من أجندة رئيس المحكمة يكتبها محمد رجب

امرأتان.. في جسد واحد!

امرأتان.. في جسد واحد!

شاهد المهندس سعد زوجته بالصدفة وهي تغادر عيادة الطبيب النفسي بمصر الجديدة..!

 تعمد ألا تراه بعد أن أصابته دهشة عارمة.. وحيرة كادت أن تعصف به في لحظات.. وسؤال عريض أمام عينيه: لماذا كانت هناء في هذه العيادة؟!..وهل هي المرة الأولى؟!.. أم أنها كثيرة التردد على هذا الطبيب؟!.. هل هي مريضة؟! ولماذا لم تخبره؟!.. أم أن بينها وبين هذا الطبيب علاقة ما.. وإذا كانت بينهما تلك العلاقة غير البريئة فكيف لم يكتشف أن في بيته زوجة خائنة وهو زير النساء السابق والحاصل على هذا اللقب بعد نزوات ومغامرات وشطحات جعلته خبيرا في دولة النساء واختراق حصونها وهدم قلاعها والاستمتاع بما شاء داخلها من مدن وموانئ!

عاد إلى بيته وقد أرهقته الاحتمالات والشكوك.. وصل قبل زوجته.. انتظرها بعد أن أنزلها من برواز الثقة وأدخلتها الصدفة دائرة الشبهات!.. بدأ يستخدم خبرته السابقة فور وصول زوجته.. كتم انفعالاته وتظاهر بالسعادة وهو يشاهد فيلما كوميديا على شاشة التلفزيون، يتعمد إطلاق ضحكات عالية وقلبه يتمزق.. يبدو مندمجا مع أحداث الفيلم رغم شروده وسرحانه وعدم تركيزه.. سألته هناء من داخل حجرتها وهي تخلع ملابسها:

• خير يا سعد.. مش عوايدك ترجع بدري؟!

•• الظاهر إن الواحد كبر في السن.. خلاص مابقاش ينفع شغل طول النهار.. وطول الليل.. حسيت بشوية تعب رحت للدكتور.. لكنه طمني.. ونصحني بأن أقلل من مجهودي.. قلت أرجع البيت زي ما أنت شايفة وأحترم كلام الدكتور؟!

أطلقت هناء ضحكة مدوية وهي تخرج من حجرتها.. لكن يبادرها سعد بسؤال مفاجئ:

• ما الذي دعاك إلى هذه الضحكة الصاخبة؟!

•• لأن معظم الأطباء يخرج مرضاهم من عندهم بمرض جديد هو الوهم.. أنا شخصيا أعتقد أن الحياة دون أطباء ستكون أكثر سعادة وتقلل من هذا المرض اللعين.. وهذا الوهم القاتل!

كل كلمة كانت هناء تنطق بها كانت تدخل معامل التحاليل في ذهن سعد الذي كان يتحاشى النظر إلى هناء وهي تتعمد إظهار جمالها حينما قامت بترتيب بعض الأشياء بجوار سعد.. مع هذا استطرد يسألها:

• وهل أنت لا تترددين على الأطباء.. أنت شخصيا؟!

•• حينما أذهب لطبيب لابد أن تكون أنت في صحبتي.. وأعتقد أنك تتذكر أنني ترددت على الأطباء مرات قليلة جدا وعلى مسافات متباعدة!

كاذبة.. والكذب عنوان من عناوين الخيانة.. هكذا همس سعد لنفسه وابتلع ريقه الجاف.. لقد كان في زيارة مفاجئة لصديقه جمال الذي يسكن في نفس الطابق حيث عيادة الطب النفسي وفي نفس  لحظة مغادرة شقة صديقه كانت هناء تدخل الى المصعد.. كذابة.. مليون كذابة !!.. اتهامات عريضة كانت تلعب بعقل سعد وهو يخفي وجهه عن هناء كي لا تلاحظ ثورة الغضب فوق ملامحه.. واتجهت هناء لإغلاق التلفزيون ثم أطفات الأنوار وأشعلت شموعا تضفي جوا من الرومانسية يسبق العاصفة!.. لكن هيهات.. تعمد سعد أن يظهر غبيا ومتعبا حتى لا تجره هناء إلى وجبة لم يعد مهيئا لتناولها في حجرتهما الخاصة!

قبل أن تنسحب هناء بهدوء وخجل طلب منها سعد كوبا من القهوة، لأنه سوف يسهر مع بعض الملفات الشائكة والمطلوب سرعة البت فيها صباح اليوم التالي.. نفذت له ما يريد بعد أن انطفأ بريق عينيها واختفت ابتسامتها وأشعلت الأنوار مرة أخرى.. لكنها قبل أن تدخل حجرتها فاجأها سعد بسؤال كالطلقة:

• ما قلتليش.. كنت فين الليلة؟!

•• لازم دلوقت..!!

• وإيه المانع؟!

•• مش عاوزة أشغلك وأشتت أفكارك وأنت راجع بتقول تعبان!

• كنت فين يا هناء!

•• عند الدكتور!

• دكتور إيه.. وليه ما قلتليش؟!

•• كنت هقولك بس في مناسبة تانية.. وعلى فكرة ده مش أول دكتور أروح عيادته من غير ما تعرف.. ده رابع دكتور!

.. انحدرت دموع هناء فجأة.. وتنفس سعد الصعداء.. أمسك يدها في حنو وجذبها الى جواره:

•• إيه الحكاية يا هناء..؟!

•• بقالي كام شهر بتردد على الأطباء النفسيين.. أنا من زمان بتمر بي لحظات أبقى عاوزة أرمي نفسي من العمارة أو أي مكان مرتفع.. ولما أعدي شارع وأشوف عربية  مسرعة أبقى عاوزه أرمي نفسي تحتها.. إحساس غريب لا يستغرق سوى لحظات سريعة وفي كل مرة أسيطر على نفسي.. لكن الحكاية زادت في الفترة الأخيرة وأختي نصحتني أعرض نفسي على طبيب أستاذ متخصص في الأمراض النفسية.. لكن ملقتش أي تقدم.. رحت لأستاذ تاني وثالث ورابع.. كل واحد له تشخيص مختلف.. ودواء مختلف.. ويا ريتني ما رحت لدكاترة.. الحالة زادت أكتر من الأول!

ألقت هناء برأسها فوق صدر سعد وانخرطت في بكاء متواصل وهي تهمس له:

•• أنا خايفة يا سعد..

• وليه ما قلتليش من الأول..

•• في حاجات الست متحبش جوزها يعرفها عنها.

• عموما.. أنا أعرف طبيب نفسي شاطر كان صاحبي من أيام الجامعة ولسه على علاقة ببعض.. مفيش داعي للخوف هكون معاكي دائما!

•• سعد.. أنا زهقت من الدكاترة.. الحكاية دي يمكن تكون وراثة.. علشان كده خايفة.. وعمتي سقطت من الدور التاسع.. قالوا انتحرت مع إن ماكنش فيه سبب واحد للانتحار وده السبب اللي خلى الناس يقولون إنها رمت نفسها.. موضوع كبير كان حديث الأسرة كلها من أيام طفولتي!

• أكيد المسألة نفسية وعملت عقدة وهيفيدنا فيها صديقي الدكتور أشرف!

تعمد سعد أن يضمها إلى صدره.. وعانقها بلطف وطبع قبلة حانية على جبينها!

 

مضت أسابيع.. شهور.. سنوات قليلة.. لم يتخل فيها سعد عن هناء.. اصطحبها لكبار الأطباء في مصر بعد أن فشل صديقه في علاجها.. سافرت معه أوروبا وفحصها أشهر الأطباء هناك.. لكن سعد كان يلاحظ أن الحالة تزداد سوءا.. أنقذها أكثر من مرة وهي تقدم على الانتحار.. شريط ذكرياته معها كان يؤكد أن هذه الأعراض كانت موجودة وبقوة من ليلة زفافهما، لكنها لم تلفت انتباهه.. العناية الإلهية كانت تنقذها.. لكن لن تسلم الجرة كل مرة!.. أخيرا سمع سعد عن مصحة نفسية في بيروت تحقق نتائج مبهرة.. لم يتردد في اصطحاب زوجته إلى هناك ليعرضها على الدكتورة صفاء التي اشتهرت بالعلاج النفسي والروحاني معا!.. قررت صفاء حجز الزوجة شهرا تحت الملاحظة داخل المصحة.. وترك سعد كل مسؤولياته في القاهرة مرافقا لهناء.. لكنها كانت الرحلة التي قصمت ظهر هناء.. تقدمت حالتها وتحسنت بوضوح.. وفي نفس الوقت كانت حالة أخرى تتقدم وتتحسن وتكبر وتنمو بين سعد وصفاء.. عاطفة ملتهبة دفعت سعد إلى التفكير في نقل عمله وحياته إلى بيروت.. وجعلت صفاء تفكر بنفس الطريقة دون أن تخبر سعد.. كانت تدرس بعناية فائقة نقل مصحتها إلى القاهرة والبقاء فيها لتكون إلى جوار سعد.. الفارس الذي كانت تحلم به ولم يأت إليها إلا مع زوجته!

الحسناء اللبنانية لحست عقل سعد.. والمهندس المصري أقسمت معه صفاء ألا رجال قبله أو بعده.. صفت أعمالها في بيروت ووافقت على اقتراحه.. استثمرت أموالها في شركته وعينها نائبا لرئيس مجلس الإدارة.. وما يفعله الحب بأصحاب الهوى أصاب سعد وصفاء.. اللبنانية تركت تخصصها من أجل عيون سعد.. والمصري نسي أن له زوجة فامتلأت حياته بصفاء!.. لكن صفاء كانت في غاية الحرص على أن  يظل زواجها من سعد سرا لا يصل أبدا إلى مريضتها التي كتب الله لها الشفاء على يديها!

بعد ثلاثة أعوام اكتشفت هناء أدق تفاصيل ما يدور خلف ظهرها!… فوجئت بأن زوجها صار مسلوب الإرادة أمام الحسناء اللبنانية ذات الجمال الهجومي والأنوثة الصاعقة!.. كل الذين رأوا هناء وصفاء عذروا سعدا.. لكن هناء لم تعذره؟.. أسرعت إلى المحكمة تطلب الطلاق والمتعة وكافة حقوقها القانونية.. ووقفت أمام القاضي تدافع عن قضيتها بنفسها:

•• سيدي القاضي.. أنا لا أطلب لنفسي حقا لا أستحقه.. لقد تزوجت هذا الرجل وكان معدما، فقيرا، لا يكفيه مرتبه خمسة أيام في الشهر.. أحببته وضحيت من أجله.. منحته كل ثروتي ليبدأ مشروعه الذي كان يحلم به منذ كان طالبا بكلية الهندسة.. كان هو ثروتي الحقيقية حتى كانت ليلة أخبرته بأني أتردد على الأطباء النفسيين.. لم أكن أعرف لماذا يتعمد الاحتفاظ بكل روشتات الأطباء وفحوصاتهم في خزينته الخاصة.. لم يخطر ببالي أنه سيقدمها ذات يوم للمحكمة يبرر بها زواجه الثاني.. إنكم في محراب العدالة تحاسبون الزوجة الخائنة، ألا ترون أن حبه للطبيبة التي كانت تعالجني وأنا في محنة المرض هو خيانة عظمى؟!.. ألم ترتكب هذه المرأة هي الأخرى أبشع أنواع الخيانة لمريضتها فتخطف منها زوجها؟!.. لقد منحني الله نعمة الشفاء من المرض النفسي الذي كنت فريسة فيه للأوهام، لكن الطبيبة المعالجة أصابتني بمرض أخطر ربما لا شفاء منه.. أليست هذه جريمة أخرى؟!.. الشركة التي أسستها للرجل الذي أحبه بمال أسرتي جاءت هي لتحتل منصب المسؤول الثاني فيها.. هل يمكن أن يكون لهذه المرأة ضمير؟!.. ثم لا شأن لي بها لولا أنها منحت زوجي تقريرا تؤكد فيه أنني عولجت في مصحتها من انفصام بالشخصية، وإنني كنت امرأتين داخل جسد واحد.. امرأة يعيش الانتحار داخلها.. وأخرى يعيش فيها حب الحياة؟.. أليس هذا إفشاء لأسرار المهنة؟!.. أما الرجل الذي يحتويها بين ذراعيه كل ليلة ويمطرها بعواطفه.. هل يمكن أن أتسامح معه عملا بنصيحة المحكمة.. إنني اليوم أشد شوقا للخلاص من الحياة على يد زوجي وضرتي التي زرعت حبها له فوق أشلائي وأنا تحت العلاج.. الشيء الوحيد الذي يعيدني للحياة هو إطلاق سراحي.. وكفى الزوجان شر المحاكم!

رغم ثقة سعد في أن المحكمة سوف تنصره وتعذره في زواجه الثاني لمرض زوجته النفسي، إلا أن المحكمة قضت برئاسة المستشار مصطفى حامد العراقي بتطليق هناء طلقة بائنة لأن القانون رتب وقوع ضرر على الزوجة الأولى بمجرد الزواج الثاني لزوجها!

استقبلت هناء الحكم بفرحة غامرة.. وارتبك سعد فانسحب بهدوء من قاعة المحكمة، ربما انشغل بالتفكير في قضايا أخرى رفعتها هناء ضده تتهمه فيها بالتزوير والتدليس فقد كانت تعرف كل نقاط ضعفه!

سألوا هناء عن مصدر سعادتها فهمست قائلة:

•• أشعر أنني أقرأ المستقبل من كتاب مفتوح.. وأرى أمامي سعد وصفاء يتلقيان عقاب السماء على تهمة الخيانة العظمى لمريضة وثقت في طبيبتها فسرقت منها زوجها!

 

 

صفحة جديدة 1

اخترنا لك