رانيا برغوت: لا أرتدي الحجاب لكن إيماني كبير

 عرفت الشهرة والنجاح كما عرفت الحزن والمأسي. حصلت على لقب أفضل إعلامية في الوطن العربي وبقيت كما هي لا تتغير، ولم تعصف بها رياح التغيير. رانيا برغوت نوع آخر من قادة الرأي الذين يزرعون ويبقون على جوهرهم. سيدة “كلام نواعم” وحجر الأساس في MBC ماذا تحكي عن الخصام.. عن الشهرة.. عن الصداقات.. عن الحزن.. عن الزواج والطلاق.. عن مشروعها لحضانة المواهب الشابة. تفتح قلبها وتاريخها وتقول..

  • 14 سنة في برنامج “كلام نواعم”.. ألم يشخ بعد هذا البرنامج؟ الأطفال تخرجوا من الجامعات وهو مازال حاضرا؟

الحكاية أن هذا البرنامج ناجح بمعيار محطة MBC ونجاح أي برنامج هو بنسبة الإعلانات وsponsors ونسبة المشاهدين .

  • لماذا على الأقل لم يتم تبديل الاسم؟

وماذا نسميه “كلام عواجز” (تقولها ضاحكة). هناك عجوزتان في البرنامج أنا ومنى، لكن مازال قلبنا شابا. والصبايا هن إلهام ونادية. نحن الأربعة نكمل بعضنا. معك حق صار الوقت حتى يتخرج هذا البرنامج لأن طال به الزمن. لكن الحلو في “كلام نواعم” أن فريق الإعداد يأتي دوما بأشياء جديدة وبقصص اجتماعية جديدة لا تنتهي أبدا. فهو أشبه بمجلة اجتماعية متجددة دوما.

  • ألا تشعرين أنك بحاجة لنفض الغبار عن كنبة طال الجلوس عليها؟

قمت بهذه النفضة في عام 2011 وقدمت برنامج “هذا أنا”، لكن كان فيه سفر كثير، وبعدت عن بناتي جدا ولم أقدر أن أكمل فيه لأني كنت أعيش في الطائرة لمدة سنة. علما أن البرنامج نجح جدا والإدارة طلبت مني أن أعود إلى “كلام نواعم”.

  • هل أنت رافعة “كلام نواعم”؟

لا أبدا لست أنا الرافعة، ولا يوجد أي أحد تطلق عليه هذه التسمية. كل واحدة منا لها ناسها وعالمها ومحبوها. الحلو أننا أربع سيدات كل سيدة لها جمهورها ومتابعوها وناسها الذين يفكرون مثلها.

زميلاتي في العمل

  • كيف تعرفين زميلاتك في “كلام نواعم”؟

منى هي المثقفة التي تبرم العالم، وعندها أعمال خيرية تقوم بها، وتحكي عنها في البرنامج حتى تحفز الناس والنساء في الوطن العربي حتى يقوموا بمثل هذه الأعمال، سواء في مجال الخير أو في الأعمال الخاصة.

نادية الفنانة التي تعيش ببساطة هي ووالدتها، وأسسا شركة غير ربحية تعنى بحضانة المواهب الشابة في الكويت وخارج الكويت، سواء في اليمن أو عدن ولبنان وفي عدة بلدان أخرى.

إلهام ملكة جمال مصر، إنسانة تحب الخير وتذهب إلى أقصى الأرض في العالم حتى تقدم خدمات إنسانية، ولديها عملها الخاص في مصر، ومتابعوها من لبنان ومصر. أما أنا فحجر أساس في MBC ولدي معجبون في العالم العربي.

  • هل لأنك حجر أساس تشعرين أنك محصنة جدا؟

أبدا ليس لدي هذا الشعور، لأن كل شركة قادرة أن تستغني عن موظفيها. ولا يوجد موظف محصن في الدنيا. أي غلطة تقوم بها أو تؤذي الشركة يستغنون عنك دون تردد. شركة MBC عمرها 25 سنة، وأي شخص يؤذيها يستغنون عنه وأنا معهم في هذا الاتجاه حتى ولو كنت أنا. من حقهم أن يستغنوا عنه. لكن في حال كان الموظف يؤذي نفسه وليس الشركة يمكن أن يقولون له انتبه لنفسك، ويعطونه تحذيرا لإعادة تصويب المسار. لا أحد يقبل أن تؤذى سمعة بناها خلال سنوات.

سن الأربعين

  • في مكان ما أنت تعيشين بهدوء وفي أماكن أخرى قمت بتغييرات في حياتك.. ما التغيير الأكبر الذي حدث لك؟

هناك تغيرات عدة حصلت لي لكن أهمها عندما عدت إلى لبنان في عام 2010، ويقولون إن سن الأربعين يجعل المرأة أو الرجل يعيد حساباته ويصل الإنسان إلى مفترق طرق، وينظر إلى حياته الماضية ويعيد تقييمها، ويرى ما هو الصح وما هو الخطأ. والإنسان الذي مثلي ينظر إلى ما قام به، وأنا عدت إلى لبنان ومعي بناتي وصار انفصالي عن زوجي الأول سنة 2010 فكانت سنة مفصلية في حياتي.

  • هل بناتك أحببن هذا التغيير وتقبلنه؟

أحببن لبنان جدا، لكنهن الآن بدأن يكرهنه، لكن يكفيني أني سمعت منهن ما حلمت أن أسمعه وهو عندما يقلن نحن لبنانيات علما بأنهن لسن لبنانيات ولا يحق لهن جواز السفر اللبناني، لأن أمهن لبنانية ولا يحق لها إعطاؤهن الجنسية.

  • هل تأسفين لأنك لا يحق لك إعطاء الجنسية إلى بناتك؟

أكيد وأنا من أصحاب الصوت المرفوع في هذا الصدد. وعملت وحدي لنيل هذا المطلب إلا أني لم أصل إلى أي شيء، وحاولت الوصول إلى الثغرات في القوانين ولكن حتى هذه الثغرات كانت تمنعني لأن القوانين جائرة في حق المرأة جدا. حتى نغير علينا أن نبدأ من الأساس، ونحن بحاجة إلى إعادة صياغة كل القوانين التي تخص المرأة والطفل. والمريب أن لبنان موقع على معاهدة السيد التي يحق فيها للمرأة ما يحق للرجل لكننا لا نعمل بموجبها.

 

زواجي الأول

  • أليست جرأة أن تتزوجي للمرة الثانية، فعادة يعد الشخص لعشرة قبل القدوم على ذلك؟

الزواج شيء محبب بالنسبة لي، وزواجي الأول لم يكن سيئا بل كان جيدا. وفيه ذكريات حلوة جدا، لكنني وزوجي السابق وصلنا إلى خلاف فكري أكثر منه خلاف على أي شيء آخر، وشعرت أني لم أعد قادرة على أن أعيش في لندن، وكنت أريد الرجوع إلى لبنان لذا قررنا الانفصال. زوجي السابق رجل عظيم جدا لمعلومات الجميع، وأب لا يوجد مثله، فهو كامل في أبوته. بحياتي لم أرَ أبا يعامل أولاده كما يفعل، وأنا لم أكره الزواج.

الشمس مشرقة

  • هل تجيدين غسل الإساءة؟

بحياتي لا أتذكر الإساءة، ودوما بالنسبة لي الشمس مشرقة في حياتي، وإن لم تكن مشرقة اليوم لا شك ستشرق غدا بالتأكيد.

  • أنت امرأة عرفت الأحزان والفراق والمأسي.. كيف تتعاملين مع النسيان؟

ما مررت به لم يكن سهلا، ويشيب شعر الرأس لشخص في العشرين، لكن أنا إيماني كبير وإن لم يكن هذا ظاهرا. وعندي علاقة قوية جدا مع ربي علما لا أرتدي الحجاب، لكن أقدامي على الأرض، وبحياتي لم أطر وأرتفع فوق الأرض، حتى وصلت إلى قناعة أن الأحزان حق. وكل إنسان عنده أحزانه، أنا لست الوحيدة التي تشرب من هذا الكأس، ولكن كيف يتعامل الإنسان مع هذه الأحزان هنا يكمن الذكاء.

  • كيف تتعاملين مع أحزانك؟

عندي سلام داخلي كبير جدا. أتعامل مع نفسي كأني إنسان آخر. أنظر إلى مشاكلي من الخارج، وأستطيع أن أفصل نفسي عن مشاكلي. وأنا أقوم بجلسات تأمل لتحقيق ذلك.

أمور مصيرية

  • هل أخذ القرارات بأمور مصيرية أمر سهل؟

أخذ القرار يقدر أن يخلصنا من الحزن. الوقت هو الذي يخرجنا من الحزن، وانشغالنا بالحياة ينسينا الحزن. النظر إلى عيون أولادنا ينسينا الحزن، لأنه ممنوع أن نضعف، وممنوع أن نخذلهم في يوم من الأيام. لأن الأم هي مثال وقدوة لأولادها، خاصة وأنا كنت وحدي معهم ووالدهم في بلد آخر. فإذا أنا وقعت من سينهض بهم؟! ومن سيأخذ بيدهم؟!

  • من أين أخذت القوة على النهوض والتشبث؟

من والدتي التي مرضت 10 سنوات بالسرطان، ولا يوم فارقتها الابتسامة. وفي كل يوم كانت تشكر ربها ولم تتأفف برغم المرض. وكانت دوما تقول: كل يوم بالنسبة لي هو يوم إضافي أعيشه. من أمي أخذت هذه القوة، فوجودها معنا كان نعمة خاصة وأنها رأتني أتزوج وأنجب. وذكراها تسكنني حتى هذه اللحظة علما هي متوفية منذ 17 سنة. كل شيء يتغير إلا القدر فهو مكتوب، وعلينا أن نتعامل معه بحكمة وصبر.

  • الحياة أخذت منك الكثير والد قتل أم مرضت وتوفت لكنها أعطتك بالمقابل الكثير من النجاح.. كيف لنا ألا نجعل الحياة تبدل شكلنا وقناعاتنا ومبادئنا؟

كنت أدرس في الجامعة مسرح، ودرست عن كاتب يحكي عن القناع. من يومها حلفت ألا ألبس القناع في حياتي. فأنا شفافة جدا أمام الناس.

وفي حياتي المهنية لم أقم بأشياء أندم عليها، أو وضعت نفسي بموقع مخل أو بصورة غير لائقة. لم تلاحقني أية فضيحة ولم أقل يوما كلاما معيبا أو نميمة صدرت عني. لم أؤذي إنسانا. كل يوم أنام على وسادتي وبالي مرتاح، حتى في جنوني هناك هدوء، حتى في عز نجاحي بقيت أقدامي على الأرض.

 

إنسانة جيدة

  • ماذا تحبين أن يقال عنك؟

أحب أن يقال عني: الله يرحمها عندما أرحل. وإني إنسانة جيدة. كلمات والدي لا تزال ترن في أذني، وهو يقول لي لا تفعلي بالظلمة ما لا تفعلينه بالعلن.

فتاة منكمشة

  • ألم تلاحقك الأذية في حياتك؟

بلى كان في حياتي أذية. وكنت أحزن جدا وأبكي جدا. في إحدى المرات وضعت على الفيس بوك صورة لفتاة منكمشة على نفسها، وكل الخناجر في ظهرها. كثيرون هم الذين طعنوني. وصارت بعد ذلك مصارحات ومصالحات ربما لم يفهموني فآذوني.

  • هل تجدين الأعذار لمن يقوم بالأذية أم تنتقمين؟

دوما أجد الأعذار للناس الذين خانوني. وهناك أكثر من شخص أساءوا لي بكلامهم، وأنا عندي الكلمة مؤذية وجارحة أكثر من أي شيء آخر، ولكني أسامح جدا. وأتصل بمن أقدم على ذلك لأقف عند سلبيته، والسبب الذي جعله يتصرف كذلك، ولماذا كان ضدي. وإذا لم أوفق أحاول الوصول إليه من عدة طرق لمعرفة موقفه السلبي مني.

  • أنت حاصلة على لقب أفضل إعلامية في الوطن العربي وأنت مغسولة بالضوء والشهرة وأنت إنسانة تعبة وحزينة.. أي وقع وأي صدى هو الأكثر حضورا في حياتك؟

أنا أعرف كل الفنانين ولكن ولا مرة أتصور معهم أو أظهر معهم للعلن، ولا مرة ظهرت في صورة أني سهرانة. أنا امرأة تحب بيتها وزوجها وأولادها وتلفزيونها وقهوتها. ولا أسهر إلا مع رفاق كانوا معي منذ أيام الجامعة، والآن كلنا تزوجنا وصار عندنا عائلات، ولم أقم بصداقات جديدة، عندي معارف فقط. أصدقائي عمرهم أكثر من 25 سنة وما زالوا معي.

  • لماذا هذا البعد هل تخافين الناس والعلاقات الجديدة؟

لأني أعرف أن الذين يتقربون من أي إعلامي يتقربون لمرحلة تكون هناك مصالح متبادلة.

  • إلى هذا الحد لعبة الضوء تحتاج حذرا؟

منذ اليوم الأول لدخولي العمل الإعلامي وأنا واعية للعبة الضوء. أنت تعرفينني منذ 17 سنة فهل شعرت أني تغيرت أو كبرت الخسة في رأسي؟! الاسم مهما كبر ليس له معنى إذا لم نعمل عليه لنحميه ونحافظ عليه. وماذا يعني أن أكون رانيا برغوت؟!

ترك بصمة

  • تعبت على اسمك من أجل ماذا؟

تعبت جدا ومع هذا لم أخلص من الكلام أحيانا. تعبت من أجل أن أترك بصمة. تماما مثل فوزية التي تركت بصمتها رحمها الله. أحب الناس أن تحبني لأني أحب كل الناس. أحب كل الناس أن تحب بعضها. أنا إنسانة من برج الجدي صحيح أني تيسة إلى درجة كبيرة ولكنني عاطفية إلى درجة أكبر.

  • ماذا يفعل بك رحيل شخص يجمعك به مشوار عمر وصحبة؟

فوزية تركت فراغا كبيرا في حياتي وفي حياة كل من أحبها. هي رحلت لكن الضوء ما زال موجودا بالرغم من هذا الرحيل.

انا وضعت فوزية في خانة أمي وأبي وأرجع إليها عندما أضعف. وكانت تساعدني على الوقوف مجددا. عندما رحلت فوزية قررت أن أكمل طريقي خوفا من أن أصاب بما أصابني بعد رحيل أبي وأمي، وكذلك عندما رحل سعود الدوسري فقد كان صديقا لي. ما زال طيفهم يرافقني إلا أني أضعهم في خانة وحدها حتى لا تؤثر على حياتي، وحتى يبقى لدي القوة أن أكمل ولا أنهار. ولا أدع رحيلهم يمسكني من هذه اليد التي توجعني بسبب هذا الرحيل.

  • هل هذه قسوة أم قوة؟

أعترف أني قوية. والحياة تعلمنا كيف نفصل بين أحزاننا وبين ما يجب علينا القيام به حتى نستمر.

  • هل الرجل أم الزوج ضمانتك؟

الرجل ليس ضمانتي أنا ضمانة نفسي. الزوج يقع في خانة الرفقة أو العشرة والحياة الحميمية التي أحتاج لها. وزوجي الحالي نبيل كان صديقي منذ أيام الجامعة، وكل أصحابنا مشتركون. يمكن القول هو رفيقي، نلعب معا نتشاجر ونتصالح.

محظوظة

  • فتحت مشروع R STARS الذي يرعى المواهب.. هل هو بيزنس أم طموح اجتماعي أم عمل خيري؟

هو من كل ذلك معا. في حياتي كلها كانت الأشياء تأتي إلي وأنا لم أسع لها. العمل أتى إلي، الشهرة أتت إلي. كان لدي حظ، ودعوات أهلي ترافقني فكنت محظوظة.

  • كيف نضجت فكرة افتتاح مركز لرعاية المواهب؟

عندما أتيت عام 2010 إلى لبنان وجدت الشباب اللبناني في عيونه دمعة وغصة، فهم يتخرجون ولا يجدون عملا، ومنتهى طموحهم أخذ فيزا للهجرة. وكنت أرى بأم عيني كيف البلد تفرغ من شبابها. قلت غدا سيكبر أولادي ويهاجرون أيضا وسأصبح وحدي. في حينها لم يكن لدي المال لفتح هذا المركز فقررت أن أجمع وأدخر مالي حتى صار لدي مبلغ في عام 2013 وقلت سأساعد الأمهات حتى لا تنزل دموعهن حسرة على سفر أولادهن.

  • وهل نجحت فكرتك؟

في العامين الأولين لم تنجح، لكن هذا العام قلعت من جديد، وزوجي كان يقول لي ستخسرين كل مالك في مشروع مصيره الفشل، لكني لم أفشل، استطعت أن أبني لهم قاعدة وجمعت حولي طاقات إبداعية يمكنهم أن يفجروها في المكان الصحيح. وقمنا بعدة عروض مسرحية. وهناك برامج أخرى لهذه الطاقات الشابة المبدعة التي تكتب وتمثل وتخرج، وسنجد لها مكانا في عالمنا حتى تصل إلى الناس ويكون لها صدى.

اخترنا لك