من أجندة رئيس المحكمة

من أجندة رئيس المحكمة يكتبها: محمد رجب

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

kadeyahعيادة الأسنان..تحرم المطلقة من مسكن الحضانة!

كلاهما انفصل عن الآخر بالطلاق.. ومع هذا كانت هناك بقايا حب في نبرة صوت كل منهما.. حب قديم تفوح منه رائحة بيت الزوجية.. لكن كلاهما لم يصرح بهذا الحب أو بقاياه بعد أن صار كل منهما بحكم القانون والشرع غريبا عن الآخر!

.. ولأن القاضي يحكم وفقا لنصوص القانون والأوراق المطروحة أمامه فإنه يجد نفسه في أحيان كثيرة مضطرا الى نصرة طرف على آخر وهو يعلم بخبرته وحنكته أن الطرفين في أمس الحاجة الى بعضهما البعض؛ لولا وجود الطرف الثالث، وغالبا ما يكون الطرف الثالث في الخلافات العائلية هو حماة أحد الزوجين؟

عموما.. هذه القضية كانت نموذجا حيا وصارخا لقسوة الأشخاص من ناحية.. وقسوة القانون من ناحية أخرى.. نعم.. فالقانون مثل الإنسان يقسو.. ويرحم، وفقا للحالة التي يوجد فيها!.. وتعالوا إلى تفاصيل هذه الدعوى الغريبة التي تولى الدفاع فيها عن الزوج السابق السيدة والدته!

الزوج السابق طلب من المحكمة إخلاء مطلقته لمسكن الحضانة بقوة القانون رغم أنها لم تتزوج غيره بعد طلاقها، ولم تتهم بسوء السلوك أو ارتكاب أعمال منافية للآداب وهي أغلب الأسباب التي يحكم فيها القضاء بأن تترك المطلقة مسكن الحضانة ليسترده مطلقها!.. اعتمد الزوج على سبب آخر نادرا ما يثار أمام المحاكم وهذا هو سر غرابة هذه الدعوى.. خاصة أن المحامية التي حضرت الدعوى بتوكيل من الزوج كانت أمه المعروفة بصولاتها وجولاتها في القضايا الجنائية.. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تقف فيها أمام محاكم الأحوال الشخصية؟

أصل الحكاية!

زوجة الابن.. أو مطلقته بمعنى أدق.. طبيبة أسنان مازالت في ربيع العمر.. أم لثلاثة أبناء، أكبرهم بنت في الثالثة عشرة عاما من عمرها..  وأصغرهم ولد عمره أحد عشر عاما.. وأوسطهم ولد آخر عمره تسعة أعوام !.. ويبدو أن لباقة هذه الطبيبة وترتيب أفكارها كانا سببا في استجابة المحكمة لها فأذنت لها بالكلام بعد مرافعة محاميها.. قالت:

“.. سيدي القاضي.. لقد استمعت إلى محامية طليقي التي هي في نفس الوقت تناصبني العداء.. وتستخدم نصوص القانون على طريقة الأسلحة الثقيلة التي تهاجم بها دولة عظمى قرية صغيرة آمنة لم تدخل حروبا من قبل.. ولا تملك من ترسانة الأسلحة سوى سلاح الحق والضمير.. إن معلوماتي عن القانون هو أنه مجموعة من النصوص التي تتفق مع المنطق والعقل والضمير الإنساني.. ولهذا فإن كثيرا من القضاة يلجأون إلى روح القانون إذا أساء البعض استخدام نصوصه؟.. ولهذا – أيضا – أطالبكم بالاستماع لي مع تنحية ما أثاره دفاعي من مواد قانونية، وما أثاره دفاع طليقي من نفس المواد، فربما تجد المحكمة في مأساتي كزوجة سابقة وأم حالية ما يستدعي تطبيق روح القانون.. خاصة وأن السبب الذي تريد من خلاله محامية طليقي طردي من مسكن الحضانة هو أنني أنشأت عيادة لطب الأسنان في مسكن الحضانة، وبهذا خرجت عن الغرض الذي كان من أجله هذا المسكن خاصا بالحضانة!

سيدي القاضي.. لقد تزوجت مصطفى بكامل إرادتي العقلية وكل طاقتي العاطفية.. أحببته.. ولم يتغير هذا الحب قيد أنمله حتى بعد أن طلقني بأمر مباشر من السيدة والدته.. كنت أعرف من البداية أن أمه نجحت في تدريبه على السمع والطاعة دون أن تقطع الحبل السري بينه وبينها.. ربطته به حتى بعد أن صار شابا متفوقا في كلية التجارة ثم رجلا متزوجا، وأبا لثلاثة أبناء، وكنت أحترم هذا العيب فيه لأنه صار جزءا لا يتجزأ من شخصيته.. ولأنني تزوجته وأنا على علم به.. ولأنني كنت أعزي نفسي كثيرا وأبرر هذا العيب بأنه من أشكال طاعة الوالدين وكسب رضائهما.. لكن يبدو أن حساباتي كانت خاطئة يوم ظننت أن مصطفى حينما يصبح زوجا وأبا سوف يحكم بالعدل بين أسرته الصغيرة وأمه.. هكذا وعدني يوم طلب يدي من أسرتي.. كان صديقا لأخي.. لكنه كان يعيش وحيدا في شقته الفسيحة بعد أن تزوجت أمه المحامية من أحد رجال الأعمال  الأثرياء وهي في الخمسين عاما من عمرها.. كان مصطفى وقتها طالبا بالسنة الأولى بكلية التجارة.. وخطبني حينما وصل إلى البكالوريوس.. لم تكن عنده أية مشاكل مالية فأمه تغدق عليه بالمال بلا حساب.. وكان يبكي أمامي كلما تذكر أيام تركته أمه لتذهب إلى بيت عريسها.. صارحني أنه سمع بأذنيه عرض أمه على عريسها أن يعيشا معا في بيتها.. لكن هذا العريس رفض بحجة أنه لن يستمتع بزواجه منها في بيت يعيش فيه ابنها الشاب؟..

.. ومع هذا كنت أحترم مصطفى لأنه لم يفقد حبه لأمه وظل على بره بها مما جعلني أطمئن إلى حياتي معه.. تزوجنا وعشت معه أجمل سنوات عمري.. أنجبنا ثلاثة أبناء جعلوا حياتنا جنة فوق الأرض.. لكن بعد سنوات حدث ما لم أتوقعه.. عادت أمه إلى بيت الزوجية الذي أعيش فيه بعد أن طلقها زوجها.. كانت حريصة على ألا أعرف سبب طلاقها وكأنني غريبة عنهم.. تختلي بابنها ويتبادلان الهمس حتى إذا شاهداني سكت الكلام؟..  ورغم أنني لم أعر هذا الأمر أدنى اهتمام، إلا أنها كانت تتصيد لي الأخطاء أو تخترعها.. وكنت أحتمل!.. أرادت أن تزرع الشك في قلب زوجي فإذا تحدثت في الهاتف سمعتها تهمس له وهي تدفعه نحوي:

• اجري.. شفها بتكلم مين؟!

كان زوجي يطلب مني الصبر.. وصبرت!.. وكانت تتعمد الإساءة إلى أسرتي الفقيرة أمام أبنائي وتفاخر بأسرتها الثرية.. وكنت أتحامل على نفسي!.. وأخيرا وقعت الواقعة.. لفقت لي تهمة ظالمة وأقنعت وحيدها أنني أخبرت جيراني وزوجة البواب بسبب طلاقها، رغم أنني لا أعلم هذا السبب حتى الآن.. ثار زوجي وهاج وماج حتى ضربني بعنف وسالت مني الدماء.. تركت البيت الذي هدمت حماتي سعادته إلى بيت أسرتي.. أقمت دعوى تطليق وشهد الجيران بأنني لم أذكر حماتي أمامهم إلا بكل خير.. وقدمت للمحكمة تقريرا طبيا بإصاباتي وشهادة رسمية بأنني تنازلت عن حكم الحبس الصادر ضد زوجي من أجل أبنائي؟.. حصلت على حكم بالطلاق وبأحقيتي في مسكن الزوجية باعتباري أما حاضنة.. عدت بأبنائي الثلاثة إلى بيتي.. اختلطت مشاعري ولم أعد أعرف إن كنت سعيدة برحيل حماتي عن هذا البيت الذي هدمته.. أم حزينة على انفصال زوجي عن أسرته.. فما ذنب الأولاد ليحرموا من أبيهم؟!..

الضربات تتوالى!

تستطرد الزوجة قائلة:

.. رضيت بالهم، لكن يبدو أن الهم لم يرض بي، فبدلا من أن تتركني حماتي أربي أولادي شنت ضدي حربا قانونية.. ادعت أنني تزوجت عرفيا من شخص ما وبالتالي تسقط حضانتي ويسترد مطلقي مسكن الزوجية.. وقدمت للمحكمة شاهدين على هذا الزواج.. وكان الأمر يدعو للسخرية.. فالزوج المزعوم هو مدرس اللغة العربية الخصوصي الذي شهد الشاهدان برؤيتهما له يتردد على شقتي.. وتطوع سكان العمارة للشهادة لصالحي وبأن أولادهم يتجمعون في بيتي في الدروس الخصوصية بنظام المجموعة نظرا لضيق شققهم وأن الزوج المزعوم يقوم بالتدريس لأولادي وأولادهم.. وأقسم الرجل أمام المحكمة أنه لم ولن يفكر في الزواج على زوجته وقرر أنه سيقيم دعوى البلاغ الكاذب ضد مطلقي ويطالب بالتعويض.. واستدعت المحكمة شاهدي مطلقي مرة أخرى وحذرتهما من تهمة الشهادة الزور.. وأعادت سؤالهما فقررا أنهما شاهدا المدرس الخصوصي يتردد على الشقة دون أن يتيقنا من أنه زوج السيدة صاحبة الشقة.. وأنهما سمعا بحكاية الزواج العرفي من أشخاص لا يذكرونهم؟.. وخسرت حماتي القضية.. لكنها لم تيأس!!.. وظننت بيني وبين نفسي أن الأمر انتهى عن هذا الحد.. انشغلت بأولادي ولأن حياتي أصبحت صعبة ونفقة مطلقي لهم لا تكفي الطعام والشراب والملبس والتعليم قررت أن أعمل، خاصة وأنني طبيبة أسنان تركت من قبل وظيفتي بأحد المستشفيات العامة فور زواجي.. ولم يعد ممكنا العودة إليها بعد طلاقي فقررت تخصيص الجزء المواجه لباب الشقة كعيادة أسنان خاصة ويتكون من الريسبشن وحجرة سفرة هي التي حولتها إلى غرفة  للكشف.. وهذا التصرف هو موضوع هذه الدعوى.. عادت حماتي لرفع دعوى قضائية باسم طليقي الذي هو ابنها لطردي من مسكن الحضانة عملا بنص القانون الذي يلزم الحاضنة بعدم استخدام الحضانة لغير الغرض المخصص له!!.. يا سيدي القاضي.. لقد حصلت على ترخيص من نقابة الأطباء.. وموافقة من اتحاد الملاك فماذا تريد مني حماتي سوى الانتقام؟!.. إنني أضع مأساتي أمام عدالتكم.. لقد التزمت بالقانون وحرمت نفسي من الزواج وأنا في عز شبابي لأن رسالتي كأم صارت أكبر من حقوقي كأنثى.. لكن هل التزم بالقانون مرة أخرى ولا أغير في مسكن الحضانة لنموت أنا وأولادي جوعا؟

 

الحكم..!

 

كان علينا أن ننبه الحاضنة إلى خطورة الموقف لأن المحكمة لن تحكم بالعواطف وإنما بالقانون.. وقلنا لها إن الغرض من استقلال الحاضنة بمسكن الزوجية طبقا للقانون هو ضمان أن توفر لمحضونيها كل اهتمامها وأن تتعهد بصونهم، وهذا لا يستقيم مع استخدام مسكن الحضانة في غير الغرض المعد له،  فلا يجوز لها أن تؤجر جزءا منه مفروشا.. أو تدخل غرباء على الصغار.. أو استعمال جزء منه في غير أغراض السكني كأن تنشئ به مكتبا للمحاماة أو عيادة طبية.. ففي هذه الحالات يكون للمحكمة إنهاء حضانة الحاضنة لمنافاة واجبات رعايتها للصغار.

.. وأمرنا بتأجيل الدعوى شهرا.. وفي الجلسة التالية حدث ما توقعناه ومن أجله لفتنا نظر الزوجة إلى خطورة الموقف.. حضرت الزوجة وقدمت كل ما يثبت إعادة مسكن الحضانة إلى سابق ما كان عليه.. وإلغاء فكرة عيادة الأسنان ونقل كل ما يتعلق بها من المسكن.. بل ونزع اللافتة المعلقة في مدخل العمارة وتعلن عن وجود العيادة في الطابق الثالث!.. وحكمنا باستمرار الزوجة في مسكن الحضانة دون أن نكتب في أسباب الحكم أن نصوص القانون رقم 100 لسنة 1985 كانت مجافية للواقع في هذا الشأن وتحرم الأم الحاضنة من العمل الشريف لمجابهة غلاء المعيشة، خاصة وأن مسكن الحضانة مكون من أربع حجرات ولن يؤثر على المحضونين وإنما سيوفر لهم حياة كريمة.. وكان من الخطأ ألا نذكر في حيثيات الحكم توصية بأن يتنبه المشرع لهذا النص المجحف بالزوجة الحاضنة طالما لم تتعارض شروط استقلالية المسكن مع عمل الحاضنة وهي طبيبة تنشئ عيادة، ولا تنشئ مرقصا أو مصنعا أو متجرا؟

•••

سبب آخر جعلني لا أنسى هذه القضية، هو أن الدكتورة صفاء بعد الحكم في الدعوى تزوجت من محاميها الذي أنشأ لها عيادة أسنان بالطابق الذي يعلو مكتبه في ميدان طلعت حرب.. وانطلقت من هذه العيادة لتصبح واحدة من أشهر طبيبات الأسنان في القاهرة؟؟.. أما مسكن الحضانة فقد ضحت به لمطلقها وأمه لتعيش مع زوجها في شقة أصغر حجما.. ولكنها أوسع سعادة.. وحبا؟.. عرفت منها هذه التفاصيل حينما فوجئت وأنا أصطحب زوجتي  بأنها الطبيبة التي ترتاح إليها شريكة حياتي دون أن تعلم أنها وقفت أمامي يوما.. في المحكمة!

Leave a Comment