كتاب اليقظة

مريم باقر-عروج الحلقة 156

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

واقع جميل

ما تطمح إليه في حياتك هو عبارة عن صورة ذهنية تمر في مخيلتك، ترسم لها تفاصيلا يصاحبها الكثير من المشاعر التي تتوقع أن تغمرك عندما تصل لما تصبو إليه.

فالبعض يرنو لمنصب كبير، وتمر هذه الصورة في مخيلته بين حين وآخر، ويبدأ خياله بإمداد هذه الصورة ببعض التفاصيل لاسيما الشعورية، وآخر يرنو لمزيد من الثراء يتبعه المزيد من متع الحياة، وآخر يرنو لفتاة أحلامه، وآخر يرنو للحصول على درجة علمية عالية، وآخر يرنو لشهرة ولمعان وبريق اجتماعي، وهكذا تتفاوت الصور من مخيلة لآخرى حسب احتياجات كل فرد، وحسب أولوياته التي يرى فيها تحقيق سعادته وراحته.

وكل ذلك من ضروريات الحياة، فبالطموح نرتقي وبالأمل نبني غدا أجمل، ومثل هذه الرؤى والصور تدفعنا في مسير حياتنا لمزيد من العمل، ومزيد من السعي يدفعها الإصرار والثبات.

لكن هناك شرطا يغيب عن مخيلة الكثيرين، ما يجعل الوصول لمثل هذه الرؤى لا يخلو من المنغصات والعوائق، بل قد يصل لها الفرد لكنه يفاجأ بأن ما كان يتصوره لم يكن حقيقيا، فالواقع لم يمده بكل تفاصيل صورته الذهنية، وسرعان ما تدب مشاعر خيبة الأمل والشعور بالإحباط وقد يسميها البعض بالفشل.

طبق هذا أيضا على الكثير من العلاقات الإنسانية التي نأمل لها بالازدهار والتطور، ونأمل لأنفسنا فيها الطمأنينة، فكم من امرأة مازالت تحلم وتهدف لحياة يملؤها الحب والدفء، ولكن مثل هذه الأحلام ارتطمت بأرض الواقع وتحول الحلم لواقع مرير، وكم من رجل يصبو لتكوين أسرة كريمة يكون فيها هو القوام والقائد الحكيم، لكن بعد مرور السنوات يفاجأ فأن سفينته تقودها الأهواء والرغبات الهوجاء في الاستقلالية والسيطرة من قبل الآخرين من أفراد الأسرة، فيتحول الحلم إلى خيبة أمل تلحقها مشاعر مريرة من الخوف، وتتراكم أكوام الغضب الداخلي، ويبدأ بالانعزال والتجاهل واللامبالاة، وقد يستبدل الحلم بحلم آخر.

ويبحث عن ارض أخرى يشد إليها رحال قلبه، وهناك تساؤلات كبيرة تدور في أذهان الكثيرين ممن يعانون مثل هذا الأمر، وهي لماذا آل الأمر لما هو عليه؟! لماذا ضاعت الأحلام؟! لماذا لم يتحقق لنا ما كنا نصبو إليه رغم حصولنا عليه؟!

فأين الحب المنشود؟ وأين نشوة النجاح المأمولة؟ وأين دغدغة الأرصدة الكبيرة؟ هل الخلل في أحلامنا؟ أم فينا؟ أم في الآخرين؟ إن مثل هذه التساؤلات تجدها تدور في أعين أصحابها بحيرة، والسبب بكل بساطة يكمن في أن الله تعالى خلق الإنسان بفطرة واضحة، وبتفاصيل دقيقة خلق الرجل والمرأة وفي كل منهما نزعة للخير، فكل البشر يميلون للخير وإن لم يفعلوه، وأقسى الناس قلبا تجده يميل للخير وإن كان تمثيلا، وعلى الناحية الثانية خلق للمرأة فطرة أنثوية وللرجل فطرة رجولية، ولكل منهما دوائر ثابتة وواضحة، وقد بينها النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم بتفصيل ووردت في القرآن الكريم كذلك.. هذه الدوائر بدأت تتلاشى بشكل تدريجي بطيء، وبدأ الإنسان يفكر ويحلم ويرنو بعيدا عن دوائره الفطرية، ولئن سألتني كيف ذلك؟ أجيبك بأن كل الأحلام والصور الذهنبية التي تدور في أدمغتنا تدور بحرية وبلا قيود، كل ما يرد في الصور هو التفاصيل الدقيقة التي تميل لها قلوبنا؛ لكن هناك ضابطا غائبا في صورنا وهو ضابط الفطرة السليمة، وسأوضح ذلك بأمثلة بسيطة.. فالمرأة التي تحلم بفارس الأحلام وعش الزوجية، وأنهار المحبة والود لا تضع ضابط الفطرة الأنثوية في تفاصيل هذه الصورة، لا تضع ما يجب على الزوجة القيام به من رعاية وعطاء للزوج، ولا تضع في الحسبان تلك الواجبات الشرعية التي سنها الله تعالى على كل زوجة، وبمجرد أن تضيف هذا البند على الصورة الذهنية تجد إحجام المرأة عن الخوض في مثل هذه الأحلام، وكذلك الرجل؛ الذي ينشد الأسرة المتآزرة والمتعاضدة، التي يكون فيها هو القائد؛ يبعد عن مخيلته تفاصيل الواجبات التي سنها الله تعالى على كل رجل يدخل مؤسسة الزواج، من إنفاق وحسن معاشرة وتوفير عناصر الحياة الكريمة، ومسؤوليته الكاملة عن طاقم التجارة في سفينته في كل أمورهم الدينية والنفسية والأخلاقية، وبمجرد أن تضع تفاصيل هذه الصورة داخل الإطار الذي في ذهنه تجده سرعان ما يتوقف عن الدخول فيها مجددا.

نعم فالإنسان في صوره الذهنية يذهب بعيدا عما يحقق الطمأنينة، ويسبح باختياره بعكس التيار الفطري، وما إن يتحقق حلمه يتفاجأ بأن الواقع مرير.. في الحقيقة ليس الواقع هو المرير لكنه لم يضع في مخيلته تلك الشرائط، التي تحقق لصورته الذهنية الطمأنينة والسلام.

فلو كان رسم في صورته ما سيقوم به وفق المعايير السماوية، ووفق ما يحقق للطبيعة الإنسانية السكن والهدوء والوئام، لوصف الواقع عندما يتحقق بأنه الواقع الجميل.

قارئي الفاضل اعلم أن كل صورك الذهنية التي تمر في مخيلتك الآن وأنت تقرأ هذه الأسطر، وكل الصور التي تحلم بتحقيقها في المستقبل القريب أو البعيد، يجب عليك أن تعيد تنظيمها، وتضيف عليها تفاصيل جديدة وفق المعايير الفطرية، التي تحقق للنفس الإنسانية الأمان والسلام، واعلم أنك كلما ابتعدت عن مصادر هدوء النفس الإنسانية ارتطمت أحلامك بواقع مرير؛ يجر خلفه الآلام والمشاكل والاختناقات، وكلما اقتربت من عناصر الهدوء والراحة التي سنها الله تعالى للنفس المطمئنة تحققت أحلامك وحصدت من ذلك الواقع رياحين وياسمينا، أما إن كنت ترتضي الواقع البعيد عن تلك الشرائط الفطرية، فعليك التوقف حالا مع ذاتك فالأمر خطير بالفعل ويحتاج منك انعطافا جديدا في الحياة، وذلك جرس إنذار لا يتوجب منك صم أذنيك عنه، ولا إيصاد باب قلبك عنه فما ترتضيه لن يجر عليك إلا الويلات، وتأكد أن الحياة برمتها لا راحة فيها ولا اطمئنان ولاسلام إلا في ظل شرائط الفطرة السليمة.

Leave a Comment