مريم باقر – عروج الحلقة 152

انتظار

الانتظار.. هو حالة ذهنية ونفسية.. نعرفها جيدا.. ونعرف ما يختلج في النفوس إثر حالات الانتظار.. منها اعتصارات نفسية تتسم بالحرارة،

كالشوق وانتظار من نحب.. انتظار عودته.. وعودة صوته.. وعودة رؤيته.. أو ذاك الشعور الأليم الذي نمر فيه إثر انتظار شفاء المريض.. أو ذاك الشعور الخانق في انتظار انكشاف هم وغمة.. أو تلك النبضات المتسارعة في انتظار شيء مفرح.. أو تلك الأنفاس العميقة التي نتنفسها في انتظار حدث سعيد أو موعد طال انتظاره.

فالانتظار إما أن يحمل في طياته مشاعر رائعة.. أو مشاعر مميتة.. ففي كل الأحوال، في الانتظار تصبح الساعات طويلة وعقارب الساعة تأبى الحراك، والليل يطول ولحظات الصمت  تسيطر.. والصور الذهنية تتلاحق بأطياف سريعة في الذهن.. وتجتاحنا رغبة شديدة بالتحدث تارة مع أحدهم لنصف له ما تعالجه أرواجنا من الانتظار.. وتارة نميل للعزلة.. ويتعكر المزاج.. وتضيق الدنيا.. والصدر.. فيصبح الملل من أكثر المشاعر المصاحبة والمسيطرة على قلوبنا.

وكل منا من موقعه هو في حال انتظار.. فالأم تنتظر قطف ثمار تعبها مع أبنائها.. والأب ينتظر أن يستمتع بفلذات كبده عندما ينزلون لواقع الحياة، بعد انتهاء فترة الدراسة.. والشباب ينتظرون إنهاء دراساتهم.. وينتظرون مستقبلهم.. والفتاة تنتظر الليلة التي ترتدي فيها الفستان الأبيض.. ثم تنتظر وليدها.. والشيخ الكبير ينتظر تجمع أحفاده.. والموظف ينتظر تحقق طموحاته الوظيفية.. والصغار ينتظرون نهاية الأسبوع ليلعبوا ويتخلصوا من قيود المدرسة.. والأسر تنتظر الإجازة الصيفية للسفر والسياحة.. والكاتب ينتظر أن تبرق في ذهنه فكرة يكتبها والعالم ينتظر انتهاء دراساته.. والعابد ينتظر هدأة الليل ليختلي بربه.. والعشاق ينتظرون لحظات اللقاء..

وهكذا فكل منا ينتظر.. ويعيش الانتظار بشكل من الأشكال.. لكن هناك فئة من الأشخاص ينتظرون ما يتطلعون له.. ويسعون له طويلا.. لكنهم ما إن يصلوا لمبتغاهم يصابون بالإحباط.. أو بذاك البرود في الهمة.. لأن ما وصلوا له لم يكن هو ما ينتظرونه، فيبدأون رحلة السعي والانتظار من جديد.

وهناك من ينتظر وينتظر بكل اعتصار وألم.. فإن تأخر وصول ما كان ينتظره، فإن نفسه تأبى انتظاره أكثر..  فمن بعض الحالات التي تعتري النفس الإنسانية.. أن ما يطول انتظاره يخلق في النفس حالة من اليأس.. أو من رفض الانتظار.. بسبب التعب وشدة وطأة آلام الانتظار.. حتى أنهم بمجرد أن يصل إليهم ما كانوا ينتظرونه يصابون بخيبة الأمل ومزيد من الألم.. فطول الانتظار.. مع تحقق المراد في أوان متأخر يخلق في القلب حسرة.. ويجدد آلام الانتظار.. ويجدد تلك الاعتصارات.. فتجدهم يشيحون بوجوههم عما انتظروه طويلا، نعم إنها حالة تعتري بعض النفوس البشرية.. ولاسيما إذا كانت هذه النفوس تتسم بالحساسية والمصداقية.. فإن هؤلاء عادة ما يعيشون مشاعرهم بعمق وبإخلاص فيكون ألم الانتظار مضاعفا عما عند غيرهم.

وتبقى هذه المسألة بالنسبة إليهم مؤلمة حتى في ذكراها..

أو في الحديث عنها.. أوفي أي شيء يتعلق بها..

نعم فوصول الأشياء بعد فوات أوانها بعد طول انتظار يفقدها معناها.. بل يحولها إلى ألم وآهات.. ولكن .. لكل من يعانون مثل هذه الحالة النفسية.. أقول.. إن هذا الكون بكل مجرياته.. إنما يسير وفق نظام دقيق جدا.. بل لا متناهي الدقة.. ولكل شيء أوان ولكل هدف وقت.. ولكل أمنية زمن تحقق فيه.. فلا السعي يقدمها خطوة إن كان الباري قد كتب لها التأجيل.. لذلك اعلم قارئي الفاضل.. وضع في الاعتبار بل يستوجب عليك بناء قناعة قلبية وعقلية تستقبل بها الآتي وتعالج بها ما قد مضى.. بأن كل حدث في الحياة له ميقات معلوم عند رب العباد.. لا يؤخره ولا يقدمه حول انتظارك.. فكل الأشياء تأتي في أوان محدد لها في السموات.. فكلما طال انتظارك اعلم أنما الإطالة فيها حكمة.. واعلم أن ما نقاسيه من آلام الانتظار قد يكون عاملا لنضجك.. وقد يكون محكا لاختبار صبرك، لذلك انتظر واصبر صبرا جميلا.. وكن على يقين أن ما تنتظره سيأتي لا محالة عاجلا أم آجلا.. لكن لا تفقد صبرك.. ولا تستسلم للآهات والأفكار السلبية.. بل تفكر في حكمتها.. لست بصدد إعطاء أمنيات سرابية بتحقق المنى.. لكن هذا هو واقع الحياة وهذا هو أحد قوانين الكون.. فلكل شيء ميعاد وميقات، لكن إن أردت التعجيل فهناك سبيل واحد.. وهو الدعاء.. والسبيل الذي يليه هو السعي والصبر.. نعم الدعاء.. فإن طلبت من الخالق بإخلاص بتقريب ما تنتظره.. وبوضع حد نهائي لألم انتظارك لا يقدر عليه إلا من بيده المواقيت والأوان.. اطلب منه بإلحاح أن يقرب لك البعيد ويجمعك بمبتغاك، إن كان فيه خير لك، وإلا ففي بعض القصص والحكايا تمنى البعض شيئا وانتظروه وما إن وصلوا له وجدوا فيه هلاكهم.. لذا لكل منتظر أقول: لعل انتظارك خير ولعل الآن أفضل.. ولعل الإبطاء فيه صالحك.. لست أواسيك،  لكني أتعامل بحقائق واضحة تحكم هذا الكون وهذه الحياة، وأفضل ما تفعله في الانتظار.. هو الاستعانة بالصبر والصلاة.. فإنها آليات الاسترخاء القلبي والذهني وهي التي تشحن طاقتك وتمنع عنها الاستنزاف والعناء وتحول الانتظار لعبادة ولذة واستمتاع.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك