من أجندة رئيس المحكمة يكتبها: محمد رجب

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

من اجندة رئيس المحكمة

لغز قتيل طريق الأوتوستراد..!

كانت مصر كلها تحتفل بإشراقة العام الجديد.. لكن ضباط مباحث القاهرة لم يستبشروا خيرا بهذه البداية، فقد تلقى مدير أمن العاصمة بلاغا من ممثل مشهور بأنه أثناء قيادة سيارته بطريق الاوتوستراد شاهد سيارة حمراء موديل العام وبداخلها شخص يجلس على المقعد المجاور لكرسي القيادة، ويبدو أنه فارق الحياة بعد قتله.. فالوجه غارق في الدماء حتى أن ملامحه تلاشت، كما تغطي الدماء جاكت الرجل ورباط عنقه..!

حدد صاحب البلاغ مكان الحادث وقرر أنه لم يستطع النزول من سيارته خوفا من أن يكون الجناة أو الجاني ما زالوا في المكان فيتعرض للإيذاء!.. انطلقت أكثر من سيارة شرطة للمكان المحدد.. كما وصلت سيارة إسعاف، لكن تأكد الجميع أن المجني عليه فارق الحياة فعلا ولا جدوى من علاجه!.. لحظات أخرى وبدأت تتكشف بعض المعلومات المهمة.. القتيل كان عميدا بالقوات الجوية قبل تقاعده، كما أنه على صلات وثيقة بالمشاهير والنجوم والشخصيات العامة!

قامت الدنيا ولم تقعد فور الإعلان عن شخصية القتيل.. وتعرضت مباحث القاهرة لضغوط هائلة من كافة جهات الدولة الأمنية وغير الأمنية مع تعليمات مشددة بسرعة كشف لغز الحادث والقبض على الجاني أو الجناة!.. لهذا تشكل فريق بحث من خمسة عشر ضابطا من أمهر ضباط المباحث بقيادة رئيس مباحث القاهرة.. وأكدت التحريات أن المجني عليه من الأثرياء المعروفين وصاحب واحد من أكبر معارض السيارات في مصر الجديدة.. ومتزوج من محامية معروفة بالاستئناف العالي والمحكمة الإدارية العليا.. ويقيم مع زوجته في فيلا بالنزهة الجديدة.. وليس بينه وبين آخرين أية عداءات أو خصومات!!

أثبتت المعاينة وجود بقع دماء على باب السيارة من الخارج، وبقع أخرى فوق الأرض لمسافة أمتار بعيدا عن السيارة، مما يعني أن أحد الجناة أصيب أثناء ارتكاب الحادث ونزفت منه الدماء وهو يلوذ بالهرب!.. لكن من هم الجناة؟!.. ومن الذي كان يقود السيارة بينما جلس المجني عليه مطمئنا إلى جواره؟!.. سؤالان في غاية الأهمية والصعوبة معا، خاصة وأن القتيل ليست له أية عداءات أو علاقات نسائية مشبوهة!.. وللإجابة عن السؤالين انتظرت المباحث حتى اليوم التالي لمناقشة المحامية المعروفة زوجة القتيل وابنها من زوج آخر وهو حديث التخرج من معهد السينما وكشفت التحريات أنه يقيم في شقة تمليك بأحد الشوارع القريبة من فيلا والدته.. وبالفعل ذهب رئيس المباحث الجنائية بالقاهرة إلى السيدة هدى زوجة القتيل في منزلها.. وكانت غارقة في الحزن وتتشح بالسواد.. وأجابت على أسئلة المباحث وهي منهكة القوى:

• زوجي استيقظ من نوم الظهيرة في الرابعة عصرا.. جلسنا معا بعض الوقت ثم تناولنا الغداء معا، وبعد أن شاهد أحد البرامج التليفزيونية طلب فنجان قهوة ثم ارتدى ملابسه وأخبرني أنه سيذهب لقضاء مصلحة لم يحددها لي.. وخرج من الفيلا الساعة السابعة إلا الربع مساء!.. وعلى غير عادته لم يتصل بي حتى جاءني الخبر المؤلم.!..

•• هل زاركم أحد في هذا اليوم؟!

• لا.. كنا بمفردنا أنا وهو..

•• هل اعتاد أن يترك قيادة سيارته لشخص آخر؟!

• عندما أخرج معه يقود السيارة بنفسه.. لكني لا أعلم كيف يتصرف حينما لا أكون معه!

•• ألم يحدد لك نوع المصلحة التي خرج من أجلها..؟!

• لا.. ولم يخطر ببالي أن أسأله عنها لأن أعماله كثيرة ومتنوعة!

المفاجآت تتوالى!

في نفس التوقيت كان وكيل المباحث يناقش ابن المحامية الكبيرة التي تعمدت ألا تذكره في إجاباتها.. وكان أهم ما قاله الابن الشاب:

• لم يكن زوج أمي يطيق وجودي في الفيلا بعد زواجه من أمي.. وكان يفتعل معي الخلافات ثم بدأ يتعمد إهانتي مما دفع أمي إلى شراء شقة تمليك بالقرب منها أقيم فيها بمفردي.. وبالفعل عادت علاقتي بزوج أمي أفضل مما كانت نظرا لابتعادي عن الإقامة بالفيلا.. وكنت أتردد على أمي بين حين وآخر فيرحب بي.. لكن أمي كانت تزورني وحدها..!

•• هل زرتهما يوم الحادث؟!

• نعم.. تناولت معهما طعام الغداء وقضيت معهما وقتا حتى قرابة الساعة السادسة مساء ثم انصرفت حينما بدأ زوج أمي يستعد للخروج!

•• ألم تعرف إلى أين كان سيتوجه زوج أمك؟!

• سمعته يقول لأمي أنه ذاهب لمقابلة أشخاص عرضوا شراء قطعة أرض يمتلكها بمدينة نصر!!

بمطابقة أقوال الأم وابنها برزت أولى المفاجآت.. لماذا أخفت الأم وجود ابنها بالمنزل قبل الحادث؟!.. ولماذا لم تقرر بما أخبره زوجها من أنه ذاهب لمقابلة أشخاص سيشترون قطعة أرض يمتلكها..؟!.. وعلى الفور بدأت الشكوك تحوم حول الأم كخيط مهم للوصول إلى كشف الحادث.. لكن المباحث حرصت على أن تجعلها مطمئنة إلى آخر وقت!

ورغم وضع الأم تحت رقابة مكثفة لم تشعر بها كانت المباحث تسير في عدة اتجاهات.. فريق من الضباط يحصر أسماء وعناوين وظروف كل العاملين بمعرض السيارات.. وفريق يبحث في العلاقات العائلية بين القتيل وأسرته والقتيل وأسرة زوجته.. كما تم تكليف جميع رؤساء مباحث أقسام ومراكز الشرطة بالقاهرة بفحص المصابين في دفاتر المستشفيات العامة والخاصة، خاصة المصابين بجروح قطعية.. وكانت ثاني المفاجآت على لسان رئيس مباحث الجمالية وهو يخبر مدير المباحث:

• عثرنا في مستشفي الحسين الجامعي على اثنين من المصابين بجروح قطعية في اليد وتم علاجهما وغادرا المستشفى.. لكن استخرجنا اسم كل منهما وعنوانه من سجلات المستشفى.. وكان حضورهما للمستشفى في توقيت معاصر لارتكاب الجريمة!

تمت مطابقة أسماء المصابين على الكشوف التي تحمل أسماء عمال وموظفي معرض السيارات الذي يمتلكه العميد السابق فكانت ثالث المفاجآت.. الاسمان ينطبقان على سائقين سبق أن عملا بالمعرض وتركاه لظروف مختلفة.. وفي كمين أعدته لهما المباحث سقط الاثنان وتم عرضهما في نفس اليوم على الطب الشرعي الذي أكد أن فصيلة دم أحدهما تتطابق مع فصيلة الدم التي تم رفعها من مسرح الجريمة وباب السيارة الخارجي!.. وفي سرية تامة تم تضييق الخناق عليهما حتى اعترفا بقتل العميد السابق.. وكان الهدف من سرية احتجازهما والقبض عليهما أن تظل المحامية المعروفة مطمئنة حتى يتحدد موقفها من الجريمة.. وبدأت النيابة تحقق مع المتهمين:

• كيف ارتكبتما الحادث؟!

•• أقنعنا سيادة العميد بأننا وسطاء لمشترين عرضوا شراء أرضه بمدينة نصر بأكبر من المبلغ الذي كان يريده.. وقابلناه في مصر الجديدة فأخبرناه أن المشترين ينتظروننا في قطعة الأرض المعروضة للبيع فاقتنع وذهب معنا ومن باب تكريمه صمم أحدنا على أن يقود السيارة بنفسه وجلس الثاني في المقعد الخلفي، وحينما وصلنا لمكان غير مأهول بطريق الاوتوستراد تولى الجالس بالكنبة الخلفية طعن العميد بمطواة في عنقه ورأسه وكل الأماكن التي طالتها يداه.. وحينما قاوم العميد بشراسة قام الجالس على مقعد القيادة بشل حركته حتى لفظ آخر أنفاسه.. لكن ما إن خرجنا من السيارة حتى شعر كل منا بجروح في يده من شدة مقاومة العميد صاحب البنيان القوي.. تركنا السيارة وأسرعنا بالهروب.. ولأن الدماء كانت تنزف من يد كل منا بغزارة دخلنا مستشفى الحسين لإسعافنا بعد أن بررنا الإصابات بأننا تعرضنا لحادث سرقة بالإكراه..!

• ولماذا ارتكبتما الجريمة؟!

•• مقابل خمسة وعشرين ألف جنيه.. قبضنا منها عشرة آلاف جنيه مقدما.. والباقي بعد التنفيذ!!

• ولحساب من ارتكبتما الجريمة؟!

•• الهانم زوجة حضرة العميد!!

• وهل سددت لكما باقي الأتعاب؟!!!

•• اتصلنا بها بعد ثلاث ساعات من الحادث.. وعلمنا منها أنها عرفت بالحادث وشكرتنا.. وطلبت منا أن نهدأ ثلاثة أيام فقط حتى ينتهي توافد المعزين على الفيلا.. ثم نحضر بحجة تقديم العزاء ونتسلم باقي المبلغ!

… الخدعة!

كانت النيابة والمباحث في غاية الحرص بعد أن انكشفت الرأس المدبرة للحادث.. وكان مصدر الحرص هو أن المحامية الكبيرة سوف تنكر أية علاقة لها بالحادث وبالجناة.. ولأنها محامية سوف يحتاج الأمر إلى دليل دامغ لا تفلح معه كل مهاراتها في المحاماة، خاصة وأن اعتراف الجناة عليها لا يكفي وحده لإدانتها.. لهذا لجأت المباحث إلى خدعة للإيقاع بالمحامية بالاتفاق مع المتهمين والتظاهر بالإفراج عنهما.. ونفذ المتهمان الخدعة حرفيا على أمل أن يخفف عنهما العقاب كما وعدتهما النيابة.. اتصلا بالزوجة التي لم يخطر ببالها أن المكالمة مسجلة:

• مساء الخير يا هانم؟

•• انتو فين.. اختفيتم مرة واحدة؟!

• سافرنا البلد عند حسين علشان نبعد عننا أي شبهات!

•• برافو.. بكرة الصبح هستناكم علشان باقي الأمانة..!

• بصراحة يا هانم.. إحنا عاوزين خمسين ألف جنيه تاني، إحنا كان ممكن نروح في شربة مية.. وبصراحة ضميرنا بيعذبنا علشان جوز حضرتك ماكنش يستحق إننا نخلص عليه؟

•• خلاص.. خلاص.. تعالوا الصبح وهتمشوا مبسوطين!

ذهب المتهمان في الموعد المحدد إلى فيلا المحامية.. كانت مازالت بملابس الحداد.. أحسنت استقبالهما وسلمتهما مظروفا به ثلاثين ألف جنيه.. في نفس اللحظة ظهر رجال المباحث وألقوا القبض عليها بعد أن سجلوا اللقاء بالصوت والصورة!

الاعتراف!

أمام المحكمة ظهرت الزوجة المحامية المعروفة داخل القفص للمرة الأولى في حياتها.. كنا نراها كثيرا وصوتها يجلجل في نفس القاعة وهي تترافع في قضاياها.. لكنها في هذا الصباح كانت ترتدي ملابس السجن البيضاء بعد أن أحالتها النيابة للمحاكمة وهي محبوسة احتياطيا!.. واجهناها بالأدلة والتسجيلات واعترافات المتهمين فلم ترفع رأسها طوال مرافعة النيابة، بينما كان ابنها المخرج الشاب يبكي في هستيريا داخل القاعة.. وبسؤالها لماذا انتقمت من زوجك بهذه البشاعة؟!.. قالت ورأسها مازال متجها نحو الأرض:

•• كان زواجي منه غلطة عمري.. كنت محامية وكسبت له معظم قضاياه.. بهرني بأناقته ورجولته ودفء مشاعره.. أو هكذا خدعني قلبي.. لم أفكر في ثرائه كما ادعت النيابة لأن الحقيقة كانت عكس ما صورته النيابة، فأنا أكثر منه ثراء وكل ممتلكاته لا تعادل جزءا صغيرا من ثروتي التي ورثتها عن زوجي وكسبتها من قضاياي.. لكني أعترف أنني رغم كل هذا المال تمنيت أن أعيش معه على سنة الله ورسوله.. لم تعوضني الثروة عن قسوة الحرمان حينما تشعر به أنثى تعيش بلا رجل؟!.. وحينما طلب يدي كنت أسعد نساء الدنيا.. وظلت سعادتي معه حتى بعد ثلاث سنوات من الزواج!.. لكن فجأة اكتشفت أنه سبق له الزواج ثلاث مرات قبل أن يتزوجني.. وفي كل مرة كان يستولي على أموال زوجته ثم يطلقها ويتركها تخرج من المولد بلا حمص!.. لم أخبره بما عرفت.. وظللت أجمع المعلومات بنفسي حتى تعرفت على مطلقاته الثلاث.. وأدركت بعد مراجعة نفسي أنه استولى مني أيضا على معظم ممتلكاتي بمبررات واهية.. اكتشفت أنني استيقظت بعد فوات الأوان وأن النهر الذي تجرعت منه حبا وعشقا كان مسموما.. وظل ضميري يؤنبني لأن جزءا كبيرا مما استولى عليه كان من ميراث ابني من زوجي الراحل.. وعذبني ضميري أكثر كلما تذكرت يوم طرد ابني من فيلا أبيه.. طرده وهو يصيح في وجهه: “..عاوز آخد راحتي مع أمك.. انت إيه ما عندكش دم!!”.. جرح مشاعر وحيدي فاشتريت له من مالي الخاص الذي لا يعلمه زوجي شقة تمليك.. لكن ظل جرح ابني يطاردني.. أمومتي ردمت بئر الحب فبدأت أفكر في الانتقام.. لم يكن الطلاق يشفي غليلي.. بل كان هو ما يتمناه لينصب شباكه على امرأة ثرية أخرى!.. لست نادمة.. لكن حزينة على ابني الذي سيعيش في هذه الدنيا.. وحيدا!

•••

بعد المداولة.. وبإجماع الآراء.. حكمنا بإحالة أوراق المحامية المعروفة وشريكيها إلى فضيلة المفتي.. وصرخ ابن المتهمة صرخة مدوية ونحن نغادر المنصة.. لكن لم يلتفت أحدنا خلفه، فالعدالة لكي تسود يجب أن تتجاهل كثيرا من الصراخ.. والدموع.. مهما كانت صادقة!!

اخترنا لك