من أجندة رئيس المحكمة

من أجندة رئيس المحكمة يكتبها: محمد رجب

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

قضية

نهاية مؤلمة لراقصة الكناريا بعد زفافها

الحسناء التي هربت من ثلاث دول

كانت حالة الطوارئ معلنة منذ أيام في مطار القاهرة.. بدأ موسم عودة المصريين من الخارج ساخنا.. الآلاف يتوافدون خلال ساعات النهار والليل تستقبلهم ابتسامات الأهل والأقارب، إلا هذه الحسناء الشابة التي غادرت الصالة ثم أبواب المطار دون أن يكون أحد في انتظارها، ولكن كانت عيناها تقاومان البكاء.

اندفع سائق إحدى سيارات الأجرة نحوها.. حمل حقيبتها الوحيدة الكبيرة إلى سيارته، بينما جلست هي في الكنبة الخلفية.. كانت شاردة لم تنتبه حتى إلى ملامح السائق أو كلمات الترحيب التي اعتادها السائقون.. وما أن بدأ التاكسي يخترق شوارع مصر الجديدة حتى انفجرت دموع أميمة فحاولت أن تداريها.. لا أحد يدري لماذا تبكي.. هل من فرط الشوق والحنين إلى الوطن الذي غابت عنه خمسة عشر عاما، أم لسر خاص بها.. وكم في حياة النساء من أسرار؟!

طلبت أميمة من السائق أن يتجه إلى أحد الفنادق الكبرى ذات السبع نجوم.. لم يعلق السائق وعاد يرتل آيات القرآن بصوت جميل ترق له القلوب الجامدة.. مسحت أميمة دموعها وركزت سمعها مع سورة مريم.. شعرت براحة عميقة كم كانت بحاجة إليها.. هدأت الأفكار الثائرة في أعماقها حتى انتبهت أخيرا على مدخل الفندق الشهير وتوقف التاكسي:

• أي خدمة يا هانم؟!

•• متشكرة.. لكن لو احتجت إليك في أي وقت كيف يمكنني الاتصال بك إن لم يكن لديك مانع؟!

• أنا تحت أمرك من الخامسة مساء حتى الواحدة فجرا.. وهذا رقم تليفوني إذا كانت هذه المواعيد تناسبك؟!

ربما كانت المرة الأولى في حياة أميمة التي شعرت فيها أنها أمام رجل يمكن الاعتماد عليه والثقة فيه وعدم الاحتراز منه، عرفت من خلال الأسبوع الأول بعد وصولها مصر أنه محام بإدارة قانونية بإحدى المصالح الكبرى، ويعمل نهارا بالإدارة القانونية ومن الخامسة مساء على سيارة أجرة لتحسين دخله، والإنفاق على شقيقاته اليتامى حتى زوجهن الواحدة بعد الأخرى.. ظلت أميمة معجبة بحكايات الكفاح التي رواها لها صلاح وهو ينجز لها مشاويرها الخاصة في البحث عن شقة تمليك تليق بها، وسيارة أحدث موديل وأثاث فاخر فقد قررت أن تكون إقامتها أخيرا في القاهرة.. كل يوم يمر كانت تزداد إعجابا بصلاح، خاصة حينما رفض العمل سائقا خاصا على سيارتها بثلاثة أضعاف مرتبه من صاحب التاكسي وبنفس ساعات العمل، قال لها صلاح يومها أنه لا يبيع الرجل الذي وثق فيه ولو بملايين الجنيهات؟.. في نفس الوقت كان صلاح يرسخ في أعماق أميمة أن الدنيا بخير.. حظها الأسود أنها لم تقابل في حياتها سوى الغدر والخيانة والنفاق والكذب والنذالة وأبناء وبنات إبليس.. وحتى لا يفلت من يدها سألته بمنتهى الجدية:

• لماذا لم تعمل محاميا حرا؟!

•• الحكاية تحتاج الى مبالغ وتكاليف لا ناقة لي بها ولا جمل؟

• هل تشاركني؟!

•• كيف؟!

• سأشتري لك مكتبا في أرقى مكان بالقاهرة.. وأتعهد أن يكون أفخم من مكاتب كبار المحامين من حيث مساحته وديكوراته وأثاثاته ومكتبته القانونية.. والأهم من هذا كله أنك ستبدأ العمل فورا لأنني سأطلب من أصدقائي العرب والأثرياء أن يحرروا لك توكيلات فورية وتصبح مستشارا قانونيا لكل منهم.

ابتلع صلاح ريقه من حجم المفاجأة.. إنه الحلم الذي كان لا يريد أن يفكر فيه أبدا باعتباره من رابع المستحيلات.. وقبل أن ينطق بكلمة واحدة استطردت أميمة قائلة:

• أعرف أنك لا تريد التضحية بصاحب التاكسي لأنه مريض وعاجز ويعول أسرة كبيرة.. يا سيدي أنا جئت إلى مصر لثلاثة أهداف من بينها عمل الخير لكل من أراه محتاجا.. سنبيع التاكسي ونودع باسمه مبلغا بالبنك يدر عليه شهريا دخلا يكفي احتياجاته ويفيض.

دق قلب صلاح بعنف وسأل أميمة بلا وعي أو تفكير:

• انت يا هانم إيه حكايتك؟!

•• المهم.. توافق وبعدين هتعرف كل حاجة في أقرب وقت.

• طبعا.. موافق!

الأيام تمر.. استقال صلاح من عمله الحكومي وترك التاكسي وأشرفت أميمة على مكتبه الجديد؛ واصطحبته لأرقى دور الأزياء والعطور والأحذية حتى ظهر صلاح أكثر أناقة من نجوم هوليوود.. ومع مرور الوقت اختفت ملامح الحزن من وجه أميمة ونست الدموع واستردت ثقتها في نفسها من جديد.. بينما راح النجاح يطارد صلاح وكأنه كان ينتظره على باب مكتبه الجديد.. ومع ذلك كانت سعادته منقوصة بقدر ما تخفيه عنه أميمة، ولهذا قررت أخيرا أن تكشف له سرها وهما يتناولان العشاء بأحد المطاعم الشهيرة.. قالت له:

• اسمعني جيدا يا صلاح.. أنا أمتلك ثروة طائلة.. لكن هذا المال لم يخلصني من شعوري بأنني امرأة فاشلة.. كل هذا المال جمعته من جمالي الذي لم يكن لي يد فيه ومن أنوثتي التي جلبت لي الشقاء في بداية حياتي.. تعاملت مع أبناء هذا الزمن بنفس قوانينهم.. كل كأس تجرعت منه جعلتهم يشربون منه وكل من تعامل معي على أنني حمل وديع سهل الافتراس تغديت به قبل أن يتعشى بي.. لكن بيني وبين نفسي ظللت أسيرة لإحساسي بأنني امرأة فاشلة أعطت قلبها وعواطفها وقيمها أجازة مفتوحة، وعاشت حياتها حذرة من الجميع.. هربت من ثلاث دول لكنني عدت أخيرا إلى بلدي لإجراء جراحة خطيرة قد تودي بحياتي فأموت وأدفن في مصر، أما الهدف الثاني فكان كما قلت لك هو البحث عمن يستحقون المساعدة لعل وعسى تكفر عني هذه الصدقات بعض الخطايا.. أما الهدف الثالث فكان الانتقام من أحد السياسيين الذين برزوا حديثا في المشهد السياسي في مصر، لكن صدقني ألغيت هذا الهدف من حياتي بعد أن تعمقت صداقتي بك وهداني الله إلى فكرة رائعة، فبدلا من الانتقام قلت لنفسي لماذا لا أجرب مرة أخرى أن أصنع عملا ناجحا وأتخلص للأبد من إحساسي بالفشل، قررت أن أقف وراءك حتى تصبح محاميا كبيرا ومشهورا ووقتها سأشعر بلذة النجاح.

قاطعها صلاح في دهشة:

•• لم أفهم كثيرا مما قلت يا أميمة هانم؟!

• في بداية حياتي كنت طالبة بكلية الحقوق.. لفت الأنظار تفوقي الدراسي وحصولي على جوائز الجامعة ثلاث سنوات متتالية؛ حتى حصلت على لقب مطربة الجامعة الأولى.. كان أحد المعيدين يبادلني حبا جنونيا، وكان أهلي في صعيد مصر قد خطبوني لابن عمي، وقبل عقد قراني وزفافي حدث ما لم أتوقعه.. استدرجني حبيبي المعيد بالكلية إلى بيته لزيارة أمه المريضة التي كانت تحدثني كثيرا عبر الهاتف؛ لكني اكتشفت داخل بيته أن والدته غير موجودة، أخبرني أنها لدى الطبيب وقدم لي علبة عصير باردة في جو خانق الحرارة؛ وهناك فقدت أغلى ما تعتز به الفتاة بكيت كثيرا وطويلا، لكن النذل برر فعلته بأن زفافي لابن عمي اقترب وأنني سأبتعد عنه وأنه لا يستطيع الوقوف ضد أهلي المشهورين بالعنف وسفك الدماء في قضايا الثأر والشرف، وأنه أراد أن يكون أول رجل أحببته وأنا فتاة وأول رجل في حياتي وأنا سيدة.. بصقت على وجهه وخرجت منهارة إلى بيت الملحن الكبير الذي تبنى صوتي في الجامعة.. كان في مقام الأب لي.. جلست أمامه محطمة ودموعي تملأ بحارا وأنهارا.. ملأني إحساس بالذل والإهانة خوفا من أن يقتلني أهلي قبل شهور قليلة من زفافي.

أخبرت الملحن الكبير بأنه ليس أمامي سوى الهرب من مصر.. ورفضت نصائحه بالبقاء حتى استجاب لي واتصل بصديق له يعمل مديرا لأحد الملاهي الليلية الكبيرة في بيروت، وفي زمن قياسي جهز لي عقدا كمطربة واشترى لي تذكرة السفر وظل معي حتى ودعني بمطار القاهرة.. هربت من مصر مضطرة.. وفي بيروت أصر مدير الملهى على أن أتدرب على الرقص لوفرة المطربات.. رضخت لأوامره.. واخترع لي مدرب الرقص رقصة جديدة باسم “الكناريا”.. وخلال عام ذاعت شهرتي وتضاعف أجري وأصبحت هدفا للأثرياء.. توهموا أنني وقعت في شباكهم؛ والحقيقة أنني كنت أنا أوقعهم واحدا بعد الآخر إلى أن تضخم رصيدي بالبنوك دون أن يحصل أحدهم مني على ما يريد.. انهالت عروض الزواج ورفضتها جميعا إلا عرضا واحدا من ثري يشاع عنه أنه من تجار السلاح اخترته لكبر سنه.. عشت معه في الحلال عامين تم خلالهما الإعلان عن اعتزال راقصة الكناريا؟.. وذات يوم ضبطته متلبسا بخيانتي فأمسكت بصديقته وأشبعتها ضربا حتى نزفت دماؤها وتجمع الناس وشهدوا على الواقعة، وكانت فضيحة مدوية خشى زوجي من التحقيقات فيها.. حصلت معها على الطلاق وجنيت من ورائها ثروة هائلة.. لكن أصدقائي هناك حذروني من أن تاجر السلاح يخطط لقتلي فهربت من لبنان مع تاجر عربي كان ضمن الذين طاردوني للزواج من قبل أن أختار تاجر السلاح، ومع عريسي الثاني عشت معه بعد الزواج في دولته حيث اكتشفت أنني الزوجة الثالثة وأن له سبع بنات من زوجتيه السابقتين.. كانت صدمة جديدة، لكنني قررت أن أصبر عدة أعوام حتى أنال حقي من ثروته.. أنا التي لا تطيق أن تكون لي ضرة واحدة قاومت ضرتين كانتا تشنان كل يوم حربا شرسة ضدي، ومثلما فعلت مع صديقة زوجي تاجر السلاح أشبعت ضرتي الأولى ضربا ثم صعدت الى الطابق الثاني ونالت ضرتي الثانية نصيبها.. وكان جزائي محضرا في النيابة التي أفرجت عني بكفالة، وهكذا لم يعد لي بقاء في هذه الدولة، ووجدت من يساعدني على الهرب فالمرأة الجميلة لا تعدم حيلة.. هربت خاصة أن الأطباء نصحوني بسرعة إجراء جراحة خطيرة أثناء الحروب التي شنتها ضدي الضرتان.. أنا لست متوحشة؛ لكنني رغم نعوميتي أكون شرسة لو جرحت امرأة كرامتي .. هذه قصتي.. قصة امرأة جمعت المال وظل إحساسها بالفشل يلازمها حتى عادت إلى أرض الوطن.. صدقني يا صلاح.. أنت أول نجاح أشعر به في حياتي وهذا يكفيني ما تبقى لي من عمر.

انتهز صلاح الفرصة وتجرأ لأول مرة وطلب يد أميمة وبدت عليها ملامح السعادة إلا أنها طلبت منه أن يتمهل ويتريث ويراجع نفسه كيلا يأتي يوم يجعلها تندم على زواجها منه لو استيقظ ماضيها عنده؛ فهي لا تريد أن يذلها هذا الماضي بعد أن كشفته له.. عاتبها صلاح فليس هو هذا الرجل الغبي أو ناكر الجميل، وأقسم لها أن حبه الجنوني وعشقه لها سيجعله مدى الحياة أسيرا في مملكتها.. وصارحته أميمة بأنها ستجري الجراحة الخطيرة أولا قبل أن تزف إليه حتى تتخلص من شبح الموت الذي قد يحرمها منه.. طار صلاح من الفرحة وبدأ الاثنان يعدان عش الزوجية ويترددان على أحد كبار الأطباء الذي يجهز لإجراء الجراحة المنتظرة لأميمة؟

داخل واحدة من أكبر المستشفيات الاستثمارية تمت الجراحة؛ وتلقى صلاح التهاني وظل إلى جوار أميمة حتى غادرت المستشفى.. وبعد أسابيع قليلة تم الزفاف الأسطوري.. لكن لم تمض أيام من شهر العسل حتى داهمت أميمة آلام حادة فقدت معها الوعي؛ فعادت للمستشفى ليتفق كونسلتو الأطباء على ضرورة سفرها للخارج لبعض الشكوك التي تساورهم في الجراحة التي أجريت.. على الفور تم حجز طائرة طبية خاصة نقلت أميمة إلى لندن حيث أحد الأقسام المتخصصة في زرع الكبد.. وجاءت التحاليل والفحوصات والأشعات بمفاجأة من العيار الثقيل.. الطبيب الذي أجرى الجراحة في القاهرة أخطأ في نقل كبد مصاب من المتبرع وأن معالجة الخطأ مستحيلة.. ونصح الأطباء صلاح بإعادة أميمة للقاهرة بعد أن أصبحت أيامها معدودة.. عاد صلاح منهارا وحاملا معه تقارير المستشفى الإنجليزي بالخطأ الفادح الذي راحت ضحيته أميمة!.. أيام قليلة وفارقت الحياة وتلقى صلاح صدمة العمر.. كان يتمنى لو ضاعت ثروته وشهرته وبقيت أميمة.

ورغم أحزانه العميقة أقام دعوى ضد الطبيب العالمي الذي أجرى الجراحة لأميمة وتسبب في وفاتها، وكانت كل الأدلة التي قدمها للمحكمة تؤكد الخطأ الفادح الذي وقع فيه الطبيب الكبير بإهمال ولكن دون سوء نية، ووقف صلاح يروي لنا بصوت زلزل القاعة من هي الضحية بالنسبة له.. وراح يحكي قصته معها من الألف للياء وكم كانت خسارته فيها، وهي التي جاءت للوطن بقلب كبير يبحث عن الخير للبسطاء لتضيع حياتها بإهمال طبيب يستحق أن يتجرد من كل مؤهلاته العلمية،

 ورغم أننا حكما بإدانة الطبيب إلا أننا تعجبنا من إهمال الصحافة ووسائل الإعلام لتغطية هذه الدعوى، فقد ظنوا أنها مجرد قضية خطأ مهني، وقع فيه طبيب كبير ولو كانوا يعلمون بما سمعنا من تفاصيل إنسانية مثيرة لقصة امرأة نادرة الحدوث؛ لتسابقوا بالكاميرات والأقلام لينقلوا إلى الناس حكاية راقصة الكناريا وواحد من أكبر المحامين في مصر الآن، وربما يتساءل كثيرون ممن يرتادون مكتبه عن البرواز الأسود الكبير إلى يمين مقعده الوثير وبداخله صورة عبقرية لامرأة تبتسم وفي عينيها بقايا دموع؟ إنها صورة راقصة الكناريا التي صنعت مجد صاحب هذا المكتب.

Leave a Comment