من أجندة رئيس المحكمة

من أجندة رئيس المحكمة يكتبها محمد رجب

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

قضية

عاشت معه كأسيرة حرب

امرأة محتلة في قبضة نصاب!

صرخة مدوية شقت سكون الحي الهادئ.. جثمان رجل الأعمال العصامي يغادر فيلا “المنارة” فوق أعناق الرجال.. الأرملة الحسناء لا تفارق عيناها مقدمة الجنازة.. نظراتها مصوبة نحو الصندوق الخشبي في ذهول..!

مشت منار في الجنازة تجر قدميها جرا.. كادت يغشى عليها مرتين في المسافة القصيرة بين المسجد الشهير وسيارة نقل الموتى.. تمالكت وتحاملت على نفسها.. لم يصدق جيرانها وجاراتها من سيدات الطبقة الراقية أن صاحبة الشخصية القوية تبدو بهذا الانهيار.. هزمتها الدموع.. هي نفسها لا تصدق أن الرجل الذي أحبته بجنون يحمله الناس إلى حيث لا يعود!

وقفت أمام المقابر تتلقى العزاء.. وفجأة.. يتقدم منها شخص مصافحا ومعزيا بحرارة.. تنظر إليه.. تشكره تنتبه حينما وقعت عيناها على ملامحه إنها تعرف هذا الرجل جيدا.. لكنها لا تتذكره.. لم تعبأ بالأمر فربما أضعف الحزن ذاكرتها.. طابور المعزين ما زال طويلا.. ومنار تكاد تسقط من فرط الإعياء.. إحدى السيدات تتقدم وتعلن شكرها للجميع وتستأذنهم في انصراف منار التي لم تعد تقوى على الوقوف.. تتجه الأرملة الحسناء إلى سيارتها الفارهة بمساعدة بعض السيدات.. لكن ما أن تجلس في مقعدها الخلفي حتى تلمح نفس الرجل الذي صافحها بحرارة يقف بعيدا ويتتبعها بعينيه!

لم تتوقف دموع منار طوال الطريق.. إنها المرة الأولى التي تجلس فيها وحدها في المقعد الخلفي دون أن يكون رشيد إلى جوارها!

مرت ثلاثة أيام..

انتهى العزاء.. وهدأت الحركة داخل الفيلا.. انفردت منار بنفسها بعد أن صارت وحيدة.. دخلت حجرة زوجها وفتحت خزينته ثم راحت تقلب أوراقه.. عقود وميزانيات وكشوف وأرقام وملفات لم تفهم منها شيئا.. تمنت لو كان زوجها أمامها لتعاتبه.. فقد عاش لا يطلع أحدا على أسراره، حتى زوجته التي تعلق بها تعلق الطفل بأمه لم يشركها يوما في الاطلاع على دفاتره أو معرفة أرصدته.. لكن سرعان ما استعاذت منار بالله من الشيطان الرجيم، فالرجل لم يبخل عليها يوما بما تريد.. لو طلبت لبن العصفور ما تردد في إحضاره لها.. منحها من الحب أكثر مما تحلم به أي زوجة.. لم تشعر لحظة واحدة بفارق الخمسة عشر عاما بينهما فقد كان لها الأب والأخ والحبيب والزوج.. أولاده الثلاثة كانوا قرة عينه.. وكانت هي درة قلبه.. عاش في عينيها وعاشت بين أصابعه.. لم تفكر يوما في أن تمتلك شيئا باسمها طالما أنها تمتلك الرجل الذي يملك كل الثروة.. لكنها الآن صارت أرملته ولا بد أن تعرف كل كبيرة وصغيرة لتدير أعماله وتخطط لمستقبل أولادها، فالحزن في القلب والحياة لا بد أن تستمر!

ذهبت إلى محامي زوجها فلم تجد عنده إلا أسوأ الأخبار.. صارحها المحامي أن موقف زوجها في غاية الصعوبة وصدمها بمفاجأة كادت أن تصعقها.. الفيلا الصغيرة التي تعيش فيها مرهونة ضمن رهونات أخرى اضطر إليها زوجها قبل شهور قليلة من رحيله.. ومرة أخرى يصارحها المحامي بما لم تتوقعه:

* سيدتي.. كان زوجك حريصا على ألا تهتز صورته في عينيك.. هكذا صارحني في آخر زيارة له لمكتبي.. كان لا ينام ليلا أو نهارا من أجل فك الرهونات وسداد الديون حتى لا يحرمك من حياة الرفاهية التي عودك عليها.. لم يكن يفكر إلا فيك.. لكن القدر لم يمهله حتى يصل إلى حل ينهي به مشاكله المادية ثم يصارحك فيما بعد بكل ما حدث!

عادت الأرملة الحسناء إلى فيلتها منكسرة.. اسودت الدنيا في عينيها.. انهمرت دموعها.. لكنها تنتبه على رنين التلفون.. أمسكت بالسماعة بيد تهتز:

• ألو.. مدام منار..

•• نعم..

• هل تذكرينني..؟!

•• أنا لا أعرفك.. من أنت؟!

• لو رأيتني سوف تتذكرينني على الفور!

•• تذكر أنك تتحدث مع أرملة حزينة، لا وقت عندها لمثل هذه المكالمات السخيفة!

• عموما.. لن أعاتبك الآن.. أنا الرجل الذي عزيتك في المقابر.. مؤكد أنك تتذكرينني جيدا منذ اليوم الذي رفضت فيه أن تصافحيني وأحرجتني أمام زوجك.. إنني يا سيدتي أكبر الدائنين لزوجك والمنوط به التنفيذ على الرهونات وبيعها في المزاد.. أريد موعدا لمقابلتك في فيلتك لو أردت الحل الودي.. وإلا سيتم التنفيذ بعد ثلاثة أيام.. فكري.. وسوف أعاود الاتصال بك صباح الغد!

انتهت المكالمة.. وبسرعة تذكرته منار.. إنه الرجل الذي حاولت أن تتذكره أمام المقابر وهو يعزيها.. هو نفسه الرجل الذي رفضت أن تصافحه حينما التقته لأول مرة في مكتب زوجها ولم تره من هذا الوقت إلا بعد انتهاء مراسم الدفن.. تذكرته منار جيدا.. رجل غير مريح.. كان يحدث زوجها ويختلس إليها النظرات المسمومة.. نظرات جريئة يسكن فيها قبح ظاهر.. ها هو الآن يطلب مقابلتها بصفته أكبر الدائنين دون أن تملك رفضا..

 صباح اليوم التالي اتصل بها.. حددت له موعدا قبل غروب الشمس بلحظات.. تحصنت بأولادها الثلاثة حولها.. قبل أن يصل سبقته هداياه.. وفي الموعد المحدد استقبلته منار.. ودار الحديث من نهايته، قال لها السيد فرحات:

• لا تقلقي لحظة واحدة.. لن يقترب أحد من الفيلا أو السيارة.. سوف أفك الرهونات وأسدد المديونيات على أن يكون كل ذلك هدية لك لو قبلته مهرا.. فكري جيدا ما زال أمامنا شهرا وعدة أيام حتى تنتهي عدة الوفاة.. وسوف تسعدني موافقتك.. وإذا رفضت فلا تلوميني حينما أسترد مع باقي الدائنين كل حق لنا!

مرت الأيام ثقيلة.. كل يوم يمر كأنه الدهر.. فكرت منار في البديل الوحيد إذا هي رفضت العرض.. لو باعت مجوهراتها وسيارتها وأضافت إلى ثمنهما بعض ما ادخرته من مبالغ فلن تتمكن إلا من شراء شقة تمليك تعيش فيها مع أولادها وتغادر فيلا المنارة التي أسماها زوجها على اسمها وكانت فيها سيدة القصر والأميرة غير المتوجة..عليها إذا رفضت الزواج من هذا الرجل القبيح أن تخرج من الفيلا مثلما تنسحب الجيوش المنهزمة.. وعليها أن تبحث عن وظيفة تنفق منها على أولادها.. لكن المشكلة الكبرى ستكون نفقات المدارس الأجنبية التي التحق بها الأطفال الثلاثة.. مستحيل أن تنقلهم إلى مدارس حكومية فتكسر بخاطرهم بعد أن هزمهم اليتم.. دارت بها الدنيا وهي تصطدم في كل مرة بالطريق المسدود.. الحل الوحيد ليظل كل شيء على حاله هو أن تضحي بنفسها، وتدخل جحيم هذا الرجل بقدميها، فالرجل رغم ثرائه لا يرضي كبرياء أي أنثى شكلا وموضوعا.. ولا يرمي الإنسان على المر إلا ما هو أكثر مرارة!

 انتهت عدة الوفاة.. وتم الزواج.. اعتبرت منار نفسها منذ ليلة الزفاف امرأة تحت الاحتلال.. وعقدت النية على أن تتحرر يوما لو حالفها التوفيق ونجحت في الخطة التي رسمتها بدقة!

أيام الزواج الجديد تمر.. أسابيع وشهور.. لم تجد منار مبررا واحدا لتسيء معاملة فرحات.. كان يطير فرحا بزواجه منها.. وكانت تخفي حظها السيئ في الارتباط به.. اعتبرت نفسها مخطوفة من رجل استباح اغتصابها وقتما يشاء مثلما تفعل قوات الاحتلال بدولة مقهورة.. طلب منها أن تحتفظ بصورة زفافها مع رشيد داخل دولابها، فمن غير المعقول أن تكون الصورة بجوار سريرها حيث يشاركها فرحات هذا الفراش.. ولم تعترض.. أودع لها مبلغا كبيرا يوم ميلادها بأحد البنوك.. فلم تفرح.. لكن بعد عام من الزواج عرض عليها مشروعا وصفه بصفقة العمر بعد أن وثق فيها.. وعدها بثلاثة ملايين من الجنيهات حقا خالصا لها.. أرض فضاء شاسعة المساحة.. توفي صاحبها.. ليس له وارث سوى ابنته التي تقيم في كندا وتزور القاهرة شهرا كل عام دون أن تهتم بالأرض.. وتكتفي بالاطمئنان عليها من الخفير.. سوف يقوم فرحات بتزوير توكيل من المتوفي إلى فرحات ثم يبيع فرحات الأرض لمنار ليقام عليها برج سكني هائل تباع كل وحداته ومحلاته بأكثر من خمسة عشر مليونا من الجنيهات.. تظاهرت منار بفرحة غامرة.. وسألته لماذا لا تتكرر هذه العمليات.. استراح إليها فرحات وأبلغها في فخر بأنه كرر هذه الصفقات عدة مرات واستولى على العديد من الأراضي التي يكتفي أصحابها بوضع خفراء لحراستها.. الخفير يحصل على مبلغ لا يحلم به ويختفي.. والتوكيلات المضروبة تنقل ملكية الأرض التي عادة ما يكون أصحابها خارج مصر فإن عاد أحدهم فوجئ بأن أرضه اختفت تحت برج سكني وتضيع كل مجهوداته في المحاكم وهو يبحث عن التوكيلات التي بيعت بها الأرض من شخص إلى شخص!

منحته منار ثقة أكبر.. دست أنفها في أدق التفاصيل حتى وصلت إلى اسم موظف كبير بالشهر العقاري وآخر بالسجل المدني وثالث بإدارة الحي.. ذهبت خلسة لمباحث الأموال العامة التي واصلت الليل بالنهار حتى وضعت يدها على العصابة وألقت القبض عليهم جميعا بزعامة الزوج!

وقف فرحات وعصابته داخل القفص أمام محكمة الجنايات.. فوجئ الجميع في مرافعة النيابة بمفاجأة جديدة.. طالبت النيابة بإعفاء منار من العقوبة أو توقيع الجزاء الأخف عليها باعتبارها المبلغة التي كشفت المزورين الذين أضاعوا عشرات الملايين من الجنيهات على أصحاب الأراضي التي تركوها دون عناية واجبة.. كما أن منار أعادت لخزينة المحكمة ثلاثة ملايين جنيه تسلمتها من زوجها لتمنحه الثقة فيها حتى تواصل كشف أسماء الفاسدين ووظائفهم.. ولم تكن أبدا طامعة في أي كسب ولم تنصرف نيتها إلى ارتكاب جريمة ما حينما وضعت توقيعاتها على بعض التوكيلات المزورة التي كشفت هي عنها.. بينما طالبت النيابة بأقصى العقاب للمتهمين جميعا!

المفاجأة التي أذهلت فرحات داخل القفص كانت لحظة علمه من مرافعة النيابة أن منار هي صاحبة البلاغ ضده.. نظر إليها وكأن بركانا من النار ينفجر من عينيه، بينما كانت هي تمسح بيدها على شعر أصغر أبنائها وتتحاشى النظر نحو القفص..

قضت المحكمة بالسجن المشدد خمسة عشر عاما على كل متهم والحبس عاما مع إيقاف التنفيذ على السيدة منار التي أشرق ضوء مبهج فوق وجهها.. ربما لأنها أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الطلاق بدعوى قضائية.. ربما لأنها تحررت من احتلال دام أكثر من عام.. وربما لأنها ستعود إلى فيلتها لتعيد صورة رشيد من داخل دولابها إلى مكانها الطبيعي بجوار سريرها دون أن يشاركها رجل آخر فراشها!

Leave a Comment