من أجندة رئيس المحكمة يكتبها محمد رجب

قضية

لماذا صدر حكم الإعدام على المتهم مرتين..؟!

هذه واحدة من القضايا التي يمكن أن يطلق عليها «قضية الشائعات الكبرى!».. والسبب هو بعض وسائل الإعلام إن لم يكن معظمها وقد سال لعابها فور وقوع حادث مثير شغل الرأي العام فترة طويلة..!

ومثل هذه القضايا التي يخوض الناس في تفاصيلها وينسجون الحكايات حول أبطالها تصبح من الصعوبة بمكان على دائرة القضاة التي ينظرونها ويترقبهم الجميع حتى يصدروا حكمهم فيها!.. ودائما ما يتغلب القاضي على هذه الصعوبة بالامتناع التام عن متابعة وسائل الإعلام وكل ما ينشر من تفاصيل حتى لا تتأثر بشرية القاضي بما ينشر.. أما بعض القضاة فيلجأون إلى وسيلة أخرى إذا زاد الأمر عن الحد وراح الرأي العام يدس أنفه في كل كبيرة وصغيرة في محاضر التحريات والتحقيقات وأقوال الشهود.. هنا يستخدم القاضي حقه في حظر النشر.. وهذا ما كان سيحدث في قضية الشائعات الكبرى لولا أن القضاة اكتفوا بالابتعاد عن وسائل الإعلام ومعايشة القضية من خلال الأوراق الرسمية فقط وما يدور في جلسات المحاكمة!..

عموما القضية بدأت بحادث مصرع فتاتين في واحد وفي أرقى أحياء مدينة الشيخ زايد بالسادس من أكتوبر.. وكانت إحدى الفتاتين ابنة لفنانة معروفة هي المطربة ليلى غفران.. ولأن القاتل لم يكن معروفا فترة من الوقت طالت القضية بعض الشيء كما طالت الشائعات العديد من الأسماء كان أبرزها نجل رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف!..

وكان بطل الشائعة الثانية شاب من أسرة ثرية بمصر الجديدة كان معروفا بأنه خطيب ابنة الفنانة ليلى غفران وفي التحقيقات يفجر مفاجأة من العيار الثقيل ويعترف بأنه كان زوج المجني عليها بعقد عرفي!.. ويبدو أن هذا الشاب كان سيئ الحظ حينما حاصرته الشبهات وكانت ليلى غفران تميل هي الأخرى لاتهامه بقتل ابنتها.. ربما لأن حكاية زواجه العرفي من ابنتها صغيرة السن تمت من خلف ظهرها!

لم تتوقف الشائعات عند هذا الحد وإنما أصابت أيضا المجني عليها هبة وصديقتها نادين حينما أكد البعض أن الفيلا التي كانتا تعيشان فيها كانت تشهد العديد من الليالي الصاخبة التي تجمع بين الشباب من الجنسين أصدقاء هبة ونادين من الجامعة التي تدرسان فيها أو من خارج الجامعة.. وقد راجت هذه الشائعة لعدة أسباب أهمها أن محضر المعاينة بعد الحادث أثبت وجود بقايا مخدرات وسجائر ملفوفة مما دفع الناس إلى تخيل ما كان يجري بين الشبان والفتيات في سهرات الليل التي لا تنتهي قبل أن يعلن الفجر عن وصوله بضوء وبشائر النهار الأولى!.. وهكذا تعرضت سمعة الفتاتين لسهام قاتلة فماتت كل منهما مرة أخرى لا تقل بشاعة عن حادث مصرعهما!… إلا أن الطب الشرعي يظهر في وقت لاحق ليمحق هذه الشائعة وينقذ الفتاتين من عار كان سيلحق بأسرتيهما بعد أن فارقت كل منهما الحياة بطعنات غادرة من قاتل ظلت شخصيته مجهولة ولغزا حير رجال المباحث فترة من الزمن انطلقت فيه شائعات اتهام نجل رئيس الوزراء في هذا الوقت وراجت شائعة أنه القاتل حتى لا تنكشف علاقته غير الشرعية بإحدى الفتاتين!!.. لكن بمرور الوقت تطل الحقائق رويدا رويدا وتتلاشى الشائعات ويظهر القاتل الحقيقي الذي كانت شخصيته هو الآخر مفاجأة للجميع حتى رجال الأمن!

آخر ليلة!

هنا حي الندى بمدينة الشيخ زايد.. سكان هذا الحي من الطبقة الراقية والثرية وهو حي أشبه بالقرية السياحية.. محاط بالأسوار والأشجار ولا يمكن دخوله إلا من خلال بوابة رجال الأمن حيث الحراسة المشددة!.. العمارات والفيلات تحف معمارية لا يفصل بينها سوى حدائق من الزهور وأحواض الفل والياسمين.. وإن كان سكان الحي لا يعرفون بعضهم بعضا فالكل يغلق على نفسه أبوابه مع غروب الشمس ولديه داخل مسكنه كل ما يحتاج إليه من ضروريات وكماليات. لكن هؤلاء جميعا أو معظمهم أو الذين كانوا بالقرب من فيلا هبة ونادين يعرفون هذه الفيلا جيدا بسبب الصخب الذي ينبعث منها ليلا والحفلات التي يصل ضجيجها إلى أسماع الجيران.. وفجأة أصبحت هذه الفيلا أشهر بقعة داخل حي الندى بعد أن يكتشف الجميع فجر أحد أيام ديسمبر عام 2008 أن الفتاتين هبة ونادين قد تعرضتا لحادث قتل على يد مجهول هرب بعد الحادث!

البلاغ أزعج رجال الأمن وسال معه لعاب وسائل الإعلام لمعرفة ما حدث في الساعات الأخيرة من حياة هبة العقاد ابنة الفنانة ليلى غفران وصديقتها نادين خالد جمال ومن الذي قتلهما ولماذا؟!.. على الفور تبدأ التحقيقات عقب محضر التحريات الذي أثبت وجود مخدرات داخل بقايا سجائر تم العثور عليها في مسرح الجريمة!.. وتتوالى المشاهد.. موظف الأمن الذي أبلغ بالحادث ويعمل ضمن حراس بوابة القرية قال إن شخصا حضر في الخامسة صباحا وطلب منه السماح بالدخول إلى فيلا الفتاتين، ولما سأله الحارس عن السبب أخبره أن إحدى الفتاتين اتصلت به هاتفيا واستغاثت به بعد أن أخبرته أن مجهولا طعنها هي وصديقتها بالسكين وهرب مما اضطره أن يقود سيارته بسرعة هائلة من مصر الجديدة للسادس من أكتوبر في ثلث ساعة فقط لإنقاذ الفتاة!.. وأضاف الحارس أنه اصطحب هذا الشخص واسمه عصام إلى الفيلا وتم العثور على جثة نادين بينما كانت هبة لازال قلبها ينبض فأسرع الشاب عصام بنقلها في سيارته إلى مستشفى دار الفؤاد وهو يبكي في هيستيريا حيث لفظت هناك آخر أنفاسها!!

عصام.. الحقني!!

التحقيقات أثبتت أيضا أن والد نادين ووالدتها يقيمان بإحدى الدول الخليجية حيث يعملان هناك واشتريا هذه الفيلا لتقيم فيها ابنتهما الوحيدة نادين بعد أن التحقت بإحدى جامعات مدينة السادس من أكتوبر.. وإن نادين كانت تدعو صديقتها هبة لتقيم معها وتؤنس وحدتها ويذاكران معا وإن كان لهما أصدقاء اعتادوا زيارتهم ليلا وإقامة الحفلات!.. لكن الشبهات اتجهت بقوة إلى عصام الذي ادعى أنه تلقى مكالمة من هبة شعر من خلالها أنها في حالة يرثى لها ولم تحدثه إلا بكلمتين «الحقني يا عصام».. وأضافت بصعوبة: «واحد قتلني أنا ونادين!».. وحينما سألته النيابة عن علاقته بهبة وما يشاع أنه خطيبها.. قال:

• لست خطيبها.. أنا تزوجتها عرفيا بعد أن رفضت والدتها زواجنا.. ولم يعرف أحد بزواجنا العرفي سوى صديقتها نادين.. وليس لي أي مصلحة في أن أقتل أعز الناس إلى قلبي!..

وبأمر النيابة يبقى الشاب الثري تحت التحفظ حتى تستكمل النيابة التحقيقات والتحريات للوصول إلى الحقيقة!.. ورغم عدم ارتياح الفنانة ليلى غفران للشاب عصام ومهاجمتها له إلا أن شائعة نجل رئيس الوزراء حينئذ تملأ الشارع المصري!

المفاجآت تتوالى!

كانت المباحث تمضي في خيط مهم وفي سرية تامة بعد أن ثبت من المعاينة أن القاتل سرق بعض المبالغ المالية وهاتفين محمولين إما لإيهام المباحث بأن الجريمة تمت بدافع السرقة وإما لأنه بالفعل لص محترف فلما انكشف أمره اضطر إلى قتل صاحبة الفيلا وصديقتها.. لهذا كان ترقب أجهزة المحمول المسروقة على قدر هائل من الأهمية.. وهذا ما حدث فعلا.. توصلت المباحث لمكان أحد الجهازين من خلال إدارة المساعدات الفنية..و تم القبض على حائز التليفون الذي اعترف بشرائه من شاب بروض الفرج باع له التليفون وجهاز آخر.. وأرشد المتهم عن شاب اسمه عيساوي يسكن بروض الفرج!

يتم القبض على عيساوي الذي اتضح أنه عامل طلاء كان يعمل داخل حي الندى بالفعل حتى أيام قليلة من وقوع الحادث.. يعترف الشاب بأنه تسلل للفيلا بغرض السرقة فقط بعد أن درس المكان جيدا قبل انتهاء مهمته في حي الندى وعاد ذات ليلة وتسلل من الأسوار ودخل الفيلا من نافذة المطبخ المفتوحة وبعد أن سرق ما طالته يداه من نقود وجهازي المحمول فوجئ بإحدى الفتاتين تستيقظ فأسرع بطعنها حتى خارت قواها إلا أنه فوجئ بصديقتها تخرج من حجرة النوم قبل أن يهرب وتحاول الامساك به فاضطر إلى طعنها وهرب بعد أن ظن أنها فارقت الحياة هي الأخرى!

قبل أن تهدأ القضية يفجر الطب الشرعي هو الآخر مفاجآته الجديدة بعد تشريح جثتي الفتاتين ويؤكد في تقريره خلو دم المجني عليهما من أية مخدرات وكأن القدر ينقذ سمعة هبة ونادين في اللحظات الأخيرة بعد أن تخيل الرأي العام أن ليالي الفيلا شهدت ما يمكن أن يحدث بين شبان وفتيات تحت تأثير المخدرات و يمضي بهم الليل تحت سقف واحد!!

العدالة تثأر!

المتهم عيساوي رغم اعترافاته في مسرح الجريمة أثناء معاينة النيابة إلا أنه عاد وأنكر صلته بالحادث أمام المحكمة.. لكن الأدلة الدامغة كانت تحاصره مما دفع المحكمة في النهاية للحكم بإعدامه.. إلا أن محاميه طعن بالنقض على الحكم وتم قبول الطعن ونظرت دائرة أخرى القضية ولم يتغير الموقف فأدلة الإدانة كانت أقوى من كل محاولات الدفاع فقضت المحكمة الثانية بتأييد حكم الإعدام!

وبعد ست سنوات كاملة من وقوع الحادث تم تنفيذ حكم الإعدام في المتهم الذي دخل غرفة عشماوي وهو يرتجف ويجر قدميه جرا وقد زاغ بصره وتلاحقت أنفاسه وبهتت ملامحه ليسدل الستار أخيرا على واحدة من القضايا التي طالت فيها الشائعات المجني عليهما.. وزوج إحداهما.. ونجل رئيس وزراء سابق!.. أسدل الستار على قضية أعطت المجتمع درسا في ألا تترك الأسرة أحد أفرادها يعيش وحده وبالطريقة التي تروق له وضرورة متابعة الأبناء والأهم من هذا كله.. أن السعادة لن يحققها الثراء ولا العيش في جنة فوق الأرض وأن الثمن قد يكون أحيانا.. فقدان أعز الناس!.. كما أن الشاب الذي تزوج عرفيا من خلف ظهر أسرته وأسرة زوجته كاد يذهب بقدميه إلى حبل المشنقة بعد أن ذاق مرارة الحبس الاحتياطي لأن بعض النزوات قد تحمل معها نهاية صاحبها.. فهل تعلم الجميع من هذا الدرس.. أم أننا سرعان ما نتحمس.. وسرعان ما ننسى؟!!.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك