من أجندة رئيس المحكمة يكتبها محمد رجب

قضية

فضيحة على الهواء أول ضرتين تصف كل منهما الأخرى بأختى..!

عادت صاحبة المول التجاري الكبير إلى بيتها مبكرا لتشاهد برنامجا تلفزيونيا في الذكرى السنوية لرحيل زوجها نجم الكرة الراحل!

جلست أمام الشاشة الصغيرة وإلى جوارها ثمار الفاكهة التي تعشقها.. كانت تمني نفسها بسهرة ممتعة مثلما يحدث كل عام في مثل هذا الموعد.. سوف ترى لقطات نادرة لمباريات وأهداف لا يحتفظ بها أحد سوى أرشيف التليفزيون المصري.. سوف يتحدث أصدقاء له وزملاء الملعب ويتلقى المذيع مداخلات من الجماهير العاشقة للنجم الراحل ممن لحقوا به في الملاعب وشجعوه أو سمعوا عنه وأعجبوا بنجوميته!.. المؤكد أنها ستكون ليلة مثيرة للشجن والذكريات مثلما حدث في السنوات الماضية.. لكن ما إن بدأت الحلقة حتى انتبهت غادة على مفاجأة لم تتوقعها ولم تخطر لها على بال.

قال مقدم البرنامج في بدايته إن النجم الراحل الكبير كان أكثر ما يحرص عليه طوال عمره ألا يتسلل الإعلام بكافة صوره إلى حياته الخاصة.. ولهذا عاش النجم الكبير ورحل دون أن يعلم أحد ثمة خبر عن أسرته أو زوجته التي لم يرها مخلوق سوى المقربين من زوجها وبعض جيرانها!

وأضاف مقدم البرنامج مؤكدا أن الاحتفال بذكرى النجم الراحل هذا العام سيكون فيه مفاجأة، حيث ستظهر زوجته للمرة الأولى فوق الشاشة الصغيرة مع نجلها الناشئ النجم الواعد بطل الجمهورية في السباحة!

أسرعت غادة ترفع الصوت بالريموت كونترول ويدها ترتجف مع باقي جسدها.. كانت لحظة زلزلت السيدة غادة فاتسعت عيناها دهشة وتركزت حواسها دفعة واحدة فيما تسمع وترى.. لابد أن هناك جريمة نصب إن لم يكن خطأ أو التباسا.. لابد أن هناك سوء نية فلا يمكن أن تقدم سيدة نفسها على أنها زوجة النجم الراحل بحسن نية بينما لم تكن للنجم غير زوجة واحدة هي غادة التي عاشت معه أجمل سنوات عمرها وعمره وكانت تاجا فوق رأسه أو هكذا كان يصفها هو.

اللحظات تمر وكأنها الدهر كله!.. إعلانات فوق الشاشة لتشويق المشاهدين للانفراد الذي تحدث عنه مقدم البرنامج الرياضي.. هبت غادة من مكانها، لم تعد قادرة على الجلوس، ظلت واقفة والدماء تغلي في عروقها حتى ظهرت سيدة بسيطة ترتدي إيشارب يغطي شعرها وإلى جوارها ظهر مقدم البرنامج يرحب بها:

معنا السيدة كاميليا حرم النجم الراحل الكبير والتي لم تظهر قط في أي وسيلة إعلامية من قبل.. نشكرها مرتين.. الأولى لأنها رغم المبدأ الذي اتخذته طوال عمرها بالابتعاد عن الأضواء منحتنا هذا الانفراد.. والثانية لأنها قدمت لمصر بطلا صغيرا حصل على بطولة الجمهورية في السباحة وسوف يتأهل قريبا لتمثيل مصر عالميا.. أهلا مدام كاميليا!

فضيحة على الهواء ..!

اسودت الدنيا في عيني غادة.. يبدو كل شيء وكأنه واقع وحقيقة لا تقبل الجدل أو الشك!.. المفاجآت تتلاحق مع الكاميرا وهي تتحرك في اتجاه الناشئ والنجم الصاعد نجل النجم الراحل الكبير.. سبحان الخالق.. هذا الشبل من ذاك الأسد.. هكذا يقول مقدم البرنامج.. وغادة  تختنق فالشبه متطابق بين النجم الراحل وملامح الصبي الذي تدعي أمه أنها أنجبته من النجم الكبير!

ومن خلال أرقام الهواتف أسفل الشاشة أسرعت غادة بالاتصال بالبرنامج في مداخلة أشبه بالعاصفة.. وكانت فضيحة على الهواء حينما راحت غادة تصف ضيفة البرنامج بالكذب والنصب والادعاء والابتزاز وكل ما يدور حول هذه المعاني من أوصاف.. شعر المذيع برهبة وظهر كأن لسانه قد أصيب بالشلل.. والغريب أن ضيفة البرنامج لم تعلق.. ولم تنطق بكلمة واحدة.. والأعجب أن الضيفة راحت تمسح دموعها مما جعل المشاهدين يتشككون في موقفها!.. واضطر المذيع إلى إغلاق الخط والاعتذار للمشاهدين مع تقديم فاصل لإنقاذ الموقف!.. لحظات أخرى وصلت إلى نصف الساعة عادت بعدها الكاميرا إلى الاستديو ليقدم المذيع مفاجأته الأخيرة، مؤكدا أن السيدة ضيفة البرنامج قررت أن تنصرف مع نجلها مكتفية بأنها لن ترد على السباب الذي وجهته لها غادة لأنها لا تعرف فنون الردح.. وأن وثيقة زواجها من النجم الراحل تحت يدها وكذلك شهادة ميلاد طفلها الوحيد منه..!

نزلت تترات نهاية البرنامج وضرب الناس كفا بكف وهم في حيرة من أمر السيدتين.. واقترح المشاهدون في رسائلهم إلى رئيس التلفزيون استضافة زملاء نجم الكرة الراحل المقربين منه والذين يعرفونه عائليا ليتحدثوا للمشاهدين احتراما لعقولهم ليحددوا أي السيدتين هي زوجة النجم الراحل!

حلقة جديدة!

صدرت التعليمات وبدأ الإعداد لحلقة جديدة.. وبدأ مقدم البرنامج الحلقة هذه المرة مؤكدا أن السيدة غادة مع كل الاحترام لها تم توجيه الدعوة إليها لحضور هذه الحلقة بعد مكالمتها المثيرة في الحلقة الماضية. لكنها اعتذرت!.. وأن عددا آخر من زملاء النجم الراحل رفضوا التعليق عما حدث وطالبوا بألا يقحم الإعلام نفسه في الحياة الخاصة لزميلهم الذي ملأ ملاعب الكرة فنا ومجدا وشهرة وأمتع الجماهير، لكن زميله المدرب الحالي وافق على الظهور.. تنفس المشاهدون الصعداء.. وتكلم المدرب بثقة كاملة مؤكدا أن أحدا لم يعرف زوجة للنجم الراحل سوى السيدة غادة صاحبة المكالمة.. كما أن كل المقربين منه يدركون أنه عاش ومات دون أن ينجب.. ولم يستطع المدرب تفسير أو تبرير شهادة ميلاد الناشئ الصغير بطل مصر في السباحة.. وأضاف أن الأمر قد يكون تشابه في الأسماء تورطت إحدى السيدات في استغلاله.. وهنا سأله المذيع:

• والشبه الكبير بين النجم.. والصبي.. حتى أن الصغير ظهر كنسخة طبق الأصل من النجم الراحل؟!

ولم يعلق المدرب المعروف بأكثر من أن هناك لغزا لن تنكشف حقيقته إلا إذا لجأت السيدة غادة الزوجة التي يعرفها كل زملاء النجم إلى النيابة لتحسم العدالة الفزورة!

 

المواجهة!

 

كنت وقتها قاضيا بإحدى المحاكم  ..

وكانت السيدة غادة جارتي في نفس الشارع الذي أسكنه وكانت فيلتها مجاورة لعمارتي ورغم هذا لم أكن متابعا لكل هذه التفاصيل إلا من خلال زوجتي التي كانت صديقة حميمة للسيدة غادة.. وفوجئت ذات يوم بزوجتي قد دعت السيدة غادة لزيارتنا بحثا عن نصيحة قانونية أسديها إليها!

قلت للسيدة غادة بمنتهى الوضوح:

• أحذرك من الاندفاع والعصبية.. لو كانت السيدة المدعية صادقة مهما كان هذا الاحتمال ضئيلا فإنها سوف تجني كل الثمار وحدها.. يتعاطف معها الناس.. تكسب قضايا السب والقذف منك.. تحصل على البراءة فيما ادعيته عليها ثم تطالب برد اعتبارها والتعويض!

رأيت وجه السيدة غادة وقد اصفر وتبدلت واختلطت فوقه الألوان.. ويبدو أن رأيي قد صدمها فسألتني وأنفاسها تتلاحق عن الرأي القانوني الذي يجنبها كل الأخطار والعواقب.. وقلت لها بوضوح أكثر:

• تجلسين معها.. تتعرفين عليها أكثر.. تطلعين على أدلتها.. ربما تكتشفين حقائق غائبة عنك.. ثم يكون قرارك!

•• لا يمكنني أن أتنازل بدعوتها للقائي أبدا!

قلت لها:

  • دعي لي هذه المهمة.. سيكون لقاؤكما في بيتي!

وبالفعل.. تم اللقاء المثير.. السيدة كاميليا كانت في غاية التواضع والانكسار.. لم تعلق على نظرات الازدراء التي كانت غادة تمطرها بها.. فتحت كاميليا حقيبتها المتواضعة وأخرجت منها بعض الأوراق والصور والمستندات.. وطلبت مني أن أحكم بينهما بالعدل.. وكانت أول قضية تنعقد في بيتي!.. وبكل الثقة ومنتهى الانكسار قالت:

أبي كان عامل حجرة خلع الملابس في النادي الكبير وكان يحظى بحب جميع اللاعبين خاصة نجم مصر الكبير.. وكنت أنا وأمي نعيش في قرية في الجيزة تجمع بين الريف والحضر.. تعلمنا من أبي أن الفقر ليس عيبا وأن نعمة الستر كنز يفوق الثراء.. عشنا حياة متواضعة للغاية حتى فارق أبي الحياة دون أية مقدمات.. أغلقت أمي علينا باب شقتنا الصغيرة دون أن يشعر أحد بأننا أصبحنا بلا دخل.. تحملنا الجوع والمعاناة حتى فوجئنا ذات صباح بالنجم الكبير يزورنا ويعتذر بشدة عن تأخر زيارته لوجوده في معسكر الفريق القومي.. وأبلغ أمي أننا سنكون في رقبته ردا لجميل الرجل الطيب الذي كان يعامله كابن له.. ووعدنا بأن يسدد كل ديوننا وإيجار الشقة مع راتب شهري وكافة نفقات تعليمي حتى ألتحق بالجامعة.. وتوالت زياراته لنا وتحمل كافة نفقات علاج أمي التي هزمها المرض حزنا على رحيل أبي.. ثلاث سنوات كاملة كان هو عائلنا الوحيد من باب الوفاء لأبي.. لكن لحقت أمي بوالدي.. وتأثر هو كثيرا وكان عزاؤه الوحيد نجاحي في الثانوية العامة وإن لم أجد مكانا بالجامعة بحكم مجموعي إلا في جامعة الإسكندرية.. اشترى لي شقة هناك ورغم اعتراضي تكفل مرة أخرى بجميع التزاماتي حتى فوجئت به ذات يوم آخر يطلب يدي وأن نعيش في مكان بعيد عن العيون حتى لا يراه أحد وهو النجم المعروف أثناء زيارته لي.. رفضت عرضه عدة مرات وكان لديه إصرار عجيب على الارتباط بي ما لم يكن في حياتي إنسان آخر.. وحينما رأيت دموعه  وهو يصارحني بأمنية حياته في أن ينجب طفلا يحمل اسمه تغير موقفي تماما.. سألته عن زوجته فأقسم لي أنها أعظم زوجة في الكون. لكنه لا يريد أن يصارحها بما أثبتته التحاليل والإشعات الطبية وأن عدم الانجاب يرجع إليها.. وأضاف أنه لو كان زواجه سيكسر بخاطرها فلن يتزوج أبدا.. وأنه لن يطلب مني سوى تضحية واحدة بأن يظل زواجنا سرا مدى الحياة.. كيلا تنجرح زوجته!.. ولأني أحببته فعلا رضيت بالتضحية.. وعشت معه في الظل حتى بعد أن أنجبت له عمرو.. كان يزورنا سرا دون أن يعلم مخلوق عن زواجنا سوى الشاهدين من زملائه اللذين وقعا على قسيمة الزواج!.. أعترف أنني كنت سعيدة بحياتي هذه رغم أنني كنت أتمنى لو كانت حياتنا علنية، المقربون منه لا يعلمون زوجة له سوى السيدة غادة.. لكني لم أهتز حتى بعد اعتزاله واتجاهه للتجارة التي حقق منها ثروة كبيرة.. لكنه لم يتوقع وفاته بهذه السرعة.. كان يمكنني أن أظهر للناس وأطلب حق ابني من ثروة أبيه بإعلام الوراثة.. لكني حافظت على وعدي للراحل الحبيب.. لقد أطعته حيا وقررت ألا أعصاه ميتا.. وبقيت في السر كما أنا حتى كبر عمرو وحصل على بطولة الجمهورية في السباحة وأرغمني ابني على الظهور معه في التليفزيون.. هذه كل حكايتي.. وهذه وثيقة زواجي الرسمية.. وشهادة ميلاد ابني عمرو.. أنا لا أطلب ميراث ابني أبدا ولن أرد على إهانات السيدة غادة.. لكني أرجوها ألا تقسو علي!!

القسمة على ثلاثة!

بكت السيدتان.. ولم يطلبا مني أن أحكم بينهما مثلما كان شرطهما قبل اللقاء باعتباري رجل قانون.. بل فوجئت بالسيدة غادة تدعو كاميليا على العشاء في فيلتها وأن يحضر معها عمرو.. وبالطبع كانت الدعوة لي ولزوجتي أيضا!

المثير أن السيدة غادة قابلت عمرو بعناق طويل انتزع دموع زوجتي.. وطال اللقاء. وبين حين وآخر كانت غادة تنظر إلى عمرو  ثم تهمس لنا:

** زوجي لم يمت.. عاد إلى الحياة باسم عمرو..!

أقسمت غادة أن تعيش كاميليا وعمرو معها في الفيلا.. وسبحان مغير الأحوال.. كل من عرفهما في الحي الهادئ كان يظن أن غادة وكاميليا أختان، دون أن يعرف من فيهما هي أم عمرو!.. ومرت سنوات.. أبعدت الإصابة عمرو عن ممارسة الرياضة ومنحته السيدة غادة كل الصلاحيات لإدارة المول الكبير وقسمت الثروة على ثلاثة.. وإلى الآن يعيش الثلاثة في الفيلا المجاورة وقد أصبح عمرو هو رجل البيت ولا تقول غادة عن كامليا سوى أختى دون أن تنطق أبدا بلفظ ضرتي!

•••

كثيرا ما تقع عيناي على فيلا “البرنس” وهو الاسم الذي اشتهر به النجم الكبير قبل رحيله.. وكثيرا ما ينتابني إحساس بأن ما يتمناه المرء حال حياته قد لا يتحقق إلا بوفاته!

اخترنا لك