مريم باقر-عروج الحلقة 155

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

الإلهام

نمر بأناس في الحياة.. في دروب مسيرنا.. يقومون بأعمال غير اعتيادية من الخير والحب والعطاء.. نجدهم يعيشون برامج نادرة.. نجدهم مختلفين في كل شيء.. في أفكارهم.. في مشاعرهم.. في تعاطيهم مع المواقف.. مختلفين في اختياراتهم وفي ألفاظهم.. وفي ردود أفعالهم..
فمن أين جاءوا بهذا الاختلاف؟ ولماذا آثروا هذا المسلك رغم شدة التيارات المضادة والمعاكسة؟.. من الذي ألهمهم؟ وكيف استدلوا على علامات الإلهام وقد غابت عنا؟! في الحقيقة إن كل هؤلاء.. بدءا بالأنبياء والصالحين وكل الناجحين الذي أضاءوا صفحات التاريخ الإنساني.. كلهم كانوا يقومون بأشياء مختلفة عما اعتاده.. الجميع.. يقومون بما آمنوا به.. مما هو ضمن دائرة تحوي الحب والعطاء والتسامح.. وقاموا بتفعيل هذه العناصر في قلوبهم أولا وفي عقولهم كقناعات راسخة وثابتة، واستشعروا نورها وبريقها الرقراق في أرواحهم.. ثم نقلوها لسلوكيات مفعّلة في كل خطوة وفي كل لفتة من لفتات حياتهم.. البرنامج الأساسي لكل هؤلاء والذي طبقوه بتقنيات مختلفة التفاصيل ومتوحدة في الخط العام هو التأمل.. نعم التأمل.. فالأنبياء كلهم كانوا يعتزلون الجمع لفترات معينة ويختلون بأنفسهم ويمارسون التأمل والصمت.. كلٌّ على طريقته.. وكان هذا المنشط الروحاني جزءا أساسيا يقومون به كل يوم لسنوات طويلة.. ولنا في رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة حينما كان يختلي بنفسه في غار حراء لفترات معينة.. وكذلك إن تصفحت سير الناجحين والمصلحين فستجدهم كذلك.. فمثل هذا المنشط لا يقوم به إلا المميزون.. الذين أدركوا حقيقة لا يرقى لها الملتصقون بالتراب وبالحطام وبالغواني.. لأن التأمل ما هو إلا صلة الإنسان بذلك الصوت الداخلي الذي لا يمكن سماعه وسط زحمة الحياة اليومية ومسؤوليات الحياة وانشغال الذهن.. ذلك الصوت يصدر من الجانب النوراني في الإنسان من الجزء المتعلق بالنفحة الإلهية.. وعادة ما يكون هذا الصوت بمثابة الإلهام الذي يوجه صاحبه نحو السمو والرقي.
فإن كنت قارئي الفاضل.. ترنو للتميز في أي منحى من مناحي الحياة.. وإن كنت تصبو للعلو والسمو.. فإن أهم برامجك التي يجب أن تكون في الصدارة بعد الصلاة هي عشرون دقيقة من التأمل يوميا.. وأفضل الأوقات المقترحة لذلك بعد صلاة الفجر مباشرة؛ حيث إن هدوء العقل يتناغم مع هدوء الأفق.. إضافة إلى موجات الفجر وطبقات الأوزون التي تكون في أنقى حالاتها فتضفي على هذه الجلسة التأملية الكثير من الشفافية وتساعد على الاتصال الواضح بالذات..
أما الأمر الثاني والأساسي الذي يشترك فيه كل هؤلاء المميزين هو التعامل مع ذواتهم بعيدا عن الالتصاقات المادية.. إذ إنهم لا يرون أنفسهم أجسادا.. ولا يفكرون بقيود عقلية مادية.. بل تحرروا من ذلك كله وانطلقوا نحو الروح.. ولا يتعاملون مع الجسد إلا كغلاف جميل لتلك الروح الخالدة.. فيعطونه من الاهتمام المناسب دون إفراط ولا إسراف.. ويلتفتون إلى المحتوى بكثير من الرعاية والعناية.. فيرون أنفسهم مخلوقات غير محدودة شرفها الباري بقدرات هائلة.. وبإمكانات مهولة ما دامت متصلة بمنشئها وهو رب السموات والأرض.. رب الروح وبارئها فيتحركون وفق قناعة بأن المستحيل هو ضرب من ضروب الخيال وبأن الحياة ليست إلا مرحلة من مراحل الروح.. سرعان ما ستغادرها إلى دار البقاء..
وبالتالي تجدهم يتمتعون وفق هذه القناعة بكثير من الاتزان والرزانة.. تشعر بهدوئهم.. وترى بريق الحب يلمع في محاجرهم.. تنطلق أصواتهم هادرة.. وكلماتهم لتصل لعنان السماء بما تحويه من خير.. تلك الكلمات التي لا تخرج عن دائرة الحب والتي تحفز كل القوى المحيطة بهم.
أما الأمر الثالث.. فهم يؤمنون جميعهم بقناعة رائعة.. وهي أن كل الآلام التي مروا بها أو التي ستواجههم، إنما هي عطاء يحمل في طياته أطواق الياسمين.. يحوي سرا لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال محطات الألم والمرور بها.. فتجدهم رغم عقبات الحياة ورغم مصاعبها في سلام.. يستقبلون الرياح بنفس مطمئنة.. ولعلك قارئي الفاضل تعتقد أن ذلك غير معقول بأن يمر المرء بمعضلة ثم لا يتأثر بها.. لكن الأمر ليس كذلك.. فإنهم يتأثرون وتتساقط دموعهم.. وتشعر بحرارة زفرات آهاتهم.. فمشاعرهم مرهفة.. ويستشعرون الاعتصارات القلبية.. لكنهم مؤمنون صابرون.. في وسط كل هذا تجدهم في حال من الرضا.. يكملون مسير العطاء.. ولنا في نبي الله يعقوب أسوة.. حيث عانى آلام فراق ابنه النبي يوسف بالبكاء والألم.. لكن ذلك لم يغير إيمانه وصبره واستكمال مسير العروج الروحاني.
نعم.. حاول قارئي الفاضل.. استبصار الحكمة وراء الألم.. لا تصرف فكرك في الشكوى والتذمر.. بل اصرفه في التعرف على سر هذا الألم.. وما الدرس الذي يجب أن تأخذه معك من هذه المحطة..
ورابعا.. هؤلاء يقومون بالتسامح وهم في أصعب مواقف الإساءة فهم لا يجعلون قلوبهم موطنا للأحقاد.. ولا يرتضون أن تكون صدورهم ملآ بالكراهية أو رغبات الانتقام أو التشفي.. بل يقومون بتنظيف أوعية قلوبهم أولا بأول.. ويقومون بإنارتها بالتسامح.. كما كان يفعل من كان معلما أخلاقيا منقطع النظير سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. حيث كان يرتقي بالتسامح عن أعدائه في أكثر المواقف صعوبة وألما وضغطا على القلب والنفس.. فإن دربت نفسك قارئي الفاضل على مسامحة كل من أساء إليك لا سيما من أساء إليك وترك فيك جرحا غائرا وألما متواصلا.. فإنك إن نجحت في ذلك فستجد الحياة تفتح أبوابها أمامك بشكل لم يخطر ببالك أبدا.. وهذا ليس وعدا مجازيا.. بل هو وعد إلهي وقانون كوني لا محالة واقع.. فلا وسيلة لقلب العداوة إلى محبة وسلام إلا بالحب والود والعطاء والتسامح كما قال الله تعالى {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}.. قارئي الفاضل.. قم بهذه الخطوات الأربع.. واستمر فيها لفترات طويلة.. وستجد الحياة برمتها في انتظارك.. وستشهد عيناك بتدفق الخير في كل مناحي حياتك.. وأول ما ستتلمسه هو تدفق دفء السكينة بين حناياك.

اخترنا لك