتم تلك الغصات.. وبتراكمها مرة بعد مرة.. وموقفا تلو الآخر.. أي عندما نتجه بتوليد الضغوط بداخلنا.. وحماية منظرنا تضعنا في موقف لا نستسيغه لأنفسنا.. وذلك يرجع للقناعات المتأصلة فينا تجاه الانفعال.. فمن بعض قيمنا التربوية التي انغرست في نفوس البعض.. أنه كلما كان الإنسان متزنا.. أوقف ظهور انفعالاته وتظاهر بالهدوء والاتزان.. وإن لم يقوَ على ذلك هرب بعيدا لمكان ينعزل فيه فترة.. وهناك يطلق العنان لتلك البراكين في الظهور..

فهي ثقافة تربوية.. تجعلنا نمثل الاتزان.. وفي قلوبنا أكوام وأكوام..

وهذا قارئي الفاضل.. يعد خطرا لا يتهاون فيه أبدا.. ويجب عدم تجاهله.. بل يجب معالجته فورا.. والسبب أن مثل هذه التراكمات غير المعلن عنها ستؤدي بعد فترة ليست بالطويلة لأمراض جسدية خطيرة.. مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض السكري.. وأمراض الجهاز العصبي..

وأول بوادره أنك كلما ضغطت شعورا داخلك وتصرفت بخلافه تشعر بوهن في طاقتك.. وأحيانا شرود في تركيزك.. وميلك للنوم ساعات طويلة.. أو قد تشعر أحيانا بالدوار المفاجئ.. مثل هذه الأعراض هي بمثابة ناقوس خطر ينذرك بذلك الدمار الصحي القادم.. ولا سبيل لوقفه غير الوعي والإدراك ومعالجته بشكل جدي وجاد..

قارئي.. إن كنت من هذه الفئة الكتومة.. التي تكتم مشاعرها وانفعالاتها وتظهر بمظهر الاتزان والتعقل والصبر.. إن كنت منهم وتشعر ببداية نواقيس الخطر تدق في عالم جسدك.. عليك اتباع التالي:

* لا أطلب منك القيام بعمليات عقلية مستحيلة مثل تغيير قناعاتك لأني أعلم تماما صعوبة هذه المسألة.. لا سيما لمن مر بهم العمر.. وتأصلت لديهم بعض القناعات بشكل يصعب معه التغيير.. وإن كان ليس بالمستحيل.. لكنني سأطلب منك ـ قارئي الفاضل ـ أن تصاحب أفرادا معتدلين في إظهار انفعالاتهم.. صاحب من يتمتعون بشيء من الوضوح في شرح وبيان مشاعرهم وانفعالاتهم.. فمصاحبتهم ستعطيك الوميض الأول والجذوة الأولى لإحداث التغيير فيك.. وإن كان طفيفا.. فرحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.. وأصعب الخطوات أولاها..

* الدعاء والاستعانة بالصلاة والصبر.. فكل خطوة لا تلقى المساندة الإلهية مآلها إلى الفشل حتما..

* تجديد النوايا.. فإن كنت عازما فعلا على الاتجاه نحو الصحة.. ونحو التعامل مع تلك الأكوام المتراكمة بداخلك.. عليك بتجديد النية كل يوم بالتخلص من هذا الكبت المميت.. فالتجديد يزيدك قوة وإصرارا.. وستجد نفسك تأخذك إلى حيث الخلاص الفعلي..

* المعرفة.. ناقش أهل الخبرة.. وأهل العلم.. اقرأ.. واطلع لتعرف مدى خطورة كبت الانفعالات بشكل مبالغ فيه.. اطلع على الطرق السليمة والصحيحة للتنفيس عنها.. بحيث تحفظ لك صورتك التي تعتز بها ودون أن تسبب الضرر لذاتك أو للآخرين.

* ضع هدفا محددا مكتوبا أمامك وفي متناول يدك.. ترجع لقراءته وتعديله بيسر.. ولا تعتمد على الأهداف الشفهية أو المخططات الذهنية التي لا تستقر على أوراق وتخطها الحروف.. فالكتابة في هذه الخطوة ضرورية جدا.. وتعد من أقوى البرمجات لإحداث التغيير الداخلي الإيجابي.

قارئي.. خير الأمور أوسطها.. فلا إفراط ولا تفريط.. عبِّر.. انفعل اغضب.. أظهر غيرتك.. لكن بحدود.. فتلك سلامة.. وتلك صحة.. متى ما ظهرت بالقدر الذي يحفظ صحتك النفسية والجسدية ولا يضر بالآخرين.

اخترنا لك