العلاقات الزوجية

العلاقات الزوجية – سليم وسيارته الجديدة

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

محمد رشيد العويد

فرح سليم بسيارته الجديدة التي اشتراها، فقد كانت من النوع الذي يحبه، كما أن اللون الذي يفضله كان متوفراً لدى الشركة، وما كان منه إلا أن أكمل إجراءات عملية الشراء، وأُخبر أنه يستطيع تسلم السيارة بعد ثلاثة أيام يتم خلالها تسجيلها باسمه لدى إدارة المرور.

صار سليم يحدث أهله عن السيارة، وجمال شكلها، وميزاتها، وهو فرح مسرور، يحلم بقيادتها والتمتع بها واصطحاب أهله فيها.

مضت الأيام الثلاثة، وذهب سليم لتسلُّم السيارة وأجرى ما يلزم لذلك، وقام العمال بغسلها له أمامه، فزاد بريقها ظهوراً.

ركب سليم سيارته أخيراً، وساقها متجهاً إلى بيته، وما إن انطلق بها خارج مرآب الشركة، حتى أصدرت صوت تنبيه، نظر إلى اللوحة الزجاجية أمامه فظهرت إشارة حزام الأمان، فعرف أنه لا بد من وضع الحزام حتى يتوقف الصوت، فوضعه على مضض حتى يتخلص من صوت التحذير الذي يصدره.

مضت أيام وسليم سعيد بسيارته الجديدة، مستمتعا بها، ولم يكن يزعجه منها سوى صوت التنبيه الذي لا يتوقف حتى يضع حزام الأمان.

كان سليم يحب الانطلاق، ويضيق بأي قيد يحد من حريته، ومن ثم فإنه ما كان يرتاح إلى حزام الأمان، ولا يريد وضعه، لكن صوت التنبيه الذي تصدره السيارة كان يوتر أعصابه فيضع الحزام مُكرهاً مُرغماً.

قرر سليم أن يتوقف عن وضع حزام الأمان الذي يراه وثاقاً يُشَدُّ عليه ويجثم فوق صدره، وكان لا بد من أن يوقف صدور صوت التنبيه المزعج الذي يضطره إلى وضع الحزام، فتوجه من أجل ذلك إلى الشركة التي اشترى سيارته منها لتقوم هي بذلك.

في مكتب مدير المرآب التابع لوكالة السيارات، أبدى سليم رغبته في إيقاف المنبه المزعج، الذي تصدره السيارة بعد انطلاقها بقليل.

سأله مدير المرآب: ولماذا تريد إيقافه؟

أجابه: لأنني لا أريد أن أضع حزام الأمان.

قال المديـر بلـطف: ولكن الحزام وضع ليحميك ويوفر لك الأمان كما هو وصفه  حزام الأمان ).

قال سليم: يا أخي بلا أمان بلا بطيخ، أنا أسوق منذ أكثر من عشرين سنة ولم أجده نفعني يوماً.

رد المدير بهدوء مع ابتسامة: لكنه قد ينفعك في مستقبل الأيام، مع تمنياتي لك بالسلامة.

قال سليم: يا أخي هذه حياتي وأنا حر فيها.

رد المدير بشيء من الحزم وقد غابت ابتسامته: نحن لا نملك تغيير صناعة المصنع، ثم إن إدارة المرور تلزم وضع الحزام، فإذا أحببت عدم وضعه وكان صوت التنبيه يضايقك فاذهب إلى أي كهربائي يغيره لك.

وهذا حال الرجل الذي يحلم بالزواج ويشتاق له، ويحلم بالسعادة في حياته مع زوجته، فإذا ما تزوج فوجئ بزوجته تطلب وتشتكي، وتلوم وتنتقد، فيسأم منها ويضيق بنقدها، ويريدها أن تترك هذا كله فلا تستجيب.

يهجرها، يحرمها، لا يكلمها، فترجع وتعده أن تكون له مثل ما يريد، ولكن ما إن تمضي أيام قليلة حتى تعود إلى طباعها ويعود لسانها إلى الشكوى واللوم.

لقد أرشدنا النبي إلى أن الحل هو في الرضا والصبر، ودعانا إلى التوقف عن محاولة التغيير لأنها لن تنجح فقال: “استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وكسره طلاقها، فاستوصوا بالنساء خيراً” متفق عليه.

وفي رواية أخرى يؤكد  أنها لن تستقيم لنا على طريقة “إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها” صحيح مسلم.

يقول النووي رحمه الله: في هذا الحديث ملاطفة النساء، والإحسان إليهن، والصبر على عوج أخلاقهن، واحتمال ضعف عقولهن، وكراهة طلاقهن بلا سبب، وأنه لا يطمع باستقامتها، والله أعلم.

ولو فهم الرجال هذا جيداً وعملوا بما أوصاهم به النبي  من رفق بالمرأة، وصبر على ما يصدر عنها من قول وفعل، لسلمت بيوت كثيرة واستقرت، وابتعد الطلاق عنها.

وهذا مزيد من البيان لما جاء في هذه الأحاديث النبوية التي أخرج مسلم في صحيحه ثلاثة منها وأخرج الرابع البخاري في صحيحه:

* دعوة صريحة واضحة من النبي لكل رجل ألا يحاول تغيير الطبيعة التي خلق الله سبحانه كل امرأة عليها.

ما هي هذه الطبيعة؟ إنها الطبيعة العاطفية التي تجعل المرأة سريعة الانفعال، مرهفة الإحساس، رقيقة المشاعر. فإذا حاول الرجل أن يغير هذه الطبيعة في المرأة لتكون له مثلما يريد لم ينجح، فإذا أصر على التغيير وقع الطلاق.

إن فهم هذه الطبيعة في المرأة، وإدراك أن تغييرها لا يمكن أن يتـم، يجعل الرجل صابراً على زوجته، محتملاً لها، حتى وإن ناله بسببها ما يناله من أفعال وكلمات تحزنه وتؤذيه.

* ويؤكد أنه سينال الرجل من لسان المرأة ما يناله قوله: “وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه” فقد قال ابن حجر: “فيه إشارة إلى أن أعوج ما في المرأة لسانها.. فليحتمل الرجل ما يصدر عن لسان المرأة من كلمات يؤذيه لفظها أو معناها أو لفظها ومعناها معاً”.

* ذاك التسليم بطبيعة المرأة، وهذا الصبر على ما يصدر عنها، يبعدان الطلاق والتفكير فيه والنطق به عن ذهن الرجل ولسانه، لقد قال: “فإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها” وفي رواية البخاري يعود الكسر إلى الضلع “فإن ذهبت تقيمه كسرته”. يقول ابن حجر: “قيل هو ضرب مثل للطلاق، أي إن أردت منها أن تترك اعوجاجها أفضى الأمر إلى فراقها” ووجدنا النووي يشير إلى “كراهة طلاقها بلا سبب”.

فليحرص كل زوج على استحضار هذا حين يضيق بزوجته، وينفر من عنادها ويسأم من شكواها، ويفكر في طلاقها، مستذكراً أن النساء كلهن هكذا، ولا يمكن تغييرهن، وليس له إلا الصبر على زوجته واحتساب ذلك عند الله.

* في الحديث الثاني الذي أخرجه مسلم قرأنا قوله r “لن تستقيم لك على طريقة” وتصلح هذه الكلمات لتُخَطَّ بحروف كبيرة على لوحة يعلقها الرجل في مكتبه، ويحفظها في قلبه، ويكثر من ترديدها على لسانه، ويستحضرها في عقله كلما وجد في زوجته ما لا يرضيه من طباعها وتصرفاتها وكلماتها.

وأذكر هنا شاباً اتصل بي يرجوني أن أصلح بينه وبين زوجته التي تركت بيتها إلى بيت أهلها بسبب ضربه لها، ولما سألته إن كان يضربها للمرة الأولى قال إنه يضربها كثيراً لأنها “لا تنعدل مهما أمرها وكرر عليها”. وعرفت منه أنها متدينة وذات خلق وأنها زوجة صالحة لكن طباعها لا تتغير! فابتسمت وقلت له: ولن تتغير؛ أما أخبرنا النبي  بأن المرأة لن تستقيم لنا على طريقة؟! فسألني متعجباً: هل قال هذا النبي ؟! قلت: نعم. وشرحت له ما ذكرته في الأسطر السابقة من كلام فقال: أعاهدك على ألا أضربها بعد اليوم.. قلت له: أتقسم على ذلك؟ قال: أقسم.. فاتصلت بزوجته وبشرتها بأن زوجها عاهدني على ألا يضربها بعد الآن وأقسم على ذلك.. فجاءت، ووفق الله إلى مصالحتهما. وعلى الرغم من مضي أشهر كثيرة على هذا فإن الزوجين لم يتصلا بي بعد ذلك ما يبشر بعدم تكرار ضرب الشاب لزوجته بعد ذلك

ينبغي علينا أن ننشر هذا الفهم للأحاديث النبوية الشريفة السابقة، وأن نوصي الرجال بالعمل بما تدعو إليه، فهذا ما أمرنا به النبي  في الحديث الرابع الذي أخرجه البخاري فقد بدئ بقوله عليه الصلاة والسلام “استوصوا بالنساء” يقول ابن حجر: معناه تـواصوا بهن، وقال الطيبي: أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن، أو اطلبوا الوصية من غيركم بهن؛ كمن يعود مريضاً فيستحب له أن يحثه على الوصية، والوصية بالنساء آكد لضعفهن واحتياجهن إلى من يقوم بأمرهن، وقيل معناه: “اقبلوا وصيتي فيهن واعملوا بها وارفقوا بهن وأحسنوا عشرتهن”|. فتح الباري – ج 6 حديث 3331.

Leave a Comment