من أجندة رئيس المحكمة يكتبها محمد رجب

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

قضية

جبروت امرأة مهزومة!

تختلف المحاكم في أشكالها ومبانيها وقاعاتها.. وأماكنها.. لكن المؤكد أنها تتشابه في الملفات التي يفتحها القضاة ويحكمون فيها من فوق المنصة.. ففي القضايا الجنائية تشم رائحة الدماء والعنف وخيانة الأمانة.. وفي القضايا المدنية تجد أمامك التدليس وعيوب الإرادة والخداع.. لكن في قضايا الأحوال الشخصية يفتح الأزواج نافذة تكشف كل ما كان يدور داخل بيوتهم من وقائع وحكايات كانت بالأمس شديدة الخصوصية والحساسية.. وإذا كان الأجداد قد قالوها من مئات السنين وشددوا على أن البيوت أسرار فإن هذه القاعدة تنهار تماما مع كل خلاف يصل بالزوجين إلى المحاكم.. وإذا كان ما بين الزوج وزوجته كالقبر وأفعاله لا يطلع عليه أحد فإن الفرجة في المحاكم على الأزواج المتخاصمين مجانا.. والحب الذي كان فخرا لهما يصبح حربا.. والاحترام يتحول إلى ذكرى.. والسعادة تنقلب كابوسا.. والتسامح انتقاما!.. فإذا ركب أحد الزوجين رأسه أو كلاهما فإن المعركة العائلية تطول.. والرغبة في الانتصار تبيح المحظورات.. وتتساقط الأسرار كأوراق الخريف.. واللي ما يشتري يتفرج!

زواج مايسة!

مايسة حصلت على ليسانس الآداب.. وانتظرت خطاب التعيين من القوى العاملة.. لكن طال انتظارها.. لا وصل إليها خطاب التعيين ولا طرق بابها عريس يطلب يدها..!

 أمها لم يؤلمها أن ابنتها حبيسة المنزل بلا عمل، فالأسرة ميسورة الحال، لكنها كانت تتألم خوفا على ابنتها من العنوسة.. كثيرا ما كانت تشجع ابنتها الوحيدة على الخروج مع إحدى صديقاتها أو حضور حفلات الخطوبة والزفاف أو أية مناسبات أخرى لعل وعسى يراها عريس يعجب بها ويتقدم للزواج منها.. لكن مايسة كانت ترفض أن تعرض نفسها في فاترينة بحثا عن رجل يشتريها..!.. وفجأة انفرجت أزمة الأم وهبط على البيت عريس من حيث لا تدري الأسرة.. رجل لا يمكن أن ترفضه أي امرأة.. كان يكبر مايسة بتسع سنوات وهو فارق لا يعطل الزواج في كل الأوساط.. ثري للغاية.. يقيم منذ عودته من أوروبا في شقة من خمس حجرات بأرقى أحياء القاهرة.. ينتسب للأسرة من بعيد.. اعترف صراحة أمام الأسرة أن سيرة مايسة والملف الطاهر لسمعتها وأخلاقها كما سمع من القاصي والداني في العائلة هما اللذان دفعاه للزواج منها ملبيا كل ما سيسمعه من شروط.. وردت الأم بلا تردد بأنها لا شروط عندها سوى أن يكون أمينا على وحيدتها.. أعجبه الرد فالأخلاق التي أمامه من الأم وابنتها لا مثيل لها في أوروبا حيث عاش مع والده السفير السابق!.. ولم تجد مايسة عيبا واحدا في العريس اللقطة، فهو فوق ثرائه وسيم وفي غاية الأناقة والرقة والرشاقة وقوة البنيان فقد كان بطلا من أبطال الرياضة في جامعة لندن.

تزوجا في حفل كبير.. وأنجبا بنتا ملأت بيتهما بهجة.. ويبدو أن مايسة كانت بوابة السعادة لمجدي.. نجح مشروعه الاستثماري في صناعة مستحضرات التجميل ومراكز تسويقها بالمحافظات.. تفاءل بزوجته وطفلته فلم يدخر جهدا في توفير كل سبل الرفاهية لهما.. ومضى بهما قطار الزمن.. أحد عشر عاما في جنة الأرض.. كانت وحيدتهما “نهلة” قرة عين أبيها وأمها.. تفنن الزوجان في أن يوفرا لها تعليما خاصا وتربية مميزة وأسلوب حياة قد لا يتوافر لبنات كثيرات في مثل عمرها.. الشيء الوحيد الذي كان ينغص على مايسة حياتها هو انشغال زوجها بالمصنع والشركة وفروع التسويق على حساب بيته وحرمان زوجته وابنته منه معظم ساعات الليل والنهار.. واعتبرتها مايسة ضريبة السعادة.

 إلى هنا وبيت مايسة ومجدي لا يمكن اختراقه ولا معرفة ما يدور فيه بين الزوجين.. لكن ذات ليلة انفجر بركان تناثرت منه ألسنة اللهب في كل مكان.. وفوجئ الجميع بأن مجدي صار متهما بالاعتداء على صلاح مدير أعماله وكاتم أسراره.. وأحيل مجدي إلى الجنايات بتهمة الشروع في قتل صلاح بعد أن فوجئ به داخل بيته وتجالسه مايسة بقميص نوم من الحرير الشفاف!.. لكن كان السؤال الذي يختفي بين السطور هو لماذا شرع مجدي في قتل صلاح بينما لم يمس مايسة بسوء؟!.. أما السؤال الأهم فكان في دفاع صلاح عن نفسه وتقديمه لعقد زواج رسمي يجمع بينه وبين مايسة.. فكيف تكون مايسة زوجة لمجدي وصلاح في آن واحد؟!..

 انكشفت الإجابات حينما استدعت المحكمة مايسة عدة مرات ثم أمرت بضبطها وإحضارها لتسمع شهادتها فاضطرت للحضور أمام المحكمة ثم فجرت مفاجأة من العيار الثقيل.. قالت:

* مجدي لا هو زوجي ولا أنا زوجته!!.. هذه حقيقة عمرها ثلاث سنوات بالتمام والكمال.. لقد اكتشفت بعد زواج ست سنوات منحته فيها قلبي وعقلي وروحي وجسدي أنه كان متزوجا في أوروبا.. وأن زوجته الإنجليزية حضرت إلى مصر بعد أن استقر فيها واتسعت مشروعاته.. أخفى عني هذا السر الخطير فكان قراري الذي لا رجعة فيه هو الطلاق فأنا امرأة كاملة ولا يمكن أن أعيش مع نصف رجل!.. رفضت كل محاولاته وطردت مدير أعماله صلاح الذي وثق فيه مجدي ووسطه بيني وبينه!.. واعترف أن مجدي في النهاية رضخ لطلبي بشرط ألا نحطم ابنتنا الوحيدة بهذا الطلاق.. وأن يظل طلاقنا سرا لا يعلمه أي مخلوق على أن يكون لي كافة حقوق الزوجة المادية وأن نظهر أمام الناس كزوجين كيلا تنكسر ابنتنا أمام زميلاتها.. وافقت على هذا الأسلوب فأنا لا أقل حرصا على ابنتي منه.. وسمحت له بأن يحضر يوما في الأسبوع يقضيه مع نهلة!..

وبالفعل طلقني مجدي.. لكني ظللت عاما كاملا لا أنام إلا ودموعي فوق خدي.. كنت أتخيله مع زوجته الثانية. كنت أتخيله وهو يوقظها في الصباح بأنامله مع إشراقة كل نهار جديد.. كنت أراه بجواري على مائدة الطعام وأسمع صوته يناديني من حجرة المعيشة ثم اكتشف أنني أعيش سرابا.. كان بإمكاني أن أستعيده بمكالمة تليفونية واحدة، لكني كنت سأفقد احترامي لنفسي..! كنت أهرب يوم مجيئه لرؤية نهلة وتمثيل دور الزوج والأب حتى نتقن الدور على وحيدتنا وأظل بحجرتي معظم الوقت كيلا أضعف.. لكنني لم أكن أعرف ما يخبئه لي القدر وساعدت عليه دون وعي مني.. كان صلاح يسأل عني بين حين وآخر ويطلب مني ألا يعرف مجدي شيئا عن مكالماته.. لم أكن أعرف أن أخطر شيء على امرأة مهزومة أن تجد رجلا يحنو عليها ويعيد إليها ثقتها في نفسها.. لا أزعم أن صلاح كان يخون الرجل الذي وثق فيه.. لكنه كان يشفق على حالي فقد كان الوحيد الذي شاهد دموعي وانهياري حينما وسطه مجدي بيننا.. أعترف أنني الذي شجعته على أن يطور حديثه معي حتى صارحني بحبه.. ومرة أخرى شجعته على أن يصارحني برغبته في الزواج واشترطت عليه أن تظل الأوضاع كما هي دون تغيير لسببين.. أولهما حرصي على ابنتي التي لا تعلم بأني انفصلت عن والدها.. وحرصا عليه كيلا يفصله مجدي من عمله وينتقم منه.. تزوجنا دون أن نعلن هذا الزواج مثلما كان طلاقي من مجدي دون إعلان!.. كنت أذهب إليه في شقته أثناء وجود نهلة في مدرستها.. وكان يحضر لي في شقتي حينما تخرج نهلة في نزهة مع أبيها.. أعترف أن صلاح ملأ حياتي وكل الفراغ الذي خلفه مجدي.

لكن يوم الحادث كان غريبا أن يحضر مجدي دون أن يخبرني بحضوره كما تعودنا منذ طلاقي منه.. ظن أن صلاح عشيق لي ولم يخطر بباله أبدا أنه زوجي.. أمسك به وأشبعه ضربا بينما انزويت أنا في حجرتي دون أن يجرؤ مجدي على المساس بي فهو الوحيد الذي يعلم أنه طليقي وليست له أية حقوق عليّ!.. لا يمكنني أن أشهد بأن مجدي حاول أن يقتله.. كنت بعيدة داخل حجرتي.. كل ما شاهدته أنه ضربه ولكمه في وجهه ثم انصرفت.. وفي الساعات والأيام التالية عرفت أن صلاح في المستشفى وأن مجدي تم الإفراج عنه بكفالة كبيرة.. وكان هروبي من الشهادة أمام النيابة ثم المحكمة هو عدم رغبتي في كشف كل هذه الأسرار، خاصة وأن مجدي برر اعتداءه على صلاح بغيرته الشديدة على زوجته ولم يقل إنني طليقته.. خشيت أن أظهر على مسرح الأحداث حتى لا تتحطم ابنتي من هول ما سوف تسمعه وربما تنشره الصحف.. كان أهون عندي أن يردد الناس الحكاية على أنها زوج يغار على زوجته التي فوجئ بها تجلس في بيته بقميص نوم شفاف مع رجل غريب.. لكن إصرار المحكمة على استدعائي هو الذي فضح الحقيقة التي كانت غائبة عن الجميع.. أنا لم أرتكب عيبا أو حراما.. لكنني الآن في موقف لا أحسد عليه أمام ابنتي.. إن العدالة التي سوف تقتص لصلاح هي نفسها التي ستدمر ابنتي الوحيدة حينما تكتشف أن أباها كان غريبا على البيت ثلاث سنوات.. وأن مدير أعمال والدها كان زوجا لأمها.!

الجحيم والنعيم!

 

قالت مايسة أمامنا:

* .. حكيت لكم كل ما حدث مدعما بأوراق القضية الجنائية التي انتهت بالحكم على مجدى بالسجن ثلاث سنوات قبل أن أقيم أمامكم هذه الدعوى في محكمة الأحوال الشخصية.. الآن لا مطلب لي سوى الطلاق من زوجي الثاني.. لماذا؟!.. كان السر الرهيب بيني وبينه هو ألا تعلم ابنتي أبدا أنني وزوجي الأول قد انفصلنا، وبالتالي يظل زواجي الثاني في بئر عميق الأغوار لا يصل إليه أحد مطلقا.. ووافق صلاح إلى أن وقعت الواقعة.. وكنت حريصة ليلة الحادث وبعد اعتداء مجدي عليه أن أتصل به في المستشفى وأذكره بالعهد والوعد والسر وألا ينطق بحكاية زواجنا أبدا.. وأن يدعي في التحقيقات أنه كان يزورني طالبا مني أن أخدمه في أمر ما إلا أن مجدي أساء الظن به وبي فاعتدى عليه.. ورغم موافقته لي فوجئت به في التحقيقات يبوح بزواجنا ويقدم قسيمة الزواج الرسمية ثم يطلب شهادتي في النيابة ثم المحكمة باعتباري زوجته وأن مجدي لم تكن له أية حقوق عندي أو عنده حتى يضربه ويشرع في قتله!.. المفاجأة أذهلتني وأسقطته من عيني إلى الأبد، فقد اضطررت أن أشهد وأقسم بالله أن أقول الحق.. وتهاوت الأسوار العالية التي اختبأ فيها السر الرهيب.. وانفجرت دموع ابنتي الوحيدة وهي تسمع التفاصيل بل وترى والدها داخل القفص، وإذا أفاقت من صدمة أن أمها كانت مطلقة سوف تنفجر في وجهها صدمة أني متزوجة وأن زوجي الثاني كان سببا في سجن أبيها!.. نعم أنا شاركت في تدمير نفسية ابنتي.. لكن زوجي الثاني هو المسؤول الأول.. أراد أن ينتقم من طليقي فإذا به يدمرني أنا وابنتي.. لم أعد أطيق سماع اسمه أو رؤيته أو حتى الرد على مكالماته التي يطاردني بها.. أنا لم أحبه.. لكنه كان مجرد رجل يملأ فراغ رجل أحببته.. وخدعني!.. إذا لم تطلقوني منه فسوف أحيل حياته جحيما مثلما جعلت منها نعيما.. إن أمامي مهمة شاقة في إصلاح ما أصاب نفسية ابنتي من عطب ولا يمكن أن تستقيم حياتي مع ابنتي ومعنا هذا الرجل الذي تحول إلى جبال من الكراهية في نظري ونظر وحيدتي.

حاول صلاح تقديم كل الضمانات لمايسة.. وتوسل إليها وتسول تسامحها.. لكنها قالتها صريحة وحاسمة: أرجو من المحكمة أن تنقذ هذا الرجل من نفسه ومني لأنني مثلما أدخلته حياتي بإرادتي أستطيع أن أجعله يخرج منها جثة هامدة!

المحكمة أمام استحالة الحياة الزوجية بين الزوجين قضت بتطليقهما طلقة بائنة.. لكنني كرئيس للمحكمة التي أصدرت الحكم.. ولأنني بشر.. ظللت وقتا طويلا لا تبرح فيه خاطري أسرار البيت الذي كان سعيدا بمايسة وزوجها مجدي ووحيدتهما نهلة ثم استطاعت مايسة بجبروت امرأة مهزومة أن تحتفظ بطليقها وزوجها دون أن ترتكب كما قالت هي: عيبا أو حراما!

اخترنا لك