من أجندة رئيس المحكمة يكتبها محمد رجب

قضية

الموظف السابق يطلب نفقة من زوجة أبيه؟

هل أصابت عين الحسود بيت الأستاذ سلطان؟!

أسرة سعيدة لا ينقصها شيء من متع الحياة.. شقة شاسعة المساحة لا تخلو من جميع الضروريات والكماليات.. والتحف الثمينة أيضا!.. زوج  ثري عاش عاشقا لزوجته، بل ويصفها دائما بأنها جهاز تكييف آدمي مضبوط كل ساعات الليل والنهار على الجو الذي يرتاح إليه!.. وزوجة حانية لا ترى السعادة فيما وهبها الله من مال وثراء فحسب وإنما في حالة الاستقرار التي تعيشها تلك الأسرة الصغيرة.. هي وزوجها وابنها الوحيد لطيف.. لكن يبدو أن الابن الوحيد للزوجة لم يكن اسما على مسمى.. وإنما كان منذ التحق بالجامعة الابتلاء الوحيد لوالديه.. فلم يعد لطيفا هادئا خجولا كالبنت البكر كما كانت أمه تتباهى بأخلاقه واستقامته، وإنما صار عضوا دائما في شلة رفقاء السوء الذين تعرف عليهم وانخرط فيهم وتطبع بطبائعهم.. أدمن الهيرويين.. انغمس في النزوات والعلاقات  النسائية المشبوهة.. لا يعود إلى  بيته مع غروب الشمس كما كان يفعل من قبل وإنما يظل والده في إحدى النوافذ ووالدته في نافذة أخرى يترقبان وصوله حتى بزوغ الفجر؟

عشرون عاما من موجات السعادة المتلاحقة عاشها سلطان وزوجته السيدة بهيرة حتى انكسرت تلك الموجات على يد الابن الوحيد الذي كان قرة عين أبيه وأمه؟.. عرف الأبوان لأول مرة طعم القلق والتوتر والخوف من الغد مع كل خبر سيئ يصلهما عن سلوكيات ابنهما بعد أن عرف طريق الضلال؟.. أنقذه والده أكثر من مرة في أقسام الشرطة.. وأصرت والدته على علاجه في أكبر المصحات مهما كلفها الأمر.. وفيما يشبه المعجزة نجح الأبوان في مهمتهما وتم شفاء لطيف وأعيد تأهيله نفسيا واجتماعيا.. وعالجته أمه بنوع آخر من العلاج.. قررت أن تزوجه ربما شعر بالمسؤولية وحافظ على أسرته الجديدة وواصل حياته كزوج وأب وعضو صالح بالمجتمع!

لم تجبره أمه على الزواج من العروس التي رشحتها له.. وترك له أبوه حرية الاختيار.. وبالفعل أشار لطيف على جارته الطالبة بالسنة النهائية بالجامعة الأميركية.. ورحبت به أسرة الفتاة بعد أن وافق سلطان وزوجته على كل شروط أسرة ماهيتاب.. وعاد إلى البيت السعيد استقراره واعتقد الأبوان أن سحابة الصيف السوداء انقشعت إلى غير رجعة، فالبيت لم يعد مكونا من ثلاثة أفراد بعد أن انضمت ماهيتاب للحياة مع الأسرة.. وضجت الأسرة بالفرحة حينما عادت زوجة الابن من عيادة الطبيب لتزف خبر حملها.. ها هو عضو جديد ينضم للأسرة وهو على مسافة شهور قليلة من الخروج إلى الحياة.. لكن يبدو أن الفرحة التي انتابت سلطان وزوجته كانت تدخل بيتهما وهي تقدم ساقا وتؤخر الثانية؟

 

•••

قبل أن يتم الحفيد عامه الأول اختلت ماهيتاب بوالد لطيف ووالدته وصارحتهما بأنها لم تعد تحتمل الحياة مع ابنهما.. وأضافت أنها  ظلت تكتم سر زوجها بينها وبين نفسها في محاولة لإصلاحه قبل أن تذيع ما تعرفه عنه.. وبكت وهي تستطرد مؤكدة أنها ضبطت زوجها يشم الهيرويين.. وأنها تابعته دون أن تخبر أسرتها فاكتشفت أنه على علاقة ببعض الساقطات؟.. ومن الأسماء التي ذكرتها ماهيتاب تأكد الأبوان أن وحيدهما عاد إلى رفقاء السوء مرة أخرى!

تقبلت زوجة الابن نصائح حماتها وحماها شهرا بعد شهر حتى فاض بها الكيل وحزمت حقائبها وحملت رضيعها وعادت إلى بيت أسرتها!.. حاول الأبوان من جديد مع ابنهما العاق، لكنهما فوجئا به يتطاول عليهما لأول مرة ويغادر البيت بعد أن هشم كل ما طالته يداه!.. سقطت الأم مريضة وعرفت الدموع طريقها إلى عين الأب الذي كان قد بذل جهدا خارقا ليلحق ابنه بوظيفة حكومية تؤمن له مستقبله.. لكن انقطاع الابن عن عمله تسبب في فصله نهائيا من وظيفته!.. وليت الأمر انتهى عند هذا الحد.. فوجئ الأب بأن وحيده قد ألقي القبض عليه بعد أن ذهب لاسترجاع زوجته بالقوة فاعترضت أسرتها فقام بطعن أم زوجته حتى أرداها قتيلة.. وأمام المحكمة برر جريمته بأن حماته هي التي كانت تحرض زوجته ضده.. ثبتت التهمة ضده وكشف الفحص الطبي وتحليل دمه أنه مدمن للهيرويين والحشيش معا!.. وكانت صدمة العمر للأبوين  حينما صدر الحكم ضد ابنهما بالمؤبد.. وللمرة الثانية سقطت الأم عاجزة عن الحركة وأكد الكشف عليها أنها مصابة بالمرض الخبيث في مرحلة متقدمة!.. ضاع الابن وها هي الزوجة توشك أن تضيع هي الأخرى.. صاعقة تلو الأخرى تنزل فوق رأس سلطان..  واضطر الرجل إلى البحث عن شغالة تقوم بأعباء المنزل الذي تحول إلى خرابة.. وبصعوبة بالغة انتقى سيدة رقيقة الحال، هادئة الطباع وافقت على القيام بأعباء المنزل وتمريض الزوجة من الثامنة صباحا وحتى السادسة مساء لتعود إلى بيت أسرتها في أحد الأحياء الشعبية!

.. ويبدو أن نجاة نجحت في مهمتها بامتياز.. تعاطفت مع الأبوين حتى صارت كواحدة من الأسرة.. لكن يبدو  – أيضا – أن السيدة بهيرة لم تحتمل الحياة وهي تتخيل كل صباح ومساء أن وحيدها خلف أسوار السجن يقضي عقوبة المؤبد.. ماتت الأم وانخرط الزوج في بكاء طويل بعد أن دفن شريكة عمره بيديه وتركها تحت التراب!.. وظلت نجاة تحاول أن تخفف عن السيد سلطان آخر الصدمات التي كادت تعصف به هو الآخر.. وذات يوم تلاحقت المفاجآت من جديد داخل بيت سلطان.. عادت زوجة ابنه ومعها طفلها الصغير “أمير”.. أخبرت الأب أنها تزوجت وأن زوجها يرفض الحياة معها وفي البيت طفل  من رجل آخر يذكرها به!!.. عاب عليها الأب هذه القسوة وتخليها عن ضناها.. لكن ماهيتاب أصرت على موقفها.. وأمام تردد السيد سلطان تدخلت نجاة ووافقت على أن يتسلم سلطان حفيده بعد أن تكتب ماهيتاب إقرارا بأنها تخلت عن ابنها بإرادتها ليكون في حضانة جده؟

 

•••

ويبدو أن القدر كان رحيما بالسيد سلطان.. ربما تحجر قلب ماهيتاب ليعطي القدر فرصة أخرى لسلطان للحياة على أمل جديد.. لقد عاد ابنه إلى البيت في صورة الحفيد الصغير.. وسبحان علام الغيوب؟

لم يكن الحفيد وحده وإنما عاد للبيت هدوؤه القديم.. ضبطت نجاة الإيقاع وتفننت في إدارة المنزل بشكل أذهل الأب.. عادت الحياة إلى حجرته.. نفس الزهور التي كانت تزين بها بهيرة الحجرة حرصت نجاة على أن تظل كما هي.. قهوة الصباح وشاي المساء ونكهة الطعام الذي يحبه سلطان.. كأن شيئا لم يحدث.. واعتبرت نجاة التي كان عدم إنجابها سببا في طلاقها أن أمير هو ابنها الذي منحته لها السماء فكان الصغير في عينيها منذ أن يستيقظ وحتى ينام في المساء.. وعجز سلطان عن شكر نجاة.. لم تعد الشابة الفقيرة مجرد شغالة.. ملأت على سلطان حياته يوما بعد يوم.. حرصت على ألا يسرح في الماضي لحظة واحدة.. اخترعت الأحاديث التي يسري بها عن نفسه.. حكى لها قصة حياته وكيف استقال من عمله بوزارة التربية والتعليم ليتفرغ لإدارة الأراضي الزراعية والحدائق الغناء التي يمتلكها من أجل توفير السعادة لأسرته الصغيرة فإذا بوحيده يهدم المعبد فوق رؤوس الجميع؟.. وحكت له هى كيف كانت قد اتخذت قرارا بإنهاء عملها في هذا البيت في نفس اليوم الذي زارتهم فيه ماهيتاب ومعها صغيرها فتراجعت عن قرارها؟.. وفجأة.. ودون مقدمات طلب سلطان يدها فابتسمت لأول مرة منذ دخلت هذا البيت.. زار أهلها وعرض عليهم زواجه من نجاة.. رحبوا به.. وبالغوا في الترحيب بالرجل الذي سينتشل ابنتهم من الفقر وتؤنس هي وحدته!..

ودارت الأيام؟

الشغالة صارت سيدة القصر.. الحياة التي كانت بطعم العلقم صارت شهدا يتجرع منه السيد سلطان.. وكبر أمير وتفوق في دراسته وتميز بذكاء خارق.. وفاجأ سلطان زوجته الجديدة بنقل ثلاثة أرباع ممتلكاته إليها بعقد بيع مقبوض الثمن.. وكتب الربع الباقي لحفيده على أن تكون نجاة وصية عليه باعتبارها الأم التي لا يعرف حفيده أما سواها؟.. وكأن الرجل كان يشعر بقرب أجله.. فارق الحياة قبل أن يتم حفيده عامه الحادي عشر!

 

•••

الأيام تمضي كعادتها.. وكأنها فوق صاروخ لا يعرف التوقف!

الشغالة التي صارت سيدة القصر أصبحت – أيضا – مليونيرة بعد وفاة سلطان.. والتحق أمير بالجامعة في نفس الأسبوع الذي غادر فيه أبوه السجن.. عرف أمير لأول مرة أن السيد سلطان لم يكن أبوه.. ولا السيدة نجاة كانت أمه، لكنه تمسك بالواقع الذي عاشه، واحتضن السيدة نجاة وهي تخيره بين الحياة مع أبيه بعد الإفراج عنه أو البقاء معها.. وبكى الاثنان وكلاهما يعلن تمسكه بالآخر!

.. وفوجئت نجاة بوالد أمير يقيم دعوى قضائية يطالب فيها بعدة مطالب.. ووقف أمامنا يطعن في السيدة نجاة التي اتهمها بالسيطرة على أبيه ولهف ممتلكاته وسرقة عواطف ابنه لتحرمه منه.. وطالب بميراثه من الثروة الهائلة التي حصلت عليها نجاة بعقد صوري.. وعلى سبيل الاحتياط طالب بأن تدفع له نفقة شهرية بعد أن صار مشردا بلا عمل أو مأوى.. واسترداد ابنه للحياة معه!!

ورفضنا بالإجماع في محكمة مصر الجديدة كل طلبات الأب سيئ السمعة والذي رفض ابنه الحياة معه بإقرار رسمي أمام هيئة المحكمة.. كما أثبتنا أن العقود التي أبرمها السيد سلطان لم تكن صورية وإنما مكتملة الأركان من الناحية القانونية.. أما طلبه نفقة شهرية من زوجة أبيه فلم يكن بين نصوص القانون ما يلزم زوجة الأب بعد وفاته بالإنفاق على أبنائه!

أما السؤال الحائر.. والغريب.. والمثير.. والذي كان سببا في أن أتذكر هذه الدعوى فكان عن السيدة ماهيتاب التي لم تظهر في أوراق الدعوى منذ سلمت حفيدها لجده!!.. هل نست ابنها إلى هذا الحد؟!.. هل يمكن أن تكون أما تستحق هذا اللقب وقد ضحت بابنها؟!.. هل ظلمناها باعتبار أن هناك احتمالا بأن تكون قد فارقت الحياة قبل أن تسترد رشدها وتشعر بالخطيئة التي ارتكبتها في حق ابنها؟!.. أم أن زوجها الجديد هو الذي قطع كل ما يمكن أن يذكرها بزوجها الأول؟!..

.. الله وحده يعلم السر.. وأخفى؟!..

صفحة جديدة 1

اخترنا لك