كتاب اليقظة

مريم باقر – عروج الحلقة 154

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

الملتصقون

عندما يتحدثون.. يذكرون أن فلانا من أصدقائهم.. من أعز معارفهم.. عندما يحكون ذكرياتهم.. لا ينسون أبدا.. أن يذكروا أن فلانا المشهور كان معهم.. وتجد نبرات الزهو تقفز من بين حناجرهم.. وتبرق أعينهم.. وهناك من يلتصق بالآخرين.. التصاقا شديدا.. يقدم الإعجاب.. ويقدم الولاء.. ويقدم القرابين من وقت وجهد ومال.. فقط ليبقى محافظا على ذلك الالتصاق.

وهناك من يستحوذ.. فيجعل الآخر في قبضته.. لا يتركه أبدا.. حتى أن هذا الآخر يكاد لا يرى منفذا للانتزاع من هذه العلاقة.

قارئي الفاضل.. مثل هذه العلاقات.. التي تتسم بالالتصاق المزعج.. الذي مهما حاولت فكها فستجد الآخر يطل عليك من أضيق المنافذ وأصغرها.. بل ويختلق الفرص ويتصيدها فقط ليقول لك.. أنا موجود.. ولن تستطيع الفكاك مني!!

وإن أبديت انشغالا.. وإن كنت بالفعل كذلك.. أو قدمت اعتذارك من التواجد معهم لأي ظرف.. فستجد الاستياء يعلو محياهم.. وتتغير نبراتهم.. وأول ما يفعلونه في مثل هذه المواقف هو التعبير لك عن الحب والشوق لكنهم في أعماقهم يرفضون تماما أن تنشغل عنهم.

مثل هذه العلاقات التي يزهو بها البعض.. أو أولئك الملتصقون إنما يفعلون ذلك لأسباب عدة.. إذا ما فهمتها وأدركتها.. سيسهل عليك التعامل.. وتبتعد عنك مشاعر الانزعاج.

من هذه الأسباب:

1 – شعور المرء بنقص في داخله يجعله لا إراديا يتجه نحو القوة.. وهذا أمر فطري في النفس البشرية.. لكن هذا الشعور قد يستفحل ليتحول لإشكال نفسي يدفع صاحبه للالتصاق بالآخرين ليعوض هذا النقص.. وليضفي على نفسه شعور القوة.. سواء يستشعرها في داخله أو يتباهى بها أمام الآخرين.

2 – قلة الثقة بالذات.. وعدم تقديرها حق قدرها يجعل ميزان المرء معطوبا.. فالموازين لديه والمعايير لا تتسم بالعقلانية ولا بالاتزان.. فلا يرى في ذاته إلا ما يضيفه الآخرون له.. ولا يجد في ذاته المقومات أو الأسس التي يستطيع الارتكاز عليها ليكون واثقا مستقلا، لذلك فالملتصقون يشبعون احتياجاتهم التي تتعلق بالذات بتواجدهم مع الآخرين.

3 – وهناك فئة من الملتصقين يعانون من تضخم في الذات.. فلا يشعرون بانتفاخات الفروح النفسية لديهم إلا بحضور الآخرين.. فتجدهم يلتصقون بالحلماء والحكماء الذين عادة ما تكون هذه الإعاقات النفسية جلية لديهم فيتعاملون على أن يعطوا كلا حسب قدره وحسب عقله.

4 – الملتصقون يفتقدون الهمة والنشاط العقلي والنفسي.. فهم في خمول.. وجودهم في الحياة للأخذ فقط.. لا يستطيعون بذل شيء مع الآخرين ولا مع أنفسهم.. فيبحثون عمن يلتصقون به ليعطيهم مآربهم في العلاقات من شهرة واستحسان دون بذل أي مجهود.

قارئي.. إن كان حولك أحدهم.. وبالتأكيد هم كثر.. فإن التعامل معهم له سمات محددة وإلا فإن التصاقهم بك سيضيق الخناق على أنفاسك.. فما عليك إلا أن تستخدم الرفق واللين بحدود معينة، وتضع قانونك في العلاقة وتفرضه بكثير من اللباقة والرقي..

كأن تحدد لهم ساعات الاتصال.. وتحدد لهم مواعيد اللقاء.. ولا تلتفت لشكواهم وتذمرهم وصد أي محاولة لاختراق قانونك.. وما هي إلا فترة بسيطة.. وسيوقفون التصاقهم ويبحثون عن بديل آخر يكمل نواقصهم النفسية ويضفي بريقا على أحاديثهم وحكاياهم الجوفاء..

أما إن كان الملتصق زوجا أو زوجة أو أخا أو قريبا.. فإن التعامل معهم له آليات أخرى بالإضافة إلى ما سبق..

منها أن تضع يدك على جذر المشكلة التي تشعره بالنقص وتقدم له يد المساعدة في تخطي هذا الإشكال عن طريق التشجيع والحوارات التنفيسية والاحتواء والحب.. وأن تقدم له طرقا تعينه على الاستقلال.. كما تستطيع أن تكون أنت نموذجا حانيا يقتدي به.. وإياك أن تقصيهم عنوة عنك؛ فأي محاولة لإبعادهم رغما عنهم ستأتيك بنتائج وخيمة جدا.. فلربما يقدر الملتصق أن يجد له بديلا غيرك أو يقرر إنهاء الود بينكما، وهذا سيأتي بالكثير من المشكلات الاجتماعية والأسرية.. كالابن الملتصق بوالده أو كالزوجة الملتصقة بزوجها.. فإن الالتصاق في مثل هذه العلاقات يحتاج لكثير من الحكمة والتأني في معالجته.. الالتصاق بالآخرين في كل الأحوال هو احتياج نفسي يصل إلى حد يضيق به صاحبه أو الآخر.

أما التقنيات المقدمة للشخص الملتصق والتي إن عمل بها تغيرت حياته برمتها فهي:

1 – مواجهة المخاوف والضعف الداخلي ببناء قناعات عقلية جديدة إيجابية بشأن الاستقلال وترك مساحات في العلاقات؛ فعندما تبتعد قليلا تقترب كثيرا.

2 – الاستعانة بأهل الخبرة والاختصاص لمناقشة الأمر معهم.

3 – أكثر أعداء شعور الالتصاق الفراغ.. فملء الوقت بالهوايات والعبادات والتأمل يعد معينا رائعا يوقف تلك القوة الداخلية الدافعة للالتصاق.

4 – الشخص الملتصق يوضع في محكات حقيقية بأن يبتعد قليلا عمن التصق به، وسيندهش من أن لا شيء سيؤثر سلبا في علاقته بالآخرين.

وأخيرا فالنفس الإنسانية مثل المحيط المترامي الأطراف.. كلما أبحرت فيه وجدت فيه الجديد.. وكلما غصت فيه وجدت فيه أيضا أعماقا سحيقة.. ولكي تتفهم سيكولوجية الملتصقين اذهب وراء التصاقهم.. وستجد أن دوافعهم لا تتعدى كونها ضعفا في جانب معين في شخصياتهم أو في عقولهم الباطنة.. واجتياز هذا الإشكال يتوقف على الوعي والعزيمة وطلب المعونة الإلهية.

Leave a Comment