من أجندة رئيس المحكمة: سيدة البحار تواجه تهمة الخيانة الزوجية!

سيدة البحار تواجه تهمة الخيانة الزوجية

لبى المهندس العائد إلى وطنه دعوة صديقه الصحفي لحفل افتتاح معرض رسومات الفنان الشاب وسام..!

 المهندس العائد لم يكن من هواة المعارض ولا لديه الوقت لزيارتها أو التعرف على إبداعات أصحاب هذا الفن.. لكن صديقه الصحفى ظل يحثه ويرغبه ويغريه بأنه لن يندم على وقته هناك، لأنه سيشاهد أعظم اللوحات بريشة فنان شاب يتوقع له الإعلام قفزة هائلة إلى صفوف كبار الفنانين، وإحداث ثورة غير مسبوقة في علم وفن الألوان والخطوط الجديدة التي تتميز بها لوحاته!

ذهب المهندس شريف.. وليته ما ذهب!

رغم ترحيب الرسام الموهوب بزائريه ترحيبا حارا، وإصراره على أن يكون مصاحبا لهما دون غيرهما في كل جنبات المعرض إلا أن شريف لفتت نظره وشدت انتباهه إحدى اللوحات الرئيسية الثلاث.. وقف طويلا يتأملها ناسيا أو متناسيا كل ما يدور حوله.. اللوحة رائعة من الناحية الفنية.. امرأة بملابس البحر تشرع إحدى قدميها في ملامسة ماء البحر والقدم الأخرى تتأهب، بينما الشمس تزحف فوق الأمواج في اتجاه السيدة.. هل كان يعني الرسام أن الشمس تتجه نحو القمر أم كان يقصد أن القمر هو الذي يرغب في اللقاء بينما تحول بينه وبين اللقاء تلك الأمواج العاتية..!

لم يكن معنى اللوحة هو الذي شغل المهندس شريف وأسقط قلبه في كعبيه، لكنها تلك المرأة التي لا يمكن أن تكون شبيهة بزوجته، وإنما هي بشحمها ولحمها.. بلون عينيها.. والحسنة المطبوعة فوق جبهتها كأنها من بنات الهنود.. وهذا هو شعرها الذهبي المجنون حينما يلعب مع نسائم الهواء كصبى طائش.. لكن.. وما هذا أيضا؟! كاد قلبه يتوقف وهو يتأمل ملابس البحر من نفس الماركة التي لم تظهر بعد إلا في باريس، وكان أول من اشترى تلك القطعة بألوانها غير التقليدية.. لا يمكن أن تكون مصادفة تجمع الأنثى بشحمها ولحمها وملابس البحر التي أرسلها لها ضمن آخر طرد وصلها من زوجها المقيم في إحدى المدن العربية الشهيرة!

سأل صاحب المعرض المهندس المذهول:

• هل أعجبتك اللوحة؟!

أكثر من رائعة.. تكاد صاحبتها تنطق.. هل تعرفها من قبل؟!

• نعم!

إذن ليست من وحي خيالك؟!

الحقيقة لا.. لو رأيت بطلة اللوحة ولم تكن رساما لتعلمت الرسم من أجلها!

• هل تبيعني هذه اللوحة؟!

كل المعرض ملك لك.. لكن تلك اللوحة ليست إلا للعرض فقط!

ضغط المهندس شريف على نفسه وابتلع دهشته وأخفى ذهوله وكتم تنهيدته ثم هز رأسه ولزم الصمت، بينما ظلت عيناه تتأملان بطلة اللوحة فإذا بكل نظرة تكتشف دليلا جديدا على أنها هالة زوجته!

لحظات عصيبة.. رن جرس تليفون شريف ورغم أن المكالمة لم تكن مهمة إلا أن شريف انتهز الفرصة واخترع مبررا للاستئذان.. صافح صديقه الصحفي ثم مد يده يصافح وسام صاحب المعرض وعريس المناسبة.. كان شريف يتأمل وسام من أعلى إلى أسفل ومن عن يمينه وعن يساره.. دبت الغيرة في أوصاله فهو أمام شاب مشهور وفنان يتابعه الإعلام ورجل لم يكمل الخامسة والثلاثين من عمره.. أنيق وجذاب.. حلو الملامح.. خفيف الظل.. له حضور وكاريزما تفرض نفسها حيثما تتواجد!

* سأله شريف في لحظة المصافحة:

هل لك مرسم.. تأتي لك فيه الموديلات؟!

 نعم.. في الزمالك رقم 19.. خذ هذا الكارت الخاص بي وأتمنى أن تشرفني هناك!

على باب المعرض كان الصحفي يوصل صديقه المهندس حتى باب السيارة..

* وقبل أن يتحرك شريف بسيارته نظر إلى صديقه الصحفي وسأله:

صديقك الرسام.. رائع.. هل هو متزوج؟!

لا.. ليس من أنصار الزواج.. حياته قصص حب مع بطلات لوحاته.. كلما فرغ من لوحة ودع صاحبتها ليبدأ حبا جديدا مع بطلة جديدة!

عاد إلى بيته.. مهموما.. مكدورا.. تمسك النيران بقلبه وتحرق صدره.. اندهشت زوجته من اصفرار وجهه وذبول ملامحه وسواد شفتيه كأنه كان يدخن سجائره من أعقابها!

• مالك يا شريف؟!

صداع يدمر رأسي..؟!

• لكنك لم تشكُ به من قبل.. ربما يكون ارتفاع مفاجئ في ضغط الدم.. أستدعي لك طبيبا؟!

لا داعي.. أعطني قرصا من الأقراص المسكنة!

رفض تناول عشاءه.. لاحظت زوجته أنه يحدثها ورأسه إلى الأرض.. تضاعفت حيرتها.. ماذا أصابه.. يبدو كما لو كان شخصا آخر غير شريف الذي تعرفه بابتسامة لا تغادره، وقفشات تثير الضحك، وشوق يصرخ في عينيه يترجمه حنانه معها!

• شريف أشعر أن شيئا تخفيه عني؟

هل تعرفين وسام؟!

نعم.. لكني لم أرها منذ سنوات!

•• أحدثك عن رجل؟

لم أعرف رجلا في حياتي اسمه وسام لا قريب ولا غريب.. هذا الاسم لم يصادفني في حياتي سوى مرة واحدة حينما كنت طالبة بالمرحلة الثانوية.. كانت زميلتي في المقعد الذي اعتدت الجلوس فيه اسمها وسام.. لكن ماذا يعني وسام الذي تسأل عنه؟!

• لا شئ.. يبدو أن الأمر قد اختلط علي!

سؤالك وأنت في هذه الحالة لابد أن وراءه سبب؟

• اتركيني أنام.. وإلا ستكونين سببا في إرهاقي.. قلت لك لا شيء!

أسبوعان كاملان والعلاقة بين هالة وشريف مختصرة للغاية، بل لا تصلح أن تكون علاقة أخ بأخته لا زوج بزوجته.. شريف مضطرب.. وهالة تلح في السؤال بينما هو يؤلف الإجابات التي لا تقنعها فتمط شفتيها وتعود إلى الصمت، حتى كان ذات صباح.. ما إن جلس الزوجان على مائدة الإفطار حتى بادرها شريف بسؤال مفاجئ:

• هل كنت تذهبين إلى حي الزمالك وأنا غائب في سفري؟!

نعم.. ذهبت كثيرا.. هل نسيت أن مكتبك هناك وأنني كنت أنقل رسائلك للمهندس الاستشاري الذي يدير المكتب.. وهل نسيت أنني أشتري حاجياتي من المول الكبير بجوار المكتب؟!

• صديق لي أخبرني أنه شاهدك في مرسم فنان اسمه وسام.. في العمارة رقم 19؟!

أطلقت هالة ضحكة دوى رنينها في أرجاء المكان وكادت تخترق أذن شريف، ثم ما لبثت أن استطردت وكأنها تعتذر:

آسفة.. لم أتمالك نفسي من كلام صديقك الكفيف.. رآني أنا؟! في مرسم فنان؟! وكيف ومتى رآني هذا الأعمى؟! لا أعرف مراسم ولا فنانين ولا بيوت رقم 19.. ماذا أصابك يا شريف؟!

وقعت عيناه على الحسنة السوداء فوق جبهتها البيضاء فتذكر اللوحة.. نهض من مكانه بعد أن رماها بنظرة تغتاظ منها النساء.. ثم دخل حجرته يرتدي ملابسه وفي ذهنه تتحرك كل مشاهد الخيانة التي سمع عنها من أصدقائه أو شاهدها في السينما أو قرأها في الروايات.. دائما تبدو الخائنة في دهشة من الاتهام وتلقي بالاتهام على من شاهدها أو عرف قصتها فإن لم يكن كاذبا فهو أعمى وإن لم يكن أعمى فهو حاقد!

زار صديقه الصحفي في جريدته.. رفض أن يشرب شايا أو قهوة وبدا جافا.. على عجلة من أمره.. اختصر الوقت وأطلق سؤاله المفاجئ وصوبه لصديقه:

• هل رأيت زوجتي من قبل؟!

لم يحدث لي هذا الشرف!

• طبعا شاهدت لوحة سيدة البحار في معرض صديقك؟!

نعم.. لقد أبدع في رسم امرأة لها جمال وأنوثة تهاجم الناظرين!

• هل حدثك صديقك عن سيدة البحار هذه.. هل قال لك من هي.. أو كيف تعرف عليها؟!

لا.. لكن وسام يستوحي لوحاته كما أخبرتك من قصص حب يعيشها أو يتوهمها أو يخترعها خياله!

• يا سيدي.. سيدة البحار هذه امرأة يعرفها صديقك جيدا؟!

أعتقد هذا!

• لكنها.. زوجتي!

 مستحيل.

• لا تحاول خداعي.. لقد قررت أن أحرق قلب صديقك مثلما حرق قلبي.. لو كان يحبها ما فضحها.. لكنه لم يكن يريد سوى أن يخلق لوحة عن امرأة يسيل لها اللعاب.. غير عابئ بمن يكون زوجها.. هي الأخرى تستحق القتل..!

لابد أن تتحقق.. لا تتسرع..

• قالوا للحرامي احلف.. قال جالك الفرج!

أشعل شريف سيجارة من سيجارة ثم هب واقفا وغادر المكان في عصبية!

مساء نفس الليلة.. احترق المرسم!

امتدت النيران لثلاثة طوابق أخرى ولولا أن السكان هرعوا إلى الشارع لكانت كارثة..

وصل الخبر إلى الصحفي صديق وسام فأسرع إلى هاتفه بعد أن اطمأن على وسام، واتصل بمنزل شريف.. ردت هالة فنصحها بالهروب فورا لأن زوجها سوف يقتلها خلال لحظات..!

لم تكذب هالة خبرا.. طارت إلى بيت أسرتها.. وفي الصباح كانت الشرطة تلقي القبض على شريف بعد أن قدم صديقه الصحفي بلاغا يحمل تفاصيل الحوار الذي دار بينهما.. وبسؤال الزوجة في النيابة لم تتهم زوجها وإنما تحدثت عن شكوكه في الأسابيع الأخيرة من زيارة قام بها لنفس عنوان المرسم المحترق!

كان شريف يصرخ ببراءته.. لكن الأوراق والشهود ساهموا في إدانته بشكل كبير..

* وفي الجلسة أصر وسام أن يحدث المحكمة بعد أن سمع قصة شريف وزوجته، قال:

أقسم بأغلظ الأيمان أنني لا أعرف المدعوة هالة.. ولم أحدثها يوما.. ولا زارتني ولا زرتها.. لكني استبحت لنفسي أن أصورها وهي وحيدة على البلاج.. لم تشعر بي ولا بالكاميرا.. وقد رفضت بيع اللوحة خوفا من أن تغضب صاحبتها التي لا تعرف عنها أو عني شيئا.. لم يخطر ببالي قط أن لها زوجا، وأنه سيكون في افتتاح المعرض الأول.. لم أتوقع أن يكون انتقامه بهذا الشكل وتلك القسوة.. لم يحرق قلبي كما قال لصديقنا، لكنه حرق عمري كله وثروتي التي خرجت بها من الدنيا.. ومع هذا أقدر مشاعره كزوج!

بعد عدة جلسات.. وصل أخيرا تقرير المعمل الجنائي.. الحريق كان نتيجة ماس كهربائي مبعثه جهاز التكييف.. وتنفس الجميع الصعداء.. حصل شريف على البراءة.. وتنازل عن دعواه ضد وسام لأنه رسم زوجته ووضع لوحتها في مكان عام دون استئذان!

أما هالة فقد انخرطت في بكاء طويل رغم اعتذار زوجها الذي وصل إلى حد الذل.. وبعد ثلاثة أيام زارتها صديقة عمرها فوجدت هالة لم يغادرها الحزن ولا برحت الدموع عينيها.. سألتها:

• لا أفهم بكائك حتى الآن؟!

أبكي على اللوحة المحترقة.. كان نفسي أشوف سيدة البحار؟!

صفحة جديدة 1

اخترنا لك