من أجندة رئيس المحكمة

من أجندة رئيس المحكمة يكتبها: محمد رجب

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

من أجندة رئيس المحكمة

غررت به حبيبته فانتقم من ثلاث عرسان!

اعترافات..قناص ليلة الزفاف!

مسرح جرائمه:

 محلات الكوافير.. ستوديوهات التصوير.. أمام الفنادق!

المتهم للمحكمة:

كل عروس تأبطت ذراع عريسها ليلة زفافها..

كان على حساب رجل آخر أحبها!                                              

المكان: ستوديو تصوير شهير بحي المهندسين؟

الزمان: العاشرة مساء الخميس..

زحام شديد من أهل العروسين.. سيارات تزينها الزهور تحيط بالمكان.. زغاريد النساء تعلو وأغاني الأفراح تنطلق من كاسيتات السيارات.. العروسان داخل الاستديو يلتقطان الصور التذكارية ويعيشان أجمل لحظات العمر بعد قصة حب رائعة.. فجأة يخرج العروسان لتتوالى المفاجآت التي تهز الرأي العام كله يوما بعد يوم.. فما أن ظهرت العروس وهي تتأبط ذراع عريسها حتى دوى في المكان صوت عيار ناري.. ظن الجميع أن أحد المدعوين أراد أن يبتهج بالمناسبة ويقوم بتحية العروسين، خاصة أن بين أقارب العروس بعض المدعوين من صعيد مصر حيث كان مولد الأب في محافظة أسيوط.. يعلو الصراخ والعويل في نفس اللحظة التي سمع فيها الناس دوي الرصاص.. هي رصاصة واحدة، لكنها أصابت رأس العريس وهشمته بينما كان يلتفت لطبع قبلة فوق جبين عروسه أمام عدسات المصورين..!

 سقط العريس فوق الأرض والدماء لازالت تتفجر من رأسه.. العروس لم تستوعب الصدمة فألقت بنفسها فوقه وهي تحاول أن تمنع بيديها نزيف الدماء بلا جدوى!!.. فستان الزفاف الأبيض تلطخ بالدماء وساد صمت رهيب بين المدعوين الرجال بينما ظل عويل وصراخ النساء يصيب الجميع بالارتباك!

وصلت الشرطة.. لا أحد من المدعوين يحمل سلاحا.. والشهود يؤكدون أن الرصاصة جاءت من أعلى ومن مسافة بعيدة عن مكان الاحتفال.. أهل العروسين انصرفوا إلى المأتم الذي حل مكان الفرح.. والمباحث شكلت فريق بحث لكشف غموض الحادث المؤلم بعد أن صرحت النيابة بدفن الجثة.

نتيجة التقرير المبدئي للصفة التشريحية تتوافق مع أقوال الشهود وأكد التقرير أن الرصاصة أطلقت من مسافة لا تعد قريبة أو بعيدة عن المكان الذي كان العريس يجلس فيه والمرجح أنها انطلقت من مسافة مرتفعة حيث استقر العيار الناري في منتصف رأس العريس!

فريق البحث الجنائي قام بتمشيط الشارع من بدايته لنهايته وقام بتفتيش البنايات العالية القريبة من الأستوديو والشقق المفروشة.. وركز على عقار تحت الإنشاء وغير مطروق ولا يوجد به خفراء!.. إلا أن فريق البحث نفسه كان في حيرة شديدة بسبب تضارب أقوال الشهود الذين أكد بعضهم رؤية أحد الأشخاص يحاول الهروب وقد أطلق ساقيه للريح في أحد الشوارع الجانبية بينما قال آخرون أنهم شاهدوا شخصا ارتابوا فيه وهو يسرع بدراجة بخارية بالقرب من الأستديو.. كما أن الشهود اختلفوا أيضا حول أوصاف الجاني سواء الذي هرب من المكان جريا أو الآخر الذي هرب بدراجة بخارية!!

فريق البحث كان لابد أن يبحث أيضا عمن له مصلحة في الحادث.. ولهذا سار في اتجاهين.. الأول عن علاقة حب سابقة للعروس دفعت بحبيبها القديم إلى قتل عريسها سواء من باب الانتقام أو حتى رغبة منه في ألا تكون لرجل آخر سواه!.. والثاني علاقة حب بين العريس وامرأة ما وبعد أن غدر بها وتزوج بأخرى أرادت أن تنتقم منه وتحرق قلب عروسه عليه!.. لكن الجريمة بالشكل الذي وقعت به لا يتصور أن ترتكبها امرأة إلا إذا كانت قد استعانت بأحد البلطجية أو المسجلين خطر!.. ورغم سوء حالة العروس جرت التحريات على قدم وساق واخترقت حياتها الخاصة التي كشف عن أحد أقاربها من ناحية الأب كان قد تقدم لها طالبا الزواج إلا أن دعاء رفضته وأصرت على قبول القبطان بحري مجدي عريسا لها!

الشبهات القوية شجعت المباحث لإلقاء القبض على قريب العروس واسمه داود، خاصة أنه الوحيد من أقارب الأب الذي كان قد قطع علاقته بأسرة دعاء بعد أن رفضت الزواج منه.. كما أنه بتفتيش منزله تم العثور على مسدس قام داود بإخفائه وإن لم يكن من نفس نوع السلاح المستخدم في الحادث.. ورغم إنكار داود لارتكابه الجريمة أمرت النيابة بحبسه على ذمة التحقيقات!..

جزء آخر من فريق البحث كان يتولى فحص علاقات العريس.. وهنا تظهر مفاجأة جديدة.. القبطان بحري كان زبونا دائما في الملاهي الليلية بالأسكندرية وارتبط بعلاقة وثيقة بإحدى الراقصات بأحد الملاهي.. وتردد بين حين وآخر أنه سوف يتزوج من هذه الراقصة التي كان يصطحبها كل ليلة بعد انتهاء وصلتها إلى الشاليه الذي يمتلكه في شاطئ المنتزه!!

شبهات أخرى قوية ومثيرة أحاطت بالراقصة “تي تي” فقد اشتهرت بمجموعة البودي جارد الذين يحرسونها وتستأجرهم للانتقام من خصومها.. لكن الراقصة نفت بشدة ارتكاب الحادث وقالت في محضر استجوابها:

–    “.. لم أحب في حياتي سوى مجدي.. كانوا يسمونني في الأسكندرية “جبروت” لقوة شخصيتي.. لكن مع مجدي كنت أتخلى عن هذا الجبروت وأجد نفسي أطبع قبلة على يده وهو يصافحني.. كان رجلا تحتاجه أي امرأة لتعيش سعيدة.. ولا يمكن أن أحرص على قتله مهما كانت الأسباب لأن عذابي وهو مع امرأة أخرى أرحم من عذابي الأبدي لو فارق الحياة..!

• بعض الشهود أكدوا أنك هددت القبطان حينما علمت بزواجه من أخرى؟!

•• كانت لحظة غضب طبيعية بالنسبة لأي امرأة يضيع منها حبيبها لكني كنت أعرف أن مجدي كأي رجلا آخر قد يعيش سعيدا مع راقصة.. لكنه في النهاية لن يتزوجها حرصا على مكانته وسمعته.. وأنا كراقصة كنت أعرف كيف أستعيد مجدي حتى لو تزوج ثلاث نساء دفعة واحدة.. لهذا لم أكن بحاجة إلى قتله!

مفاجأة جديدة!

تحفظت المباحث على الراقصة.. لكن توالت مفاجآت أخرى أذهلت رجال المباحث وأصابتهم بالارتباك!!.. ففي حي مصر الجديدة تكرر الحادث.. لكن هذه المرة كانت العروس هي المجني عليها!.. اختلاف آخر بين الحادثين تمثل في مكان وقوع الجريمة.. ففي الحادث الثاني الذي وقع بعد خمسة عشر يوما فقط من الحادث الأول كانت العروس تغادر محل الكوافير في طريقها إلى جوار عريسها نحو السيارة التي ستقوم بزفهما.. وفجأة.. وبنفس الطريقة يدوي صوت عيار ناري يخترق صدر العروس ويخرج من ظهرها.. ساد هرج ومرج وأسرع كثيرون بحمل العروس إلى المستشفى، فالمهم في هذه اللحظة كان إنقاذها.. لكنها فارقت الحياة في السيارة التي كانت تستعد قبل لحظات لزفافها.. ماتت ثريا قبل أن تصل للمستشفى!!.. وجاء الدور هذه المرة على ضابط مديرية أمن القاهرة للبحث عن الجاني تحت إشراف مدير الأمن العام الذي كان واثقا من أن ثمة علاقة ما تربط بين الحادثين.. وبالتالي قررت النيابة – أيضا – الإفراج عن داود والراقصة في الحادث الأول مع وضعهما تحت الرقابة.. وربما فقد الضباط حماسهم لفحص العلاقات العاطفية السابقة للعروس القتيلة والعريس المنكوب.. وصارت جهود البحث الجنائي كالسلحفاة.. وراحت الصحافة تلهب رجال المباحث بتحقيقات كأنها سياط من نار بعد إفلات الجاني مرتين!

المثير والغريب أنه بعد شهر كامل من الحادث الثاني تلقت أجهزة المباحث صفعة ثالثة.. حادث جديد ضحيته عروس في ليلة زفافها.. لكن مسرح الجريمة هذه المرة كان أمام أحد الفنادق الكبرى في الأسكندرية.. كانت منال تمسك بذيل فستانها الأبيض وهي تنزل من السيارة المغطاة بالورود.. وفي اللحظة التي مد فيها العريس يده ليمسك بيد عروسه انطلقت رصاصة أخطأت رأس العروس لتستقر في رقبتها.. أو هكذا تصور رجال المباحث فلا يمكن للجاني أن يكون بهذه المهارة والدقة في التصويب.. تسقط العروس صريعة في الحال ويتلفت المدعوون يمينا ويسارا بحثا عن الجاني بلا جدوى!..

الصحافة لم ترحم أجهزة الأمن مرة أخرى.. بعض أصحاب المقالات طالبوا بعزل وزير الداخلية.. وأصحاب مقالات أخرى دافعوا عن الوزير وقالوا إن ما يحدث خطة مدبرة من خصوم الوزير للإسراع بعزله.. خاصة أنه يقود حملات محمومة ضد كبار تجار المخدرات والمهربين!.. دب الخوف في قلوب الناس.. وبدأت بعض العائلات تستدعي الكوافير إلى بيوتهم حينما تتأهب ابنتهم للاحتفال بليلة الزفاف.. عائلات أخرى كانت تستأجر حراسة خاصة لحماية العروسين في ليلة العمر.. ربما كان هؤلاء يبالغون في الأمر.. وربما كانوا على حق.. وربما كانت الصحف تخترع مثل هذه الحكايات لتضغط على أجهزة الأمن وتسبب لها إحراجا أمام الرأي العام!..

تمضي عدة شهور هادئة.. بعض الظروف السياسية تفرض نفسها على اهتمامات الناس.. تتراجع أخبار السفاح قناص ليلة الزفاف بعد أن كانت أخباره على كل لسان داخل البيوت والمقاهي والمحال التجارية والأندية الاجتماعية.. بعضها كان حقيقيا، وبعضها كان من نسج الخيال.. وربما كانت فترة الهدوء النسبي هذه فرصة ذهبية يلتقط فيها رجال المباحث أنفاسهم، خاصة بعد أن توصل مدير الأمن العام إلى خيط على قدر كبير من الأهمية فقد ربط الضابط الكبير بين معلومة تكررت على لسان شاهد في الحادث الثاني وشاهد آخر لا يعرف الشاهد الأول كان ضمن المدعوين في الحادث الثالث.. أجمع الشاهدان على أن سيارة أجرة كانت تنطلق بسرعة مريبة عقب الحادث وفي دائرة مسرح الجريمة حتى أن كلا الشاهدين لم يتمكن أحدهما من رؤية قائدها.. وإن نجح كل منهما في التقاط بعض أرقام اللوحة المعدنية للتاكسي.. وبإضافة الأرقام الثلاثة التي التقطها الشاهد الأول إلى الأرقام التي التقطها الشاهد الثاني انحصرت الشبهة في ثلاث سيارات.. ومن خلال الجهد الحثيث من ضباط المباحث كانت مفاجأة التحريات تتركز حول إحدى هذه السيارات الثلاث، خاصة أنها ملك أمين شرطة مفصول لكثرة تغيبه عن العمل.. كما أن المعمل الجنائي كان قد أثبت أن السلاح المستخدم في الحوادث الثلاث كان سلاحا ميريا.؟.. تم ضبط الأمين المفصول وبقي سؤال حائر.. من أين أتى بالسلاح الميري وقد سلم عهدته كاملة بعد عزله؟!.. ولماذا ارتكب جرائمه الثلاث بهذه البشاعة.. ولماذا توقيت ليلة الزفاف؟!..

كبار الضباط واجهوه بهذه الأسئلة ووعدوه بألا يمسه أي سوء إذا بادر باعترافات تفصيلية من تلقاء نفسه.. وقال الأمين وجدي في استجوابه:

• كنت ملتزما في عملي وارجعوا إلى رؤسائي وتقدير امتياز الذي كنت أحصل عليه في الملف الخاص بي.. وكانت هدى هي حياتي كلها.. أحببت الحياة من أجلها.. ضحيت بكل شيء لأسعدها.. هي التي شجعتني على أن أواصل تعليمي العالي حتى لا أظل في وظيفة أمين الشرطة.. لم أكن أطيق فراقها لحظة واحدة فهي معي دائما سواء على التليفون.. أو في أحد الكازينوهات يوم إجازتي.. وفجأة.. وبعد هذا الحب الجنوني حاولت أن تقنعني بأن الزواج قسمة ونصيب.. وأن أهلها يضغطون عليها لتتزوج من عريس ثري.. وحينما  شاهدت هدى الدموع في عيني وعدتني بأن تحاول رفض هذا العريس.. كان هذا هو آخر لقاء بيننا، اختفت بعده وانقطعت أخبارها وغيرت  رقم تليفونها.. جن جنوني وتغيبت عن عملي أكثر من شهرين في محاولة  للوصول إليها دون جدوى.. وذات يوم وصلني خبر بأن هدى يتم زفافها الآن في أحد محلات الكوافير وبعده ستبيت مع عريسها في أحد الفنادق ثلاث ليال ثم تسافر معه إلى إحدى الدول الخليجية.. أسرعت إلى محل الكوافير مسلوب الإرادة.. رأيتها تخرج وسط الزغاريد وتتأبط ذراع عريسها وتركب إلى جواره في سيارة فارهة مزينة بالورود.. نزفت دموعي وملأ الحزن قلبي.. لم أصدق أن الغدر يمكن أن يصل بها إلى هذا الحد !.. مضى موكب الزفة أمام عيني والدموع تملأ وجهي بينما هي تضحك وتتلقى التهاني إلى جوار الرجل الذى يعرف أنه سرقها مني وأنني أخذت منها أكثر مما ستعطيه هي!!. عدت إلى بيتي وحيدا.. ظللت أبكيها صباحا ومساء حتى طلبوني في جهة عملي لأتسلم مستحقاتي المالية.. لم أجد أمامي سوى دفع مقدم سيارة تاكسي.. حاولت جاهدا نسيانها وأنا أعمل سائقا.. لكن صوت الزغاريد ومشهد الزفة لم يفارقني لحظة واحدة..  كل عروس أراها أتخيل كيف خدعت رجلا آخر مسكينا! وذات يوم ركب معي مسجل خطر من أبناء الحي الذي أسكنه.. توسل لي أن أمنحه مائة جنيه وعرض عليّ بيع مسدس ميري سرقه من منزل أحد الضباط.. لم أتردد في قبول الصفقة.. لعب بي الشيطان طوال اليوم وأنا أقلب المسدس بين يدي.. ولا أدري كيف فكرت في الانتقام من كل عروس تتأبط ذراع عريسها بعد أن تحطم قلب رجل آخر أحبها.. واعترف أن الشيطان أغواني.. وجريمتي الأولى أعترف بها وبأنها تمت بالصدفة وأنا أقود سيارتي بالمهندسين.. لكني رتبت للجريمتين الثانية والثالثة حينما كنت أبحث مساء كل خميس عن حفل زفاف يبدأ من محل تصوير أو كوافير حريمي!

• لكنك أطلقت رصاصتك الأولى من مكان مرتفع؟!

•• نعم.. المكان كان مزدحما.. صعدت بناية تحت الإنشاء ومن الطابق الرابع صوبت العيار الناري فأخطأ العروس أصاب عريسها الذي تحرك فجأة من مكانه!!

• كيف كنت تصيب ضحيتك بهذه المهارة؟!

•• لا تنسوا أنني كنت الأول في تدريبات القنص أثناء فترة خدمتي!!

 

كرر المتهم اعترافاته أمامنا في محكمة الجنايات.. كان يحضر تحت حراسة مشددة خوفا من أن يفتك به أهالي الضحايا قبل أن تردعه العدالة.. وأذكر أننا سألناه بعد أن شرح تفاصيل جرائمه:

• وما ذنب ثلاث ضحايا أبرياء لا ذنب لهن في غدر حبيبتك بك؟!

•• كلهن نساء.. ولابد أن في حياة كل واحدة منهن رجلا داست حبيبته على قلبه وتزوجت غيره!!

• لكن ضحيتك الأولى لم تكن امرأة.. قتلت رجلا؟!

•• الرصاصة أخطأت العروس.. كانت يدي مرتعشة بعض الشيء فهذه أول جريمة في حياتي.. لكن كان قصدي العروس التي ندمت كثيرا على نجاتها حينما قرأت الخبر في صحف اليوم التالي!

طلب محامي المتهم إحالته لمستشفى الأمراض العقلية في محاولة للهروب من العقاب.. لكن تقرير الأطباء أثبت أنه مسؤول عن أفعاله الجنائية وأنه في كامل قواه العقلية.. حكمنا بإعدامه.. وعرفت فيما بعد أن النقض أيدت الحكم.. ولقي مصيره المحتوم على حبل المشنقة.. وربما قرأت هدى خبر إعدامه وحاولت إخفاء مشاعرها في تلك اللحظة عن زوجها!!

1 Comment

Leave a Comment