من أجندة رئيس المحكمة

من أجندة رئيس المحكمة يكتبها: محمد رجب

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

من أجندة رئيس محكمة

ضحايا.. صاحبة الفانوس السحري؟

أخيرا ابتسمت الحياة لجيهان – أو هكذا ظنت وبعض الظن إثم؟..

عثرت على فرصة العمل التي كانت تحلم بها وحفيت قدماها في البحث عنها.. فرصة عمل تدر عليها دخلا  يكفيها ويكفي للإنفاق على أسرتها الفقيرة  المكونة من أب وأم وثلاث بنات في مراحل التعليم المختلفة بالإضافة إلى جيهان التي حصلت على دبلوم التجارة وظلت عامين في رحلة بحث فاشلة عن وظيفة مناسبة!

قالوا لها “ستذهبين إلى عنوان السيدة سحر في مدينة نصر وسوف توقعين عقد العمل قبل انصرافك من لقائها!”.. طارت جيهان إلى العنوان الذي حفظته عن ظهر قلب.. صعدت إلى شقة الهانم كما ينادونها.. ليست شقة بالمعنى الذي يفهمه بسطاء الناس مثل جيهان وعائلتها.. إنها قصر يخطف العين ويشتت العقل.. تحف نادرة في كل مكان.. أثاث لم تشاهد له مثيلا من قبل.. ساحة يجري فيها الخيل.. ثلاث شغالات لكل واحد منهن مهمة محددة؟..

طالت لحظات الانتظار بعض الوقت حتى ظهرت سحر بأنوثتها الطاغية وأناقتها التي تحسدها عليها النساء.. امرأة تبدو من مظهرها أنها جبارة.. لكنها حينما تتحدث تصيح كعصفور  يغرد فوق أغصان الشجر!

أحمر وجه جيهان وأصفر وأخضر في لحظة واحدة.. تلاحقت أنفاسها.. تصببت عرقا..  ملأها خوف  من أن ترسب في كشف الهيئة  وتضيع منها فرصة العمر.. لكن نظرات سحر إليها شجعتها..  كانت سحر تتأملها من شعر رأسها إلى أخمص قدميها وهي تدير معها حوارا عن ظروفها ومدى استعدادها للعمل الشاق.. وكانت جيهان ترد بكل الألفاظ والمعاني التي تفهم من سحر أنها لن تندم أبدا على إعطاء الفرصة الذهبية لجيهان!.. اللحظات تمضي حتى انتقل الحوار إلى أهم أجزائه.. قالت لها سحر:

• المرتب ثلاثة آلاف جنيه في الشهر.. قابلة للزيادة!

ابتلعت جيهان ريقها وردت في سعادة:

•• شكرا يا هانم.. لكن قالوا لي إن هناك شرطا واحدا لاستلام الوظيفة..!

قاطعتها سحر:

• نعم.. أنا أريد أن أضمن استمرار من يعمل معي حتى لا يكتسب الخبرة ثم يخطفه مني المنافسون.. من يعمل معي يوقع على إيصال أمانة إذا كان في نيته أن يستمر حتى النهاية!

دون تردد أجابت جيهان بالموافقة وأصرت على توقيع إيصال الأمانة في الحال.. وأعربت سحر عن إعجابها بحماس الموظفة الجديدة ثم فتحت ملفا أخرجت منه إيصالا وقعت عليه جيهان بسرعة.. وعادت سحر تسألها:

• هل عرفت طبيعة العمل ومواعيده ومكانه؟!

•• نعم!.. في الصيف سيكون مقر النادي الصحي بمارينا في الساحل الشمالي.. وفي الشتاء سيكون في شرم الشيخ.. والإجازة سبعة أيام كل شهر؟

مرة أخرى فتحت سحر نفس الملف وأخرجت منه عقدين قامت جيهان  بالتوقيع  على الأصل ووقعت سحر على الصورة التي احتفظت بها جيهان..!.. وقبل أن تنصرف الفتاة  منحتها مبلغا كبيرا لشراء كل مستلزمات الأناقة!.. بينما استدعت الهانم أحد مساعديها الذي رشح لها جيهان ومنحته مكافأة سخية وامتدحت حسن اختياره لجيهان التي ستكون أجمل فتيات النادي الصحي وصالة الديسكو، ومضت تشيد بأنوثة الفتاة وقوامها الناري وتوقعت لها أن تسحب البساط من تحت أقدام زميلاتها اللاتي سبقنها للعمل بمشروعات سحر السياحية كما كانت تطلق عليها!

•••

لم يمض شهر واحد حتى اكتشفت جيهان أنها دخلت الجحيم بقدميها.. وأن الذي رشحها للعمل غرر بها وخدعها ودلس عليها حينما عرفها بالسيدة سحر باعتبار أنها المرأة صاحبة الفانوس السحري بينما هي في حقيقتها واحدة من بنات وسفراء إبليس فوق الأرض!..

 أصبحت جيهان على يقين من أنها وقعت في الفخ وليس أمامها سوى أن تستمر داخل المصيدة، فالنادي الصحي ليس سوى غطاء لأعمال مخلة ترفضها أي أنثى تحترم نفسها.. وصالة الديسكو ما هي إلا فاترينة عرض لأنواع وصنوف النساء الكاسيات العاريات.. وساعات العمل لا تعرف منها الليل من النهار.. موسيقى صاخبة.. صفقات مشبوهة.. حفلات رقص وصالات قمار وأموال تتناثر هنا وهناك.. جو شعرت معه جيهان بالاختناق لكنها مثل فتيات كثيرات غيرها لم تستطع الاعتراض بعد أن سمعت عن مصير كل فتاة اعترضت وهددها شبح السجن بإيصالات الأمانة الموقعة على بياض؟.. كانت تنفذ المطلوب منها على مضض.. يكلفونها بالرقص وهو كره لها فتستجيب.. تجالس السكارى وهي تتألم.. وكلما راجعت نفسها تذكرت أسرتها الفقيرة وشقيقاتها اللاتي تنفق عليهن.. الدواء الذي تشتريه لأمها.. ومصروفات الدراسة لأخواتها.. وفواتير الكهرباء وإيجار الشقة وأقساط السيارة الجديدة التي اشترتها لنفسها.. من أين ستعيش أسرتها لو هي ضحت بالسيارة التي اشترتها؟!.. وكيف ستواجه شبح السجن لو قدم العاملون مع سحر إيصال الأمانة إلى المحكمة؟!.

أسئلة حائرة لم تجد لها جيهان إجابات حاسمة فكانت تستسلم وترفع الراية البيضاء وتعيش واقعها المرير الذي ترفضه من أعماقها!.. ظلت هذه الحالة تلازمها عاما ونصف العام حتى قابلت زميلة الدراسة السابقة بالصدفة.. عانقتها جيهان واسترعى انتباهها أن أحلام قد تزوجت من شاب حديث التخرج من الجامعة حصل على عقد عمل بإحدى الدول الخليجية وبدأت معه رحلة تأمين المستقبل.. جرت الدموع في عيني جيهان وهي تستمع من أحلام كم هي سعيدة في حياتها وتعمل في نفس الوقت لآخرتها بالعبادة والتقوى..!.. عادت جيهان من يومها إلى بيتها وهي تعقد مقارنة بين حياتها العابثة اللاهية وبين حياة صديقتها أحلام المستقرة الهانئة.. اتصلت بها ليلا وسماعة الهاتف ترتعش في يدها:

• أحلام.. إجازتي تنتهي غدا.. وأريد مشورتك في أمر  مهم تتوقف عليه حياتي!.. حاولت أن أقلدك فتوضأت لأصلي وأبدا صفحة جديدة مع الله.. لكني لم أستطع أن أرفع يدي بتكبيرة الإحرام!.. أنا ممزقة يا أحلام.. لن يتقبلني الله أبدا إلا إذا تركت عملي.. وفي هذه الحالة سوف يهددني السجن!!

•• عن أي عمل تتحدثين يا جيهان..؟!

ظلت جيهان تحكي ساعة ونصف الساعة عن الورطة التي وضعت نفسها فيها ولا تجد لها مخرجا.. وكانت نصيحة أحلام محددة وكلماتها واضحة:

•• عودي لسجادة الصلاة.. ثقي في أن الله سيقبل الصلح معك.. وسوف يهديك إلى الحل!

نفذت جيهان النصيحة.. شعرت بطمأنينة غريبة بعد أن فرغت من الصلاة والدعاء.. ورغم انهماكها في قراءة المصحف طرأت عليها فكرة قررت أن تنفذها على الفور!

الحادية عشرة مساء كانت في مكتب رئيس مباحث الآداب.. حكت له قصتها كاملة.. حصل منها على كل المعلومات  التي أرادها وأضافها إلى ما تحت يده من تحريات كان ضباطه يقومون بها ثم سألها:

• هل تثقين في زميلات لك يشهدن معك بعد القبض على صاحبة الفانوس السحري؟

•• نعم.. أنا عن نفسي أثق في ثلاث فتيات تورطن مثلي.. ولن يترددن في الشهادة!

•••

في الموعد المحدد داهمت المباحث النادي الصحي وصالة الديسكو وصالة القمار.. وكانت الأحراز في القضية على قدر هائل من الأهمية.. خاصة إيصالات الأمانة المحررة بتوقيعات ست فتيات من بينهن جيهان!.. حرز آخر يضم ثلاث جوازات سفر بأسماء انتحلتها المتهمة الأولى في القضية والمعروفة بلقب صاحبة الفانوس السحري بعد نجاحها  الكبير في إبهار الفتيات بالمال وبأنها ستجعل منهن سيدات أعمال بالفرص التي ستمنحها لهن!.. أما باقي  المتهمين كما جاء في تحريات المباحث وتحقيقات النيابة فكان خال المتهمة سحر في مقدمتهم ثم ابن شقيقتها وصديقة لها، كان الثلاثة يقمن باختيار الضحايا من الفتيات الباحثات عن عمل.. اعترف الثلاثة أنهم كانوا يختارون الضحية التي تنطبق عليها ثلاثة شروط، الجمال الفائق، والفقر المدقع، والاستعداد للعمل بعيدا عن رقابة الأسرة!

وجاءت تحريات المباحث عن سحر بمفاجأة أخرى، فقد بدأت حياتها مثل ضحاياها، في إحدى صالات الديسكو في التسعينات، لكنها طورت من نفسها بعد أن أوقعت صاحب الديسكو في غرامها توطئة لإدخاله مصيدتها وبعدها لطشت منه صالة الديسكو وجردته من كل ثروته حتى مات محسورا على غبائه!.. وظلت المتهمة تطور من أنشطتها – كما جاء بالتحريات – بإغراء بنات الفقراء وتوريطهن بإيصالات  أمانة أو شيكات بلا رصيد!.. وكان أخطر ما أثبتته النيابة في التحقيقات هو أن سحر هاربة من ثلاثة أحكام صادرة ضدها.. وأنها انتحلت اسما جديدا وزورت بطاقتها ثلاث مرات واستخرجت ثلاثة جوازات سفر لتتمكن من الهرب في أي لحظة وبالطريقة التي تختارها من خلال الشخصيات الثلاث التي تنتحلها!!

•••

اكتملت القضية أمامنا.. وحاكمنا المتهمة سحر وشركائها بتهم وصلت العقوبات فيها إلى خمسة عشر عاما للمتهمة وثلاث سنوات للشركاء..  وكان  أهم ما حرصت عليه المحكمة هو إثبات صورية إيصالات الأمانة باعتراف المتهمة الأولى وشهادة جيهان وثلاث من زميلاتها.. وأسجل هنا أن جيهان فاجأت هيئة المحكمة حينما ظهرت أمامنا بالنقاب وراحت تستشهد بالآيات القرآنية بعد أن فرغت من شهادتها ثم قالت موجهة حديثها إلى بعض الصحفيين:

• اكشفوا هذا الفساد للرأي العام وحذروا أولياء الأمور من المصائد التي تهلك بناتهن إذا غابت عنهن رقابة الأسرة.. الآن أمشي مرفوعة الرأس وأنا عائدة إلى رحاب الله.. إنني أصبر على الفقر في الدنيا.. ولا طاقة لي بعذاب الآخرة.. ولا بأن أعيش ساقطة ترتدي ثوب الهوانم مثلما كانت تعيش صاحبة الفانوس السحري!!

•••

ولولا المنصة وهيبة القضاء لكنا صفقنا لهذه الفتاة التي اختفت ملامحها تحت النقاب!

Leave a Comment