د. صبري الدمرداش: تدبر آيات ومعاني القرآن يثبت العقيدة

د. صبري الدمرداش

الحلقة الأخيرة

أمل نصر الدين بعدسة ميلاد غالي استكملت رحلتها في عرض بعض آيات الله المبهرات التي اشتملت على إعجاز علمي ولغوي مع الدكتور صبري الدمرداش الأستاذ في جامعة الكويت..

– دكتور صبري استكمالا لحديثنا عن بعض الآيات المعجزات والمبهرات في كتاب الله فماذا لديك لتعرضه لنا؟

كما ذكرنا سابقا، الآيات كثيرة وهناك آية في سورة النور كثيرا ما استوقفتني وهي قوله تعالى:

{أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور} (الآية 40 من سورة النور).

وما المقصود من الآية الكريمة؟

شبه الحق جل وعلا في هذه الآية الكريمة أعمال الكافرين بظلمات البحار والمحيطات العميقة حيث يزداد الظلام وتسود العتمة نتيجة لتراكم الأمواج الهائجة فوق بعضها البعض، وتواجد السحب الكثيفة لدرجة أنه يتعذر على المرء رؤية يديه التي هي جزء من جسمه.

لماذا؟

لأنه لا هداية للبشر بدون النور الإلهي الأعظم. وقد جاء في أحد كتب التفسير عن قتادة الأنصاري أن الكافر يتقلب في ظلمات خمس، فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ويرد يوم القيامة إلى أظلم الظلمات (النار) أعاذنا الله منها، ولهذا كان من الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجعل في قلوبنا نورًا وعن أيماننا نورًا وعن شمائلنا نورًا ومن أمامنا نورًا ومن خلفنا نورا ويعظم لنا نورا.

وما التفسير العلمي للآية الكريمة؟

كشفت علوم البحار الحديثة منذ أوائل القرن العشرين عن ظواهر مدهشة في أعماق البحار والمحيطات تعرضت الآية الكريمة لاثنتين منها وهما: ظاهرة حركة الأمواج الداخلية، وظاهرة ظلمات البحار العميقة.

ما المقصود بظاهرة حركة الأمواج الداخلية؟

في أوائل القرن العشرين كان عالم البحار السويدي (فان إيكمان)  Van.w.Ekman أول من اكتشف أنه في البحار والمحيطات العميقة توجد أمواج داخلية عاتية، وهي تختلف عن الأمواج السطحية التي نبصرها بأعيننا على الشاطئ وتؤثر مباشرة في هدوئه أو اضطرابه .

وكيف ثبتت تلك الظاهرة؟

في عام 1973 دعمت صور الأقمار الصناعية هذا الكشف بتقنية الاستشعار عن بعد، حيث أمكن تصوير تلك الأمواج الدخلية العاتية والتأكد من وجودها علميًا عند السطح البيني الذي يفصل  بين طبقتين عظيمتين من الماء، الأولى سفلى كثيفة والأخرى عليا أقل كثافة.

وما سبب اختلاف كثافتهما؟

 ويعزى اختلاف كثافة كل من هاتين الطبقتين إلى اختلافهما في درجتي الحرارة والملوحة، بالإضافة إلى عوامل أخرى تدفع بمياه البحر في صورة هذه الأمواج من أهمها: حركة المد والجزر، وتغير الضغط الجوي، واختلاف شدة الرياح من مكان لآخر.

ظلمات البحار العميقة

وماذا عن ظاهرة ظلمات البحار العميقة؟

تسقط أشعة الشمس على البحار والمحيطات العميقة فتعترضها حوائل ثلاثة: السحب الركامية الكثيفة، والأمواج السطحية، والأمواج الداخلية، وتعمل السحب الركامية على عكس قدر كبير من تلك الأشعة، وعند سقوطها على أمواج البحر السطحية فإنها تعكس جزءا آخر من أشعة الشمس بسبب ميلها الذي يجعلها كمرايا عاكسة، والجزء المتبقي من الأشعة يسقط على الحائل الثالث وهو طبقات الماء الداخلية فتمتص موجاتها تباعًا بما يتناسب عكسيًا والعمق.

وما المقصود بقوله تعالى: {ظلمات بعضها فوق بعض}؟

من المعروف أن أطياف الضوء المنظور سبعة، تبدأ من الأحمر وتنتهي باللون البنفسجي، وهي متماثلة في كل شيء فيما عدا الطول الموجي الذي يقصر بنفس الترتيب فاللون الأحمر هو أطول الموجات يليه البرتقالي فالأخضر فالأصفر فالأزرق فالنيلي فالبنفسجي.

وما علاقة ذلك بتفسير الآية؟

لو تخيلنا أن غواصا ينزل في مياه بحر لجي كالمحيط الهادي الذي يعتبر أكبر محيطات الأرض عمقًا وفيه أخدود “الماريانا” الذي يبلغ عمقه نحو أحد عشر كيلومترا، وأن هذا الغواص يحمل بين يديه وعاء بلوريا كبيرا به فواكه وخضراوات مختلف ألوانها، أحمر وبرتقالي وأصفر وأخضر وأزرق ونيلي وبنفسجي، فإذا بلغ الغواص عمق 20 مترًا يجد أن الموجات الحمراء قد امتصت فلم يعد يرى الأجسام حمراء اللون لدرجة أنه لا يرى الدم الذي ينزف من جرح في يده، وتسمى هذه ظلمة اللون الأحمر وعند عمق 80 مترا يجد الموجات البرتقالية قد امتصت فلم يعد يرى اللون البرتقالي وتسمى هذه ظلمة اللون البرتقالي، وهكذا بالتدرج اللوني الموجات الصفراء والخضراء والزرقاء والنيلية وصولا عند اللون البنفسجي على عمق 1000 متر يجد الموجات البنفسجية قد امتصت فلم يعد يرى منها شيء.

وماذا بعد ظلمة اللون البنفسجي؟

في العمق الأكبر من 1000 متر لا يوجد أثر للضوء، وإنما يخيم الظلام الدامس في المناطق اللجية العميقة من البحر أو المحيط ولا يستطيب العيش هناك إلا لكائنات حية عمياء ليست بحاجة إلى أعين لتبصر بها كالإسفنج وبعض أنواع الأسماك المزودة بضوء ذاتي أو مستعار.

إبهار الآيات

وما وجه الإبهار في الآية؟

الآية كشفت عن حقائق علمية وظواهر طبيعية وهي:

– يختلف البحر اللجي عن البحر السطحي ولا تتكون الأمواج الداخلية إلا في منطقة الانفصال بين البحرين السطحي واللجي.

– تشبه الأمواج الداخلية الأمواج السطحية ولكن لا يمكن مشاهدتها بسهولة من فوق سطح الماء.

– تستهلك عملية تكون الأمواج الداخلية جزءا كبيرا من الطاقة التي يمكن استخدامها لدفع سفينة متوسطة الحجم للأمام.

– كشف “إيكمان” في دراسته لظاهرة المياه الراكدة على قدرتها على تحريك بطيء للقوارب التي تصل إليها لتتردد في مكانها بسبب انتشار طبقة من المياه العذبة والآتية من ذوبان الثلوج فوق مياه البحار والمحيطات المالحة.

– تفقد بعض السفن التي تبحر في مياه البحار والمحيطات اللجية قدرتها فجأة على مواصلة المسير إذ تدخل فيما يسمى ظاهرة المياه الراكدة التي قام بملاحظتها وتفسيرها العالم السويدي (فان إيكمان) في بداية القرن العشرين.

– أهم الأمواج الداخلية ما يتكون في المضايق والقنوات، فمثلا عند مضيق جبل طارق يتسبب التدفق الداخلي للتيار السطحي القوي والتدفق الخارجي للتيار السفلي في دخول الأمواج الداخلية من المحيط الأطلسي إلى المضيق في صورة أمواج متكسرة كالأمواج المزبدة على السطح مما يتسبب في كثير من الاضطرابات الداخلية.

وماذا عن الظاهرة الثانية؟

– يتغير لون قاع البحر المنحدر بصورة تدريجية نحو البنفسجي حتى يختفي تمامًا مع تزايد العمق.

– يتناسب نفاذ ألوان الضوء المنظور عبر مياه البحار والمحيطات اللجية عكسيا مع زيادة العمق.

– كلما زاد العمق استجدت ظلمة جديدة تحول دون رؤية طيف موجي معين، ولذلك جاء اللفظ بصيغة الجمع “ظلمات” وهي متراكبة رأسيًا لذا قال: “بعضها فوق بعض”.

– نظرا للاختلاف الظاهر في ألوان المياه في البحار والمحيطات اللجية يستطيع الصيادون تحديد مقدار العمق بدقة.

– تزود الأسماك في مياه البحار والمحيطات اللجية والتي تعيش على أعماق تتراواح ما بين 600 و2700 متر بأعضاء مضيئة تنير لها طريقها في الظلام الدامس.

– تتميز البنية البحرية في البحار والمحيطات اللجية بتجانس خصائصها إلى حد كبير فهي لا تعرف ضوء النهار حيث لا تصلها أشعة الشمس ولا تعرف تقلبات الفصول وهي في برودة الثلج ولا تتأثر بموقعها من خطوط العرض التي بين القطبين وخط الاستواء.

وما وجه الإبهار في الآية الكريمة؟

تحتوي تلك الآية الكريمة على وجهين من وجوه الإبهار وهما:

-1 إشارة الآية إلى وجود أمواج داخلية في مياه البحار والمحيطات اللجية غير الأمواج السطحية التي يمكن مشاهدتها من الشاطئ بسهولة، وما كان أحد يعلم بهذه الأمواج ولا يتصور حتى وجودها قبل العالم “إيكمان” الذي اكتشفها ودرسها في القرن العشرين.

-2 تصريح الآية الكريمة بوجود الظلمات المتراكبة بعضها فوق بعض في المياه اللجية مياه البحار والمحيطات وما كان أحد يعلم يقينًا هذه الحقيقة العلمية قبل أوائل القرن العشرين.

وكل ذلك أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم في بيئة صحراوية ولم يسافر قط عبر تلك المياه في البحار والمحيطات اللجية ولكن ينتفي العجب إذا علمنا أن خالق الكون سبحانه هو منزل القرآن الكريم.

وما الآية التالية؟

قال تعالى في سورة الواقعة: {فلا أقسم بمواقع النجوم/ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} الآيتان (75 و76).

والنجوم جمع نجم والنجم جرم سماوي مضيء بذاته بعكس الكوكب فهو مستضاء بغيره، ومواقع النجوم هي النقاط التي تمر بها في مسارها أو منازلها.

وما المعنى العام للآية؟

اللام جاءت في بداية القسم مزيدة، وهي زيادة لا كثرة وذلك لتأكيد الكلام وتقويته وهي مشهورة في الاستخدام عند العرب.

فالمعنى أن الله يقسم بمنازل النجوم أو النقاط التي تمر بها في مسارها وأفلاكها وبروجها، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم، أي أن هذا القسم قسم عظيم جليل لو عرفتم عظمته لآمنتم به وانتفعتم لما فيه من الدلالة على عظيم القدرة وكمال الحكمة.

وما التفسير العلمي المرتبط بهذه الآية؟

الآيتان الكريمتان اشتملتا على قسم، والقسم في القرآن يأتي للتنبيه، تنبيه المسلمين خاصة والناس عامة بأهمية الأمر المقسم به، مع أن الله غني عن القسم ولله الحق في أن يقسم بما يشاء من خلقه فهو يقسم بالضحى والليل إذا سجى وبيوم القيامة والنفس اللوامة.

ما السبب وراء القسم بمواقع النجوم ولم يقسم بأماكنها؟

لأن الأماكن لا ترى والمواقع ترى، والأماكن ثابتة والمواقع متغيرة، والأماكن عيون وأصول، والمواقع آثار وصور، والأماكن دليل استدامة والمواقع تؤذن بالزوال.

مواقع النجوم

لماذا أقسم الحق تبارك وتعالى بمواقع النجوم ولم يقسم بالنجوم ذاتها على عظمتها؟

لأننا لا نرى النجوم ذاتها ولكننا نرى مواقعها، ولولا مواقع تلك النجوم ما علمنا أن هناك نجومًا أصلا، علمًا بأن النجوم من أعظم ما خلق الله سبحانه وتعالى وهي من الكبر بمكان وفي ذلك الوقت كان الأعرابي يعلم بعظم تلك المواقع، ولكن مع التقدم الحادث في علم الفلك فإن هذا العلم أثبت أن مواقع تلك النجوم أعظم بكثير مما نتصوره.

كيف؟

نحن لا نعلم بوجود الشمس إلا عندما يصلنا ضوؤها، والضوء يصل بعد 8.3 دقيقة وخلال هذه الفترة الزمنية فإن الشمس لا تكون ثابتة في مكانها بل تجري بسرعة 19.2 كم/ ث، فلا نراها ولكن نرى أثرها الذي يدل على مرورها، وحين يهيأ لنا أننا نراها فعلا فإنما نرى موقعًا كانت به من ثماني دقائق وثلث.

وما الحكمة من ذلك؟

من رحمة الله بنا أننا لا نرى النجوم على حقيقتها لأن الإنسان لو نظر إلى النجم مباشرة لفقد بصره.

والقاعدة الفلكية أننا لا نرى من السماء إلا ماضيها ولا يمكننا أبدا رؤية حاضرها لأن الحاضر حين يصلنا ضوؤه يكون قد أضحى ماضيا!

وما دليل ذلك؟

دليل ذلك قول الله تعالى في سورة الحاقة: {فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون} الآية 38 ذلك أن هناك أشياء نراها وهي غير موجودة وأخرى لا نراها مع أنها موجودة، ومن أمثلة ما نرى وهو غير موجود: السراب، ونجوم السماء، والقبة الزرقاء، ولون الماء، ومن أمثلة ما لا نراه مع أنه موجود: الهواء، والكهرباء، والأشعة تحت الحمراء، والأشعة فوق البنفسجية، وقوى الجاذبية والموجات اللاسلكية.

ما الحقائق العلمية التي وردت في تلك الآية الكريمة؟

– يتعرف العلماء على مواقع النجوم أي تحديد أبعادها بعدة طرق من أهمها:

الرصد من مكانين مختلفين على الأرض في اللحظة نفسها أو الرصد في زمنين مختلفين أو قياس اللمعانين الظاهري والمطلق للنجم.

-2 لبيان عظمة مواقع بعض النجوم فإن:

– أقربها إلينا الشمس التي تبعد عنا 93 مليون ميل أو 149.5 مليون كيلو متر أو ثماني دقائق وثلث ضوئية.

– أقرب شمس لشمسنا هي شمس “ألفا سنتدري” التي تبعد عنا 26 تريليون ميل تقريبا أي نحو خمسين شهرا ضوئية.

– يبعد نجم الشعري اليمانية عنا نحو 9 سنوات ضوئية.

– ويبعد نجم الطائر عنا 14.5 سنة ضوئية.

– ويبعد نجم النسر الواقع عنا 30 سنة ضوئية.

وهناك العديد من النجوم التي تبعد عنا بمئات السنين الضوئية آخرها نجم سهيل أبعد النجوم اللامعة عنا حيث يبتعد عنا بـ 650 سنة ضوئية وأخيرا يبعد نجم منكب الجوزاء عنا 1600 سنة ضوئية.

-3 مواقع النجوم كلها نسبية وليست مطلقة، لأن الضوء كأي شكل من أشكال المادة والطاقة لا يستطيع التحرك في صفحة السماء إلا في خطوط منحنية، بينما عين الإنسان لا ترى إلا في خطوط مستقيمة، وعلى ذلك فإن الناظر إلى نجم من النجوم من فوق سطح الأرض يراه على استقامة آخر نقطة انحنى ضوؤه إليها، فيرى موقعًا وهميًا له غير الموقع الذي انبثق منه ضوؤه لذا تبدو لنا النجوم في مواقع ظاهرية غير مواقعها الحقيقية نظرًا لانحناء الضوء في صفحة السماء.

بل إن علم الفلك الحديث يثبت أن نجومًا عتيقة قد خبت أو تلاشت تماما منذ أزمان سحيقة ولا يزال الضوء الذي ابتعث منها في عدد من المواقع التي مرت عليها يتلألأ في ظلمة السماء إلى يومنا هذا.

وما وجه الإبهار في الآية الكريمة؟

عظم هذه المواقع وأن يأتي القسم ليس بالنجوم ذاتها وإنما لمواقعها، والتي تصل إلى أبعاد يعجز عقل الإنسان عن تصورها، وكذلك أن النجوم لا يمكن رؤيتها ومن ثم فلولا مواقع النجوم لما استطعنا معرفة أن هناك نجوما أصلا وذلك فضلا عن البلاغة في الإيجاز حيث إنه من خلال كلمات قليلات أظهر لنا الخالق جل وعلا عظمة تلك المواقع النجمية ودعانا للتفكر والتأمل فيها.

خلق الإنسان

 وما الآية التالية التي اخترتها لنا دكتور صبري؟

قال تعالى في سورة المؤمنون: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين/ ثم جعلناه نطفة في قرار مكين/ ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} (الآيات من 12 – 14).

ومعاني المفردات لتلك الآيات كالتالي:

خلقنا: الخلق غير التخليق فالخلق إيجاد من عدم وعلى غير مثال، والتخليق توليف من موجود وعلى مثال.

السلالة: الخلاصة وهي مشتقة من السَّل وهو استخراج الشيء من الشيء، يقال سللت السيف من غمده.

النطفة: القطرة ويعبر بها عن مني الرجل.

القرار المكين: الرحم

العلقة: التي تعلق بجدار الرحم أو تشبه في مظهرها دودة العلق.

المضغة: مقدار ما يمضغ من اللحم.

النشأة: من نشأ بمعنى بدأ أو نما أو ارتفع.

وما التفسير العلمي للآية الكريمة؟

تذكر الآيات الكريمات أطوار ومراحل خلق الإنسان، فأصل الإنسان هو الطين، فلقد خلق الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام من طين، والسلالة كما ذكرنا بمعنى الخلاصة، فآدم خلقه الله تعالى من أديم أرضنا فسمي بما خلق منه.

وأما ذرية آدم فيخلق كل فرد منها من اتحاد حيوان منوي ببويضة في إحدى قناتي الرحم وتصبح البويضة المخصبة أول خلية في جسم الجنين والحرف الأول في قصة خلق الإنسان.

ومن خلال تلك الآيات الكريمات استنبط العلماء أن أطوار خلق الإنسان سبعة، أطوار متتابعة ومتعاقبة وهي: طور النطفة، وطور العلقة، وطور المضغة، وطور العظام، وطور اللحم، وطور التسوية، وطور النشأة.

ما المقصود بطور النطفة؟

النطفة أول طور تخلق جنين الإنسان وهي تسمية كيميائية، وتعني في اللغة القطرة أو الماء القليل، ولأن الماء يؤلف الجزء الأكبر منها فالقرآن يسميها الماء المهين.

والنطفة في القرآن وعلم الأجنة تأتي على معان ثلاثة:

– ماء الرجل.

– ماء المرأة.

– الطور الأول في تخلق الجنين والتي تتكون من بويضة تم تخصيبها بحيوان منوي.

وطور النطفة يمتد من بدء الحمل حتى اليوم السادس، وفي اليوم الأول تنقسم البويضة المخصبة إلى اثنتين ثم أربع، فثمان فستة عشر وهكذا لهذا تسمى بالتوتة، لتشابهها بشكل ثمرة التوت، وفي نهاية اليوم الخامس تتحول التوتة إلى كرة جرثومية مكونة من نحو خمسين أو ستين خلية، فالنطفة تمر بثلاث مراحل: الإخصاب، والتوتة، ومرحلة الكرة الجرثومية.

وما المقصود بطور العلقة؟

تم تفسير طور العلقة بأربعة معان:

-1 مشتقة من علق، بمعنى التعلق والالتصاق إذ تتمايز كتلة الخلايا المتولدة عن انقسام النطفة إلى كتلتين اثنتين داخلية تؤلف الجنين وخارجية تكون المشيمة التي تحتويه وتتصل الكتل ببعضها مكونة ما يسمى “القطب الجنيني” الذي سرعان ما تنبت له ساق تسمى معلاق تربط الجنين برحم أمه.

-2 دودة العلق وهي إحدى ديدان البرك فالجنين يتغذى من دم أمه تماما مثلما تتغذى دودة العلق على دماء غيرها من الأحياء، والجنين يحاط بمخاط تماما كالماء المحيط بالدودة.

-3 الدم الرطب: الدم جامد فحسب من الخارج لكنه في الحقيقة سائل رطب لزج ولا يبدأ في الدوران حتى يبدأ القلب في الخفقان في اليوم الثاني والعشرين من عمر الجنين.

-4 شدة الاحمرار: من جراء الأوردة الكثيفة والمتعددة والتي تجعل شكل العلقة يبدو شديد الاحمرار كأنه جمرة من نار.

كم يمتد هذا الطور؟

يمتد من اليوم السابع وينتهي في الأسبوع الثالث، وخلال هذه المدة تتعلق بالبطانة الداخلية لرحم الأم وإذا كان تسمية النطفة تسمية كيميائية، فإن الطور الثاني يعتبر تسمية تشريحية.

طور المضغة

وماذا عن طور المضغة؟

يبدأ من الأسبوع الرابع للجنين وحتى الأسبوع السادس، وخلاله تظهر في الجنين كتل بنية تصل نحو خمسة وأربعين زوجا فتعطيه شكل اللحم الممضوغ، ويبلغ طوله في هذا الطور سنتيمترا واحدا ويبدو مظهره كقطعة لحم ممضوغ وغضروف، خاصة في جزئه الذي سيكون لاحقا عموده الفقري وبقية عظامه.

وماذا عن طور العظام؟

طور العظام هو طور سريع يبدأ من الأسبوع السابع وفيه تتحول بعض كتل الجنين البدنية من أنسجة غضروفية إلى أخرى عظيمة تشكل عموده الفقري وبقية هيكله العظمي.

ومن المعلوم أن العظام لا تتخلق كلها في آن واحد ولا تتكون على نسق واحد، وفي نهاية طور العظام تكون قد اكتملت في جسم الجنين 360 عظمة.

ما المقصود بطور اللحم؟

يبدأ هذا الطور في الأسبوع الثامن من بدء الإخصاب حيث يتحول القسم المتبقي من كتل الجنين البدنية إلى عضلات تكسو العمود الفقري وعظام أطرافه فتغطيها بالكامل.

ما المقصود بطور التسوية؟

طور التسوية يتضمن طوري خلق المضغة عظاما وكساية العظام باللحم، لأن تلك الظواهر من باب تصوير الخلق أو تقويم الأعضاء وهي لا تخلو من تخلق ولكن هذا التخلق ليس تخلق أعضاء من بدايتها بقدر ما هو استكمال للخلق، وينتهي طور التسوية عند بداية مرحلة التعديل وذلك في نهاية الأسبوع الثامن تقريبا.

وأخيرا ما المقصود بطور النشأة؟

من جملة الإعجاز القرآني قوله تعالى:(ثم أنشأناه خلقا آخر) وذلك لعدة أسباب:

– في المراحل السابقة يصعب تمييز جنين الإنسان عن أجنة كثير من الحيوانات ولكن بعملية التصوير الذي يجريها الملك يتبين مظهره الآدمي ويتميز عن أجنة غيره من المخلوقات.

– في طور النشأة يصبح الجنين نشطًا وحيويًا.

– الأطوار السابقة أطوار تخليق أما النشأة فهي طور النمو.

وما وجه الإبهار في الآية الكريمة؟

أن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي أثبت أن أصل خلق الإنسان من طين، فلقد أثبت العلم الحديث أن جسم الإنسان مكون من 24 عنصرا أساسيا وأن الطين يحتوي كذلك على نفس هذا العدد من العناصر.

كذلك في قول الله تعالى {ثم جعلنه نطفة في قرار مكين} إعجاز رباني علمي وبلاغي.

كيف؟

أما الإعجاز العلمي نفهمه عندما نعلم أن أمشاج الذكر وأمشاج الأنثى كانتا منفصلتين إحداهما عن الأخرى، الحيوان المنوي في جسم الرجل والبويضة في جسم المرأة، ثم تلاقيا واتحدا لتكوين البويضة المخصبة أو النطفة الأولى.

وماذا عن الإعجاز البلاغي؟

قال تعالى {ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة}، وفي الآية الأولى قال تعالى {جعلنه}. وهذا يدفعنا للتساؤل عن الفرق بين الجعل والخلق.

وما الفرق بينهما؟

الجعل يعني الجمع بين متفرقين أو أكثر، فالحيوان المنوي من رجل والبويضة من امرأة، أما الخلق، خلق العلقة والمضغة فيعني أنهما طورين في الخلق يعقب بعضهما بعضا في نفس الجنين داخل الرحم، ولا يختلف أحدهما عن الآخر إلا في درجة التسوية في الخلق. ولذا عبر عن هذه الأطوار بحرف الفاء الذي يفيد الترتيب والتعقيب على وجه السرعة واشتراك المعطوف والمعطوف عليه في وصف واحد.

وما أوجه الإبهار الأخرى في الآية الكريمة؟

كان العلم في وقت نزول القرآن وبعده بمئات السنين ينادي بتخلق اللحم قبل العظام، ولكن القرآن الكريم صحح هذا القول الخاطئ بأن العظام تتكون أولا ثم يليها اللحم، ولا يمكن للعضلات أن تخلق قبل العظام لأن وظيفة العضلات الحركية هي أن ترتبط بعظمتين اثنتين بينهما مفصل إذا انقبضت العضلة أو انبسطت تحرك ذلك المفصل، فإذا لم تكن العظام موجودة قبلا فلا معنى لوجود عضلات الحركة.

هل مازال هناك أوجه إبهار أخرى؟

بالتأكيد ققوله تعالى: {ثم أنشأنه خلقا آخر} هو إعجاز علمي عجيب وبلاغي أعجب، فمن الناحية العلمية فإن الجنين في هذا الطور يأخذ شكلا آخر تماما فجميع أجنة الفقاريات إلى طور اللحم تكون متشابهة ظاهريا إلى حد بعيد، ولكن بعد طور اللحم تظهر الصفات الخارجية المميزة لكل نوع من أنواع الخلق.

فتغير شكل الجنين الخارجي يتوافق مع تطور آخر في الخلق وهو نفخ الروح البشرية فيه وبذلك تكتمل صفاته ويصير بشرا وهي حقيقة غيبية لا تخضع للعلم التجريبي. أخرج الإمامان البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بكتابة أربع: رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد”. ومن هذا الحديث يتبين لنا أنه بنفخ الروح يصبح الجنين بشرا.

كيف يمكن للإنسان أن يتدبر تلك المعاني العميقة التي اشتمل عليها القرآن الكريم؟

إن قراءة القرآن قراءة عابرة سطحية دون تدبر وتأمل في آياته والمعجزات التي جاء بها يجعلنا لا نشعر بعظمته ولا نتلمس هيبته في نفوسنا وأنه كلام الله المنزل لذا كان من المهم التأمل والتفكر في آيات الله البينات ولا تمر علينا مرور الكرام.

ما الفائدة التي يجينها الشخص من هذا التأمل؟

تقوية وترسيخ الإيمان والعقيدة والاقتراب من الله سبحانه بتلمس عظمته في الخلق وهذه أعظم هدية يقدمها الإنسان لنفسه بأن يكون أقرب لله تعالى. فكلما تأملنا في تلك الآيات المبهرات فسوف ينطق قلبك بالإيمان بعظمة خالق هذا الكون.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك