من أجندة رئيس المحكمة

من أجندة رئيس المحكمة يكتبها: محمد رجب

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

 رئيس المحكمةآخر فرحة.. لصاحبة الفستان الأسود؟

ذات صباح.. قرأت عايدة نعيا على مساحة صغيرة في صفحة الوفيات بجريدة الأهرام.. لم يلفت نظرها اسم المتوفاة.. لكن ودون أن تدري شهقت وهي تقرأ اسم زوج السيدة الراحلة.. سألت نفسها في دهشة:

• معقول.. يكون هو؟!

أعادت عايدة قراءة النعي.. الاسم الثلاثي يؤكد أنه هو المقصود.. يوسف أول رجل أحبته وحرمتها الأقدار من الزواج منه.. عشرون عاما لم تره فيها مرة واحدة.. اختفى بشكل مريب.. ظنت أنه هاجر.. أو سافر في إعارة طويلة.. أو ربما مات ورحل عن دنيانا مثلما رحل معظم الذين كانت تعرفهم.. وتثق فيهم.. وتأنس بهم..؟ ظلت الجريدة في يدها عدة دقائق.. آخر ثلاثة سطور في النعي شدت انتباهها:

• وسوف تشيع الجنازة عقب صلاة ظهر اليوم من المسجد الكبير بحدائق القبة.. والعزاء بالمقابر.

اتخذت قرارا عاجلا لم تفكر فيه طويلا، فالوقت لم يكن يكفي للتدبر أو التأمل أو التردد.. نظرت إلى ساعة الحائط.. مازال باقيا على صلاة الظهر وقتا كافيا.. أسرعت إلى دولابها.. فستانها الأسود جاهز دائما، فالأحزان تسدد في مرماها أهدافا بالجملة في السنوات الخمس الأخيرة.. ارتدت فستانها ولم تنس أن تقف أمام المرآة ولو للحظات.. ضايقها شعرة بيضاء برزت فجأة بين خصائل شعرها الذهبي الناعم الطويل.. آلمها هذا الظهور المفاجئ لشعرة بيضاء.. رغم أنها في بداية الأربعينات من عمرها.. مدت يدها.. نزعت الشعرة البيضاء بعنف وهي تهمس لنفسها: “..بقى ده وقته!!”.. كان عزاؤها الوحيد أنها ما زالت تمسك بجمالها وتحتفظ بفتنتها ورشاقة قوامها.. كانت تتصرف بسرعة كيلا تمنح عقلها فرصة للتفكير قد تمنعها من مواصلة المغامرة.. غادرت شقتها.. أشارت إلى أول تاكسي:

• حدائق القبة يا أسطى؟

•• فين بالضبط يا هانم؟!

• عند المسجد الكبير..!

لحسن حظها لم يناقشها السائق فالمسجد كان معروفا.. وهناك نزلت.. تذكرت أنها لا تعرف أحدا سوى يوسف.. تأملت الوجوه.. لابد أن معظم المعزين من زملائه في مصلحة البريد التي أصبح وكيلها كما قرأت في النعي.. لكن أين هو؟!.. فجأة.. تنبهت على صوت رجل قريب منها:

• النساء يدخلن المسجد من هذا الباب!

تلفتت حولها مرة أخرى لعل وعسى ترى يوسف.. لكن كل محاولاتها فشلت.. دخلت من باب النساء.. توضأت مثلهن.. ارتفع صوت المؤذن بنداء الصلاة.. وما إن فرغ المصلون من أداء الصلاة حتى أعلن إمام المسجد  عن صلاة الجنازة وكيفيتها وصيغة الدعاء للمتوفاة.. تمت الصلاة وكانت عايدة أول من خرج من النساء إلى الطريق.. ها هو يوسف بشحمه ولحمه يشق الصفوف ليحمل الجثمان فوق كتفه.. خفق قلبها بشدة وتلاحقت أنفاسها.. وقفت على أصابع قدميها تتابع المشهد.. لابد أن صاحبة الجثمان هي سناء التي سمعت أن يوسف تزوجها من عشرين عاما.. وكان هذا الخبر آخر ما سمعته عن يوسف بعد فك خطوبتهما!!

بدأت السيارات تتحرك في اتجاه المقابر.. المعزون  يعرفون بعضهم بعضا ويقسمون أنفسهم على السيارات.. لكن مع من تركب عايدة وهي لا تعرف أحدا؟!.. أخيرا جاءها الإنقاذ، وجدت أمامها سيارة المصلحة فأسرعت وسط بعض النساء إلى داخل الأتوبيس.. جلست بجوار النافذة وركزت نظراتها مع يوسف وهو يركب خلف الجثمان بسيارة نقل الموتى!

المواجهة..!

تمت مراسم الدفن بينما كانت عايدة تستدعي دموعها، وما أسهل استدعاء الدموع لعيني امرأة؟.. وقف يوسف على رأس طابور من الرجال يتلقى العزاء.. أحد الملتحين طلب من النساء ركوب السيارات وتجنب الرجال.. اعترضت بعض النساء.. نظر يوسف بنصف عين نحو الهمهمات.. لمح عايدة.. أطال النظر إليها كأنه يتأكد أنها هي!!

تسمرت عايدة في مكانها.. اتجه إليها يوسف متظاهرا أنها إحدى قريباته.. صافحها بيد مرتعشة.. عرض عليها أن يوصلها بسيارته التي يقودها سائق المصلحة.. انسحب زملاؤه.. ركبت إلى جواره.. كلاهما اخترع كلمات ترسخ عند السائق أنهما أقارب.. لكن أمام منزل عايدة وبعد أن نزل يوسف بحجة توصيلها حتى باب العمارة انقلب الحوار شكلا ومضمونا وابتعد كثيرا عما يجب أن يتردد في مناسبات الحزن.. همس لها وهو غير قادر على حمل قدميه من شدة الإرهاق:

• لابد من عودتي للبيت الآن.. أختي وبعض أقاربي هناك.. لكن كيف سأراك؟! عندي كلام كتير وعندك مثله.. لابد أن نتقابل..!

•• لم أشاهد أولادك في الجنازة ولا عند المقابر؟

• ليس عندي أولاد.. سناء تركتني وحيدا..!

••  لو سمحت لي برقم تليفونك، سوف نتكلم طويلا؟

أعطاها تليفونه وعاد إلى سيارته.. وبدلا من أن تتجه نحو مدخل عمارتها وقفت تتأمل يوسف حتى دخل سيارته وأغلق بابها وراح يلوح لها بيده.. دمعت عيناها وكأنها في حلم لا تريد أن تستيقظ منه.. لم تصدق نفسها حتى بعد أن عادت إلى شقتها.. كيف قامت بهذه المغامرة؟!.. نظرت إلى نفس ساعة الحائط.. ثلاث ساعات فقط ربطت بين الماضي والحاضر في مفاجأة لم تخطر لها على بال أو خاطر طوال عشرين عاما؟.. استلقت فوق سريرها بفستانها الأسود بينما كل ألوان الربيع الزاهية تتراقص أمام عينيها؟.. ها هو يوسف حي يرزق.. لم يتغير فيه سوى هذا الحزن الساكن بين جفنيه.. وهزال جسده.. ونظارته الطبية التي أخفت كثيرا من بريق عينيه!

لا.. تدخل!

مرت أربعة أيام دون أن تتجرأ عايدة  وتتصل بيوسف.. ربما خافت أن تفتح في حياتها نافذة حب قديم فتهب منها رياح قد تعصف بحياتها.. لكن عايدة فوجئت بيوسف يطرق باب شقتها في اليوم الخامس.. وقفت أمامه مترددة.. شل لسانها.. هل ترحب به وتدخله بيتها.. وماذا لو حضر فجأة ابنها الوحيد؟!.. وبماذا تجيب عليه لو سألها من يكون ضيفها؟!.. تصبب يوسف عرقا من برودة الاستقبال.. كاد يعتذر وينصرف.. لكن عايدة فوجئت بنوبة الشجاعة التي نادرا ما تدفعها إلى المغامرة.. صافحت يوسف ورحبت به، لكنه تدارك الموقف وأخبرها أنه سينتظرها في سيارته أسفل العمارة إن لم يكن لديها مانعا!

تنفست الصعداء ووافقت على الحل الذي ينقذها من ورطة دخول رجل غريب بيتها وهو ما لم يحدث منذ طلاقها قبل أحد عشر عاما!.. خرجت معه.. وتكررت اللقاءات بعد عتاب قاس من يوسف.. ذكرها أنها هي التي أطفأت كل المصابيح في طريقه عندما تقدم لها.. وبررت موقفها ببراعة لأن زواجهما كان مستحيلا بعد أن أصبح بين العائلتين ثأر ودم.. سألته في دلال الأنثى أين اختفى.. ولماذا اختفت أخباره؟!.. وأجابها أن الرجل  لا يمكنه نسيان امرأة إلا بهجرته لكل أماكن الذكريات.. والبعد عن كل معارفها وكل من تربطه معها صلة ما.. صارحها أنه تعذب في بعادها  عنه وتعذب أكثر من أجل المرأة التي تزوجها وأشعلت أصابعها شموعا لترضيه. وتنتبه عايدة على جملة نطق بها يوسف وهو يبكي:

• أحببت سناء ببطء.. ويوم اكتمل حبي لها فارقت الحياة.. ويوم دفنتها بيدي ظهرت أنت في حياتي وكأن القدر أراد أن يرحمني ويرحمها من شراسة  الحب القديم حينما يعود.. رحمها بالموت.. ورحمني بظهورك مرة أخرى.. أنا في أشد الاحتياج لك الآن.. أرجوك لا تطفئي المصابيح مرة أخرى؟

• لكنك لم تعرف عن ظروفي أكثر من أنني انفصلت عن زوجي.. ولي ابن واحد يعيش بين بيتي وبيت والده بعد أن التحق بالجامعة.. أنت لا تعرف أن ابني هو أكبر عقبة بيني وبينك.. قبل ثلاث سنوات تقدم شخص في وظيفة مرموقة طالبا يدي.. لكن ابني هاج وماج وثار وأقسم أنه لو دخل بيتي رجل غريب فلن أراه مدى الحياة؟!.. بل كان متحمسا لإعادتي لعصمة أبيه.. لكني كنت حاسمة معه.. وقلت له “دعنا نتفق.. لن أتزوج.. ولن أرجع إلى أبيك فلا يمكن بعد زواجه أن أكون امرأة من امرأتين في حياته!”.. ونفذنا الاتفاق أنا وابني بمنتهى الدقة، فلا هو يفتح لي سيرة أبيه ولا أنا أفتح له سيرة الزواج!

قاطعها يوسف في حماس:

•• بسيطة.. لن أدخل بيتك.. ولن نعلن زواجنا.!

• ليكن في علمك.. لو تزوجنا بهذا الشكل فلن يكون بيت الزوجية نفس البيت الذي عشت أنت فيه مع امرأة أخرى، حتى لو أصبحت بين أطباق الثرى تحت الأرض!

بيت الزهور.. والأحزان؟

كل شيء كان يجري  وفق خطة محكمة.. باع يوسف شقته.. وباع ثلاثة فدادين بقريته هي كل ميراثه.. بنى بيتا صغيرا في إحدى المدن الجديدة بالقاهرة.. وأشرف بنفسه على حديقة الأزهار الملحقة بالبيت وتضم كل أنواع  الزهور التي تحبها عايدة!.. ومرت أجمل أيام العمر بين الأرمل والمطلقة التي لم تكن تتردد على بيتها الجديد إلا في الأيام التي يكون فيها ابنها الوحيد مقيما في بيت والده!

.. ولأن السعادة عمرها قصير، كانت هناك أشياء أخرى تجري في الخفاء.. همسوا في أذن الابن الوحيد أن أمه صارت عشيقة لرجل تتردد على بيته سرا؟!.. غلت الدماء في عروق الابن.. راقب أمه.. تأكد مما سمع.. وذات يوم خطط له جيدا قفز من سور الحديقة ثم من نافذة إحدى الحجرات.. تجول في البيت على أطراف أصابعه حتى وصل إلى غرفة النوم المغلقة.. دفع الباب بيده.. فوجئ بأمه موجودة بداخلها مع الرجل.. تنبه يوسف على الشاب يخرج مسدسه ويطلق الرصاص نحوه.. افتدى يوسف زوجته وتلقى ثلاث رصاصات في صدره بينما استقرت رصاصتان في كتف الأم وذراعها.. هرب الشاب من حيث أتى.. وفارق يوسف الحياة.. وتجمع بعض سكان البيوت والفيلات المجاورة بعد سماعهم دوي الرصاص.. طلبوا الشرطة.. ونقلت عايدة إلى المستشفى في حالة سيئة؟

رغم إنكار عايدة بمعرفتها للجاني وإصرارها على أنه شخص غريب.. إلا أن تحريات المباحث توصلت إلى ابنها الوحيد الذي اعترف في التحقيقات بارتكابه للجريمة دفاعا عن الشرف!

حضرت عايدة جلسات المحاكمة بفستانها الأسود الذي يبدو أنه كان مكتوبا عليها!!.. حاولت أن تدافع عن ابنها.. لكنها – أيضا – دافعت عن شرفها وقدمت للمحكمة وثيقة زواجها الرسمية وراحت تحكي قصتها كاملة لتبرر  لنا لماذا أخفت زواجها الذي تم على سنة الله ورسوله؟.

وبتطبيق نصوص القانون واعتبار أن الابن كان تحت تأثير إحساسه بخيانة أمه لشرفها وعرضه، خاصة وأنها أخفت زواجها عن الجميع حتى ابنها، فقد قررنا أن نتعامل مع الجاني بالمواد المخففة للعقاب.. وفي نفس الوقت لم نغفل أنه تهور ولم يبذل جهدا ولو بسيطا لمعرفة العلاقة التي تربط أمه بالرجل الذي تتردد على بيته قبل أن يقتل هذا الرجل ويشرع في قتل أمه!.. بالإضافة إلى حمله لسلاح ناري غير مرخص اعترف أنه سرقه من أبيه!.. لكل هذه الأسباب حكمنا على الشاب المتهم بالحبس عاما مع الإيقاف في تهمة الشروع في قتل أمه.. والسجن ثلاث سنوات في تهمتي القتل  عمدا وحمل سلاح دون ترخيص.. وهي أقل العقوبات وحدها الأدنى في مثل هذه الجرائم.. لكن صرخة الأم شقت سكون القاعة فور النطق بالحكم حزنا على ترحيل ابنها إلى السجن!

هذه واحدة من قضايا عديدة كان ملف الدعوى في كل قضية منها يقول في النهاية:

• بعض النساء ليس من حقهن أن يفرحن أبدا؟!

أة أة.. تنبهت على صوت رجل قريب منها

Leave a Comment