عروج – د.مريم باقر

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

كررها مرارا

د. مريم باقريتعامل الدماغ مع كم المعلومات الواردة إليه.. بطريقة يعجز الدماغ ذاته في تفسيرها.. فمنذ يتكون الإنسان جنينا في رحم الأم وبعد أن تنفخ فيه الروح.. يبدأ هذا الجنين برصد الأصوات والمؤثرات الكيميائية الناتجة عن تغير حالة الأم النفسية والصحية.. وما إن يخرج إلى هذه الدنيا تزداد المثيرات والمؤثرات.. من أصوات ومرئيات ومحسوسات.. وهكذا يخزن الدماغ كل هذه المعلومات.. وتعتبر السنوات السبع الأولى هي سنوات الطباعة.. حيث يتلقى الطفل أساسيات معلوماته عن هذا العالم.. وكل ما يتلقاه يخزن في العقل بشكل لا إرادي. لذلك تعتبر هذه السنوات هي الركيزة الأساسية لديناميكية العقل.. فإن اعتاد الطفل الاحتضان وتلقي الحب والدعم وألف الحوارات واللعب والدفء نشأ فيما بعد متوازنا قادرا على مواجهة تحديات الحياة.. أما إن عايش الخوف أو الحرمان أو الكبت والعنف نشأ فيما بعد مهزوزا خائفا تتقاذفه الأيام يمنة ويسرة.

فالدماغ يألف نوعية المعلومات التي يتلقاها فيعكسها على السلوكيات وعلى العاطفة.. ومن هنا تجد إنسانا مرنا متكيفا مع مختلف ظروفه.. يواجه الصعوبات بإصرار لأن دماغه ألف هذه الديناميكية.. لا يستطيع الخنوع والاستسلام.. وعلى النقيض تجد إنسانا مستسلما للظروف يميل أينما مالت الرياح لأن دماغه يغذيه بأفكار من نوع واحد وهو الرضوخ ولا يألف غيره.. وتجد صنفا ثالثا وهو من يركن لمناطق الراحة فلا مقاومة لديه.. ولا تحد ولا إصرار بل يبقى على هامش الحياة مستمتعا بملذاتها دونما أي معنى حقيقي للحياة..

فما يألفه العقل منذ الصغر يتحكم بدرجة كبيرة في رسم مسير الحياة وفي تحديد الاتجاهات وصنع القرارات.

والتقنية التي تساعدك على تغيير ديناميكية عقلك هي الآتي..

توجه حديثك المنطوق.. وغير المنطوق أي حديثك الداخلي مع ذاتك.. في الوجهة التي تريدها.. فعلى سبيل المثال إن كنت تريد المزيد من النجاحات.. فما عليك إلا أن تردد مثل الجمل التالية عشرات المرات في اليوم الواحد.. أنا إنسان ناجح.. وأستغل الفرص.. وأستثمر إمكاناتي.. وأتخطى التحديات بمرونة ونجاح.. فإن مثل هذه الجمل ستبرمج عقلك على مدى أيام بانتهاج منهج جديد في طريقة التفكير.. وسيألف عقلك هذه الأفكار وسيبتعد عما ألفه في الماضي من خنوع واستسلام.. وإن كنت تبحث عن الراحة والهدوء والسلام الداخلي فما عليك إلا أن تردد مثل هذه الجمل “أنا متناغم مع كل ما يدور حولي.. ومنسجم مع كل ما في الحياة”.. “أنا أختار انفعالاتي التي باختياري.. وأجعلها فيما يحقق لي الهدوء والسلام”.

إن تكرار الجمل الإيجابية بصيغة المضارع له أثر كبير جدا في تحويل الدماغ من حال إلى حال.. ما يؤثر بشكل مباشر على الحالة النفسية والحالة الصحية.. نعم هذه حقيقة علمية فيها الكثير من الجزيئات العلمية الدقيقة.. لكن ما يتسع له المجال في هذا المقام هو أن تعلم قارئي الفاضل.. أنك إن كنت تريد تغيير شيء ما في حياتك.. فعليك أولا بتغيير أفكار.. وهي خطوة يقف عندها الكثيرون.. لأنها تحتاج إلى مثابرة ومداومة.. فما تكرره من جمل إيجابية لن تجد له أثرا في اليوم الأول.. ولا الثاني.. لكنك حتما ستجد آثاره واضحة في سلوكياتك وعاطفتك وصحتك الجسدية بعد ثلاثين يوما.. وكلما زادت فترة التكرار.. ومرات التكرار ذهلت من النتائج التي ستحصلها..

إن هذا المنهج المبرمج للعقل يعتبر من أحدث التقنيات التي يدعو لها الراسخون في علوم التنمية الذاتية.. لكني لا أجد فيها الحداثة التي يزعمونها لأنني وجدتها في كتاب الحياة.. في القرآن الكريم في قوله تعالى: }الكلمة الطيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء{ فالكلمة الإيجابية تغير ما بين الأرض والسماء في عقل صاحبها.. سبحان من جعل القرآن هدى.

لكن هذه الحقيقة ليست قانونا غير قابل للتغيير والتعديل أو التطوير.. فالدماغ يألف ما اعتاد عليه من أفكار إن اختار صاحبه أن يدعه يتآلف مع ذلك.. لكن إن اختار أن يغير ما اعتاد عقله عليه فإنه حتما قادر على ذلك.. فإن كان العقل قد ألف التشاؤمية في تفسير المواقف.. أو اعتاد التخوف من كل طارئ جديد.. ونظر إليه بتوجس.. يستطيع صاحبه تغيير هذه الديناميكية إلى عقلية تفاؤلية مرحة متكيفة مرنة.. وإن كان العقل قد اعتاد البقاء في دوائر الكسل واللامبالاة فإن صاحبه يستطيع تغيير ما ألفه إلى الانطلاق والنشاط والعزم والاجتهاد..

وإن كان العقل قد ألف الارتباط بذكريات الماضي ولوم الآخرين والحظ على سلسلة الإخفاقات التي مُني بها.. يستطيع أن يقطع تلك الحبال ليحول عقله إلى بناء الأمل وتحمل المسؤولية واتخاذ القرارات.

قارئي الفاضل.. إن كان العقل يعمل بخاصية ما ألفه.. فإنك تستطيع باختيارك أن تغير ما ألفه.. وتجعله يألف ما تريده أنت.. هذه حقيقة علمية ثابتة.. تستطيع استغلالها والعمل بمقتضاها لتختار لذاتك طريقة جديدة تنظر بها إلى هذه الحياة..

أعلم تمام أنك تحدث نفسك بأن ما فات من كلمات في هذه المقالة هو كلام وردي تسهل كتابته وقراءته.. ولكن بعيدا عن التطبيق الواقعي.. ولو كان الأمر بهذه السهولة لوجد الناس ضالتهم في الوصول إلى السعادة المنشودة دونما تعب أو عناء..

وسأرد على ما تحدث به نفسك بالتالي.. نعم.. إنه صحيح لأن عقلك اعتاد على عدم التجريب الجاد.. وأنك بمجرد أن تواجه فكرة التغيير فإن دماغك يرسم لك العوائق والسدود.. هكذا ألف دماغك التعاطي مع الأفكار والمواقف..أما إن تحدث نفسك الآن عن التقنية التي تجعل دماغك يألف ما تريده أنت.. فهذا يعني أنك ألفت التجديد وعقلك سيتكيف مع ما تريد.

اخترنا لك