من أجندة رئيس محكمة يكتبها محمد رجب

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

قضية يكتبها محمد رجب

زواج بنية الطلاق..!!  

كنت باعتباري قاضيا ورئيس محكمة – من أنصار نشر قضايا الأحوال الشخصية بكل تفاصيلها وبكامل حذافيرها.. ففي كل حكاية بين رجل وامرأة.. قصة حياة فيها كل المتناقضات.. بدايتها تتكرر يوميا في أماكن مختلفة وبأسماء مغايرة وتفاصيل مختلفة.. لكن النهاية تكتبها سطور القضايا بقلم القضاة.. ومن لا يتعلم منها سوف يقع في نفس المأزق.. وربما يشهد بعيني رأسه نهاية مؤلمة.. أو أشد قسوة.. أو تبلغ من الغرابة والإثارة ما يفوق الكوابيس تارة والأحلام والأحلام تارة أخرى!.. وتحضرني بهذه المناسبة قضية ممدوح ونسمة.. إنها واحدة من القضايا القليلة التي تعلق بذاكرة القاضي.. ويحرص على تدوينها في أجندته الخاصة.. أما السبب فسوف تحكيه الأحداث!

ممدوح شاب من أسرة ثرية.. رغم حياته المرفهة إلا أنه كان حريصا على التفوق العلمي.. حياته لم تكن تنقصها كماليات ولا ضروريات.. هو وأخته الوحيدة ووالداه يمتلك كل منهم سيارة أحدث موديل.. يعيشون في شقة مطلة على النيل في أرقى أحياء القاهرة.. مصروفه الشهري يفوق أضعاف مرتب موظف حاصل على أعلى المؤهلات.. حصل على الثانوية العامة بمجموع كبير ساعده على الالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. ورغم صداقاته المتعددة بزميلات الجامعة إلا أنه كان يحرص على مغازلة المضيفات في الكافيهات التي يتردد عليها، وكانت كل منهن تتسابق على خدمته للحصول على البقشيش المغري الذي يتطوع به قبل أن ينصرف ويغادر المكان!.. مرة أخرى رغم سرب الجميلات الذي يحوم حوله حيثما يتواجد، إلا أن واحدة منهن لم تعلق بذاكرته أو رق لها قلبه سواء من بنات الجامعة أو مضيفات دور الضيافة في الفنادق والكافيهات.. كان هدفه الكبير أن يتخرج ويعمل دبلوماسيا خلفا لجده ووالده.. لكن يبدو أن ممدوح لم يحسب حسابا للصدفة ولم تعلمه الحياة بعد أن للزمن أحكاما يفرض بها القدر علينا ما يريد.. ولو كان ضد ما نريد!

تعرف ممدوح على نسمة في إحدى الأوتيلات ذات النجوم الخمس.. دق قلبه بعنف بمجرد أن تلاقت عيناه بعينيها.. وقبل أن يعرف شيئا عنها أو حتى يعرف اسمها.. أو يسمع صوتها.. تجاهلته نسمة مرة ومرتين وفي الثالثة ابتسمت.. وابتسم.. اقترب واقتربت.. لم يجد سوى الحيلة التقليدية ليفتح معها حوارا:

• عفوا.. أنا حاسس إني شفتك قبل كده..

•• يخلق من الشبه أربعين.. وعموما.. أنا لا أشعر بنفس الإحساس.!

• لكن أنا واثق أننا تقابلنا.. حضرتك طالبة؟!

ضحكت نسمة ونصحت ممدوح أن ينأى بنفسه عن هذه البدايات التي تحفظها النساء عن ظهر قلب.. أما نصيحتها الثانية فقد لخصتها في كلمات سريعة بينما كان ممدوح يتصبب عرقا:

•• لو عاوز نتعرف ما عنديش مانع ومن غير لف ولا دوران.. أنا إنسانة كما تراني بسيطة للغاية.. بنت عادية.. لا عليك بأناقتي ولا سيارتي ولا ابتسامتي التي كانت تملأ هذا المكان قبل لحظات.. أنا جئت إلى هذا الحفل دون أن أعرف أحدا فيه، لمجرد التسلية والمتعة.. لا أكثر ولا أقل.. وسوف أنصرف الآن.. وحالا.. لأعود إلى بيتي.. ربما تسألني ولماذا تجاوبت معك ووافقت على أن نتعارف.. شوف يا سيدي.. رأيتك إنسانا مهذبا ومحترما وقرأت في عينيك براءة نادرة.. أنا على فكرة مثل أي امرأة تقرأ الرجل من عينيه إن كان قديسا أم إبليسا.. واضح أنك ابن ناس ولا أرفض أن أتعرف عليك فليس عندي أصدقاء.. ولا صديقات.. أنا أعيش وحيدة!

تلعثم ممدوح وتلجم لسانه وتسمر في مكانه.. سرح وشردت أفكاره مع صوتها الحالم الحنون.. لقد عرف جميلات بعدد شعر رأسه.. لكن لم تكن إحداهن بهذه اللباقة وهذا الذكاء وتلك الشجاعة والثقة بالنفس!.. لم يتردد في دعوتها على العشاء في باخرة عائمة فوق مياه النيل بالقرب من الفندق.. لكنها اعتذرت في أدب جم:

• تقبل اعتذاري.. ربما بعد أن نتعرف عبر الهاتف نلتقي ثانية.. سوف أمنحك تليفوني ونتكلم.. أعتقد هذا يكفي في البداية!

 

•••

تكررت المكالمات التليفونية.. انقلبت حياة ممدوح رأسا على عقب.. الدنيا صارت ربيعا في عز الشتاء.. والقمر صار يضيء حتى بعد أن يطفئ نور حجرته لينام.. كان طيفها ممزوجا بضوء القمر يتراقص أمامه حتى تشرق الشمس فيرى وجهها يبعث بالدفء إلى كل البقاع الباردة.. احلوت الحياة وصار كل الناس كالملائكة في عينيه.. كان ينتظر مكالمتها بفارغ الصبر.. عرف منها أن والدها طلق والدتها وهي  مازالت طفلة.. وأن والدها هاجر بعد الطلاق إلى كندا.. وتزوجت أمها من ثري عربي وعاشت معه بعيدا عن مصر!.. لهذا قامت خالتها بتربيتها حتى تخرجت من كلية الآداب.. وقبل شهور ماتت الخالة وتركتها وحيدة!

ظل ممدوح مشغولا بقصة نسمة، خاصة بعد أن صارحته بأنها اضطرت لاستثمار موهبتها في التطريز وصنع المفارش المنقوشة برسوم بديعة وأشكال فرعونية لتبيعها في خان الخليلي حيث يتهافت عليها السياح لأنها صناعة يدوية ماهرة.. وهكذا أنقذتها هذه الموهبة من أن تبحث عن عمل حكومي يكبلها بقيود الروتين والمواعيد!

كانت سعادته لا توصف بفارسة أحلامه.. لم يكن يعذبه سوى موعد اللقاء الثاني الذي لم يتم طوال ستة أشهر.. أقسمت ألا تقابله إلا بعد أن تظهر نتيجة البكالوريوس ويتخرج من الجامعة.. أعجبه حرصها على مستقبله وآلمه طول الفراق وكأنها تسويه على الجانبين شوقا واشتياقا!

 

•••

أخيرا.. التقيا.. وتعددت اللقاءات.. وصارح كلاهما الآخر بأنه يكتوي بنار الحب لأول مرة.. طلب ممدوح يدها ودعاها لتتعرف على أسرته.. لكن صدمه ردها في كل مرة كانت تؤجل فيها الرد على دعوته.. وعند هذه النقطة سوف أترك ممدوح يحكي بنفسه أمام المحكمة ماذا حدث بعد أن ذاب كلاهما حبا في الآخر.. قال:

كنت متلهفا على أن تصبح شريكة لحياتي.. وكان ضميري يؤنبني كلما جمع بيني وبينها لقاء حب رومانسي.. كان يدهشني موقفها فهي التي يجب أن تحثني على سرعة الزواج.. ولو من باب إصلاح ما أفسده الحب!.. لكنها ظلت لغزا محيرا في حياتي لأكثر من عامين أصبحت أنا فيهما أسيرا في هواها.. خادما في مملكة فتنتها!.. وذات يوم واجهتها بكل حسم وإصرار لتصارحني بالحقيقة ولماذا تتهرب من الزواج مني.. وهددتها بأن أختفي من حياتها لو لم تجبني!.. وجاء ردها كالصاعقة حينما قالت لي بالحرف الواحد أن المرأة التي تحب لا تكذب!.. ولأني أصبحت أول وآخر حب في حياتها فهى مضطرة أن تصارحني بعد إصراري على حسم العلاقة.. فتحت لي قلبها واجابت على السؤال المحير: لماذا تتهرب من زواجنا معللة موقفها بأنها لن تتزوجني حتى تحافظ على مستقبلي!!.. وانهمرت دموعها وهي تحكي لي أن كل ما حكته لي عن نفسها ليس صحيحا.. وأن والدها ليس طبيبا مهاجرا إلى كندا وإنما موظف بسيط انفصل عن زوجته وسلم ذقنه لزوجته الجديدة فأبعدته عن أسرته!.. بينما لم تتحمل أمها الصدمة فماتت بعد صراع مع المرض.. وتولت هي تربية أشقائها الصغار بعد أن التحقت بعمل بدبلوم التجارة الذي حصلت عليه!

 

يجفف الدبلوماسي الشاب عرقه ثم يستطرد قائلا:

•.. قاطعتها بسؤال عن الشقة الفاخرة التي تعيش فيها والسيارة التي تمتلكها وأحدث الأزياء التي ترتديها ومن أين كل هذا المال الذى تنفق منه؟

فأكملت لي حكايتها بأن صاحب الشركة التي عملت بها سكرتيرة لمكتبه وقع في غرامها.. وحاول اصطيادها بكل الطرق، لكنه فوجئ بسد منيع أمام رغباته فعرض عليها الزواج.. وبالفعل تزوجته.. لكن زوجته كشفت السر وطردتها من الشركة فقررت أن تلجأ للمحكمة.. لكن رجل الأعمال ساومها على أن يمنحها شقة وسيارة ومبلغا كبيرا مقابل أن تسلمه ورقة الزواج العرفي وتجهض نفسها.. وبالفعل قبلت نسمة هذا العرضّ.. هذا هو السر الرهيب الذي كان في حياتها وأخفته عني!!.. الحقيقة الوحيدة التي كانت في حوارها معي عبر الهاتف هي نجاحها في اكتساح أسواق المفارش الفرعونية حتى أطلقوا عليها في خان الخليلي لقب: “ملكة الفرعونيات”.. وفي النهاية صارحتني بأنها لم ولن تحب رجلا في حياتها سواي.. ولم تكن تكذب.. وكنت أنا الآخر أحبها بجنون ولم أخدعها.. ورغم كل ما حكته لي وإصرارها على ألا نتزوج حفاظا على وظيفتي إلا أنني تزوجتها بعد إلحاح مني وشرط منها بألا أحرمها من الأمومة.. نعم كنت أعرف أن زواجي منها كان ممزوجا بنية الطلاق إذا تعرض مستقبلي المهني للخطر.. لم يكن أمامي حل آخر أو هكذا تصورت!!.. وأعترف أنها حافظت على سرية الزواج كيلا تعكر صفو علاقتي بأسرتي وكلهم من القامات العالية في السلك الديبلوماسي!.. لكني أعترف أيضا بأكبر خطأ ارتكبته في حياتي حينما وقع ما كان يخيفني فأرسلت لها ورقة الطلاق الغيابي في نفس اليوم الذي تسلمت فيه أنا ورقة ترشيحي للعمل في إحدى القنصليات!..

مرة أخيرة أعترف بأنها يوم اتصلت بي قبل سفري لتخبرني أنها حامل لم يكن ردي عليها مهذبا ولا لائقا بالحب الكبير الذي منحته لي.. كنت خائفا من التحريات التي تدور حولي أنا وزملائي بشكل دوري، وكان أبوها بعد زواجنا بشهور قد دخل السجن بعد تعديه على ضابط شرطة في أحد الأكمنة!.. نعم كنت أنانيا حريصا على سمعتي الديبلوماسية لكنني أفقت واستيقظ ضميري بعد أحد عشر عاما واشتقت لابني.. عدت إلى مصر.. اتصلت بها.. رجوتها أن تسمح لي برؤية ابني.. لكنها أغلقت التليفون في وجهي.. توسط كثيرون لديها فرفضت مجرد الحديث عن هذه الرؤية.. لهذا لجأت إليكم.. ما بيني وبينها لا يمكن أن تعتبره العدالة سببا في حرمان أب من ابنه.. فأرجو أن تحكموا لي بالرؤية طبقا لأحكام القانون والشرع!

 

•••

أرسلت المحكمة استدعاء للأم.. كانت المحكمة تشعر أن الديبلوماسي صاحب المقام الرفيع لا يستحق التعاطف معه كزوج.. لكنها لا تستطيع أن تحرمه من ابنه كأب..إلا أن السيدة نسمة لم تحضر ثلاث جلسات متتالية.. وفي الرابعة وقف أمامنا الأب الديبلوماسي يبكي وهو يقول:

• حضرات القضاة..

 لقد أرسلت لي زوجتي السابقة صورة ابني على الإيميل الخاص بي لتزيد من عذابي وجراحي.. وحينما ذهب إليها محضر المحكمة أنكرت وجودها.. هكذا ظننت.. ذهبت إليها بنفسي ففوجئت بأنها باعت الشقة وانتقلت لمكان غير معلوم.. لهذا أرجو من عدالتكم الحكم فورا بإدراج اسمها هي وابني على قوائم الممنوعين من السفر قبل أن تهرب خارج البلاد وتحرمني من ابني إلى الأبد!

ورغم الحكم الذي أصدرناه لصالح الأب الديبلوماسي الباكي إلا أنه فشل في العثور على زوجته السابقة ومعها ابنه الوحيد!

.. والمؤكد أنه ما زال يبحث عنهما حتى الآن؟!

اخترنا لك