Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!

الشيخ الدكتور محمد النجدي

الشيخ الدكتور محمد النجدي

كن ربانيا ولا تكن رمضانيا

علي الشويطر التقى الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي رئيس اللجنة العلمية بجمعية إحياء التراث الإسلامي فرع صباح الناصر ليحدثنا عن أهم ما يهم بالإضافة إلى استفسارات وأسئلة نطرحها على فضيلته فكونوا معنا.

* ها هي خاتمة رمضان، وأفضل لياليه قد قدمت فكيف نستقبلها؟

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص هذه العشر الأواخر بعدة أعمال؛ ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله”. وعند مسلم أيضا: “كان رسول الله يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها”. وفي الصحيحين: “أن النبي كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله”.

* هذه الأحاديث تدل على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم بأعمال معينة لنتناولها بشيء من التفصيل؟

1-  شد المئزر: المراد به اعتزال النساء، كما فسره سفيان الثوري وغيره. وقيل: الجد والاجتهاد.

2-  إحياء الليل: فإن هديه صلى الله عليه وسلم المستمر أنه كان يقوم وينام، وإذا كان رمضان كذلك، حتى إذا ما دخلت العشر الأواخر، أحيا الليل كله أو جله، فقد أخرج أصحاب السنن بإسناد صحيح: من حديث أبي ذر رضي الله عنه: “صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر، حتى بقي سبعٌ، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا، حتى ذهب شطر الليل. فقلت: يا رسول الله، لو نفلتنا قيام هذه الليلة، فقال: “إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة” قال: فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قال قلت: ما الفلاح؟ قال: السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر.

3- إيقاظ أهله: وما ذاك إلا حرصاً منه على أن ينالوا من خير هذه الليالي وفضلها، وشفقة ورحمة بهم حتى لا يفوتهم هذا الخير في هذه الليالي العشر.

4- الاعتكاف: وهو لزوم المسجد للعبادة وتفريغ القلب للتفكر والاعتبار.

الشيخ والعجوز

* رجل كبير بالسن لم يستطع الصيام فما حكمه؟

بالنسبة للشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذين لا يقدران على الصيام، فإنهما يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكيناً، فقد روى البخاري في فتح الباري عن عطاء أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: * وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةُ طَعَامُ مِسْكِين} قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، وهو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فليطعما مكان كل يوم مسكيناً فالعاجز عجزا لا يرجى زواله – بكبر سنه أو بمرض مزمن – الواجب عليه الإطعام عن كل يوم مسكيناً. والإطعام هو نصف صاع من الطعام أي ما يعادل 1,250 كيلوجرام من الأرز، وإذا طبخه وأطعمه الفقير كان أفضل، فقد ثبت أن أنس رضي الله عنه أنه ضعف قبل موته فأفطر، وأمر أهله أن يطعموا مكان كل يوم مسكيناً رواه الدار قطني. وهذا إذا لم يختلطا (يخرفا) أما إذا أصابهما الخرف، فلا شيء عليهما، لا صيام ولا إطعام، لسقوط التكليف عنهما.

* وما حكم الحامل والمرضع؟

الحامل والمرضع إن أفطرتا بسبب الحمل والإرضاع لا سيما في أيام الحر والعطش، فيجوز لهما الفطر مراعاة لحالهما، ويجب عليهما القضاء كالمريض، لقوله تعالى: * فَمَنْ كاَنَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر} .قال الإمام أبومحمد بن قدامة بعد ذكره الحكم السابق: لا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافا. (المغني). أما إذا أفطرتا خوفا على ولديهما فعليهما القضاء والإطعام، والقضاء من أجل الإفطار، والإطعام لأنهما أفطرتا وهما مطيقتان للصيام، وقد قال تعالى * وَعَلَى الَّذِينَ يُطيقونه فدية طعام مسكين} قال ابن عباس: “كانت رخصةً للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام، أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا” رواه أبوداود.

لا كفارة عليه

* وبالنسبة للذي فطر متعمدا؟

من تعمد الإفطار بغير عذر فهو آثم، ومرتكب لكبيرة من الكبائر، لانتهاكه حرمة الشهر العظيم. والواجب عليه التوبة إلى الله تعالى بالندم على ما فرط، والعزم على الصيام فيما بقي من الشهر. ولا كفارة عليه على الصحيح من أقوال أهل العلم، لأنه لم يأت نص في وجوب الكفارة على من تعمد الإفطار بالأكل والشرب، ولا يصح قياسه على المجامع في نهار رمضان، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يوجب الكفارة إلا على من وطئ امرأته عامدًا، فمن أوجب الكفارة على غيره فقد شرع ما لم يأذن به الله تعالى. وأما القضاء ففيه خلاف، والراجح أنه لا قضاء على من تعمد الفطر، وبه قال ابن مسعود – كما في البخاري  ولأن الله تعالى قال * فَمَنْ كاَنَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر} وليس هو من هؤلاء، ولا نص في وجوب القضاء عليه، بل هو كتارك الصلاة متعمداً. والله أعلم.

* هناك من يسأل عن القيء هل يفطر الصائم؟

قد روى أهل السنن: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من ذَرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض”. وهذا الحديث نص في المسألة: فمن ذرعه القيء، أي: خرج من غير اختيار منه، فلا شيء عليه، ومن استقاء عمدا فعليه القضاء، وهذا قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عامدا. وقليل القيء وكثيره سواء، ولا فرق بين كون القيء طعاما أو مرارا أو بلغما أو دما أو غيره، لأن الجميع داخل تحت عموم الحديث والمعنى. (المغني 4369).

* ماذا عن الذي يأخذ الإبر في النهار؟

الإبر نوعان؛ إبر مغذية: وهي إبر المغذي المسمى “بالجلوكوز”، يكتفي بها الإنسان عن الطعام والشراب، فهذه مفطرة، لأنها بمعنى الأكل والشرب، فلها حكمهما.

إبر دواء غير مغذية: كإبر المضاد والسكري وما شابهها فهذه غير مفطرة، سواء أخذها عن طريق العضل أو في الوريد، لأنها ليست أكلا ولا شراباً، ولا بمعنى الأكل والشرب، فلا يثبت لها حكمهما.

* ما حكم أخذ تحاليل الدم نهارا؟

أخذ عينة من الدم لا يفطر المريض، وليس هي في حكم الحجامة. وإن قيل: إنها في حكمها، فإنها تكره إذا كان المأخوذ من الدم كثيرا، لما روى البخاري (4174): عن ثابت البناني قال: سُئل أنس بن مالك رضي الله عنه: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف، وزاد شبابة حدثنا شعبة قال: على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم.

تأخير القضاء

* ماذا يصنع من أدركه رمضان وعليه قضاء من رمضان الماضي؟

من عليه صوم من رمضان فله تأخيره ما لم يدخل رمضان الثاني، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان. قال يحيى –وهو ابن سعيد الأنصاري أحد رواة الحديث: الشغل من النبي أو بالنبي صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري (4189) ومسلم (2802-803). ولا يجوز تأخير القضاء إلى حلول رمضان من غير عذر، لأن عائشة رضي الله عنها لم تكن تؤخره عن شعبان، ولو كان ذلك ممكنا لأخَّرتْه. ولأن الصوم عبادة متكررة، فلم يجز تأخيرها كالصلوات المفروضة. فإن أخره إلى رمضان آخر، فإن كان لعذر فليس عليه إلا القضاء، وإن كان أخَّر لغير عذر فعليه مع القضاء إطعام مسكين كل يوم.

قال ابن قدامة: وبهذا قال ابن عباس وابن عمر وأبوهريرة ومجاهد وسعيد بن جبير، ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق. (المغني) وهو مذهب أحمد أيضا والجمهور. ونقل الطحاوي عن يحيى بن أكثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة، لا أعلم لهم فيه مخالفا. (الفتح). وروى عبدالرزاق: عن عوف بن مالك سمعت عمر يقول: من صام يوما من غير رمضان وأطعم مسكينا، فإنهما يعدلان يوما من رمضان.

* ما الحكم فيمن يصوم ولا يصلي؟

هذا من العجيب الغريب؛ أن يصوم الإنسان المسلم ولا يصلي وكيف يقبل الله تعالى صيام من يتعمد ترك الصلاة المفروضة وهي أعظم من الصيام، بل هي أعظم العبادات مطلقا بعد الشهادتين. وقد قال صلى الله عليه وسلم: “من ترك صلاة العصر حبط عمله” رواه البخاري عن بريدة رضي الله عنه. ومعنى “حبط عمله”: أي بطل، هذا في صلاة واحدة، فكيف بمن ترك الصلوات الخمس؟! وقال عليه الصلاة والسلام: “بين الرجل وبين الشرك والكفر، ترك الصلاة” رواه مسلم. وهل يقبل الله تعالى من مشرك أو كافر عملا صالحا؟ قال تعالى: * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا} (طه:112). وقال سبحانه * فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِه وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} (الأنبياء:94) فيشترط الإسلام لجميع العبادات كما هو معلوم.

كن ربانيا

* بعض الناس تراه محافظا على الصلاة في رمضان، ويتركها بعده؟

يا عبدالله كن ربانيا ولا تكن رمضانيا؛ فإن الأعمال التي يتقرب بها العبد في شهر رمضان إلى الله، لا تنقطع بانقضائه، بل هي باقية ومطلوبة واجبة بعد انقضائه ما دام حيًّا، فإن عمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله. قيل لبشر الحافي: إن قوما يتعبدون ويجتهدون في رمضان فحسب؛ فقال: بئس القوم لا يعرفون لله حقا إلا في شهر رمضان، إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها، وقال الحسن رحمه الله: إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، ثم قرأ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر: 99). وقال تعالى * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} (النحل:92). فمن ترك الصلاة والعبادة بعد رمضان يكون قد نقض غزله، وهدم بنيانه؛ والصالحون من هذه الأمة يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك لقبوله، ويخافون من رده، وهؤلاء الذين قال الله فيهم * والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} المؤمنون: 60. أي: خائفة من رد الأعمال الصالحة وعدم قبولها. وقال السلف: من عمل طاعة من الطاعات وفرغ منها، فعلامة قبولها: أن يصلها بطاعة أخرى وعلامة ردها: أن يعقب تلك الطاعة بمعصية؛ فلنسأل الله تعالى جميعا الثبات على دينه، ونعوذ بالله من أن نرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله.

* هل يجوز إخراج زكاة الفطر أول الشهر؟ وهل يجوز إخراجها نقدًا؟

السنة المستحبة في زكاة الفطر أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، لما روى البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: “فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين وأمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة”. قال أهل العلم: أما وقت وجوبها: فغروب الشمس ليلة الفطر، لأنه وقت الفطر من رمضان؛ ويجوز أن تدفع قبل العيد بيوم أو يومين أو ثلاثة، لما روى مالك في الموطأ: عن نافع: أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي كان يجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة. وأخرجه الشافعي عنه واستحسنه، أي: التعجيل قبل الفطر.

أما مقدارها: فصاع من الطعام، من التمر أو شعير أو زبيب أو حنطة أو أرز أو أقط، أو من غالب قوت البلد والصاع أربعة أمداد، والمد ملءُ كفَّي الرجل وهو يعادل اليوم “كيلوجرامين ونصف تقريبا من الأرز أو أقل قليلا). وظاهر الأدلة على أنه لا يجوز إخراج البدل النقدي عن زكاة الفطر، وهذا قول أكثر العلماء، ولم يجز إخراج المال إلا أبوحنيفة رحمه الله تعالى، ولم يثبت ذلك عن أحدٍ من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، “وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم”. لا سيما أن إخراجها طعاما أمر متيسر لا حرج فيه والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

* ختاما ما النصيحة التي تود أن تقولها للقراء؟

شهر رمضان شهر مبارك، كما قال عليه الصلاة والسلام، أي كثير الخير والفضل، ففي هذا الشهر، وفي ليلة القدر منه بالخصوص، نزل أعظم الكتب وأشرفها، قال تعالى: * شَهْرُ رَمَضاَنَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وَبَيِّناَتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقاَنِ) (البقرة 185). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدارسه جبريل عليه السلام القرآن كل ليلة كما في الصحيحين.

وقال تعالى عن الليلة التي نزل فيها القرآن: * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} (القدر: 2)، وهي في العشر الأواخر من هذا الشهر. وقال صلى الله عليه وسلم عنها: “..وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم” رواه أحمد والنسائي بسند صحيح. أي من تشاغل عنها وحُرم العبادة فيها، فهو المحروم الحقيقي.

اخترنا لك