العلاقات الزوجية – اعتذروا.. لا تتأخروا

كم يحقق إبليس من انتصار حين ينجح في صرف الأزواج من رجال ونساء عن الاعتذار.

من خلال قيامي بمصالحات بين الأزواج والزوجات وجدت أن أكثر من 90 % منهم يرغبون في المصالحة؛ لكن كلاً من الزوجين ينتظر الآخر أن يبدأ بها، وهكذا يطول زمن الهجران بينهما.

ولذا أحاول إقناع الزوجين بأن عليهما أن يتسابقا في البدء بالمصالحة بدلاً من أن ينتظر كل منهما صاحبه أن يبدأ بها.

وهذا ما أرجوه من كل زوجين: ليسبق كل منكما صاحبه بمصالحته وهو يستحضر ما يلي:

أولاً: من يبدأ بالمصالحة خير من الذي ينتظر، وهذا ما يخبرنا به النبي r إذ يقول “لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال: يلتقيان فيصدُّ هذا، ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام” متفق عليه.

وما أكثر ما يلتقي الزوجان في بيتهما وكل منهما يصد عن الآخر دون أن يسرع بمصالحة صاحبه ليكون خيراً منه.

وفي رواية أخرى للحديث “فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام” صحيح مسلم.

يقول النووي رحمه الله في قوله r “وخيرهما الذي يبدأ بالسلام” أي هو أفضلهما.

ولعل الحكمة في إباحة الهجر في الليالي الثلاث الأُوَل هي في إعطاء وقت للاثنين يراجعان خلاله نفسيهما، وتهدأ فيه مشاعرهما الغاضبة.

يقول النووي يرحمه الله: إنما عُفي عنها “أي الهجرة” في الثلاثة لأن الآدمي مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك، فعفي عن الهجرة في الثلاثة ليذهب ذلك العارض.

ثانياً: ليس في الاعتذار انتقاص للمعتذر، أو نيل من كرامته، بل إن الاعتذار يشير إلى كرم المعتذر ونبله. يقول الدكتور وحيد هاشم الأستاذ بكلية الاقتصاد والإدارة بجامعة الملك بجدة:

إذا أخطأ الإنسان لا بد وأن يعتذر، ولكمة (آسف) أهمية كبيرة في الحياة الزوجية، لأنها قد تكون أداة لإنقاذ الزواج من الانهيار في لحظة غضب عمياء، ومعناها عميق جداً خصوصاً بالنسبة للزوجة، التي هي الصديق الأقرب والأحب لقلب الزوج.

وأنا لا أجد في الاعتذار حرجاً أو مساساً برجولتي، وقد أعتذر لمجرد ترطيب الموقف، وإن لم أكن مخطئاً، حتى تمر العاصفة بسلام، لأن المرأة عاطفية بطبعها والاستسلام للحظة الغضب غالباً ما يكون وخيم العواقب، وهنا لا بد للرجل أن يحتكم للعقل فيقدم التنازل للحفاظ على أسرته من التشتت، ولا عيب في ذلك لأن العلاقة الزوجية هي علاقة أخذ وعطاء، متبادل بين الطرفين، وعندما تهدأ الزوبعة ممكن أن يعاتب الزوج زوجته بهدوء ومنطق، ويوضح لها نقاط الالتباس أو سوء الفهم في الموقف الذي حدث حتى لا يتكرر حدوثه، ولا شك في أن شخصية الزوجة ومدى تقديرها للتنازل الذي يقدمه زوجها واحترامها لرجولته، هو الأساس في جعل الزوج يتنازل دون تردد ويصفح عندما تخطئ هي.

ثالثاً: قد يصرف الإنسان عن البدء بالاعتذار حسبانه أن اعتذاره انتصار لصاحبه عليه، وهذا غير صحيح، لأن الحياة الزوجية ليست معركة لا بد أن يكون فيها أحد الزوجين غالباً والآخر مغلوباً، بل هي حياة قائمة على المودة والرحمة، ومن ثم فإن على الزوجين أن يعلما أن المغلوب فيها هو الغالب في الحقيقة.

رابعاً: البدء بالاعتذار خير من خسائر الانتظار، ذلك أن الهجران يعني عدم طلب كل من الزوجين حاجاته من صاحبه، وفقدانهما المعاشرة الزوجية، وحرمانهما من المغفرة التي يمنحها الله سبحانه لكل مسلم عدا من كان بينه وبين صاحبه شحناء؛ ففي الحديث “تفتح أبواب الجنة في كل خميس واثنين فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجل كان بينه وبين أخيه شحناء؛ فقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا”، وفي رواية مسلم تكرار “أنظروا هذين حتى يصطلحا” ثلاث مرات.

خامساً: ليعلم الرجل أن تأخره في مصالحة زوجته يضرها صحياً ويؤذيها نفسياً، بينما يعجل اعتذاره في استعادتها توازنها النفسي واستقرارها الصحي، فقد حذَّر علماء في كلية ووركستر الطبية في جامعة ماساشوستس من أن رفض الرجل الاعتذار للمرأة، بعد الإساءة لها، قـد يسبب لها أزمة قلبية، ووجد العلماء أن عدم اعتذار الرجل من المرأة بعد معاملتها بخشونة يزيد ضغط دمها، وهذا قد يؤدي بدوره لإصابتها بالنوبة القلبية أو الجلطة الدماغية. وقال هؤلاء إنه تبين أن النساء اللاتي يسمعن كلمة (آسف) يهدأن ويرجع ضغط دمهن إلى مستواه الطبيعي سريعاً وذلك بعد فحص ضغط الدم الانبساطي والانقباضي لـ 29 رجلاً و59 امرأة خضعوا لاختبار حسابي. وخلال الاختبار الذي خضع له هؤلاء ودام خمس دقائق، وطلب من كل واحد على حدة الإسراع بنبرة غاضبة، ثم زاد العلماء وتيرة ذلك بالقول للبعض “من الواضح أنك لست جيداً بشكل كاف”.

وبعد مضي دقيقتين على ذلك، اعتذر العلماء من نصف الرجال والنساء بسبب فظاظتهم المتعمدة، فتبين أن النساء هدأن بسرعة ورجع ضغط دمائهن إلى مستواه الطبيعي بنسبة 20 % أكثر من الرجال الذي ظلوا يشعرون بالغضب والهيجان لبعض الوقت.

وقال أحد الباحثين “تظهر هذه الدراسة أن هناك فوائد صحية محتملة للتسامح وتقديم الاعتذار إلى الآخرين”.

ولا شك في أن تأخر المرأة في مصالحة زوجها والاعتذار منه ينعكس سلباً عليه أيضاً وعلى عمله خارج بيته؛ مثلما قال شقيق البلخي لزوجته “لو أن أهل بلخ كلهم كانوا معي.. وكنت وحدك ضدي.. ما استطعت أن أقيم أمر ديني”.

سادساً: مما يؤخر اعتذار الزوجين اعتقاد كل منهما أنه ليس مخطئاً، ومن ثم فإنه يرى أن على الآخر أن يعتذر فينتظر.. وينتظر، فيطول الهجران، وتستمر القطيعة.

سابعأً: مما يعين كلاً من الزوجين على المبادرة إلى الاعتذار علمه بأن له أجراً في سعيه إلى الصلح، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي r قال “ما عمل ابن آدم شيئاً أفضل من الصلاة، وصلاح ذات البين، وخلق حسن” البخاري في تاريخه والبيهقي.

ثامناً: إذا انسكب شيء من الطعام على ثوب أحدنا فإنه يبادر إلى إزالتـه عن ثوبه وتنظيفه منه، ومادام النساء لباساً لنا ونحن لباس لهن }هن لباس لكم وأنتم لباس لهن{ فينبغي أن نزيل الإساءة التي ألحقها أحدنا بصاحبه، وأفضل طريق لإزالتها هو الإحسان بعدها. قال r “إذا أسأت فأحسن”، ومن هذا الإحسان بعد الإساءة: الاعتذار. ولقد تأكد هذا المعني كثيراً في القرآن الكريم وأحاديث النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم، ومن ذلك قوله تعالى }ادفع بالتي هي أحسن السيئة{ المؤمنون 96، وقوله سبحانه }ويدرؤون بالحسنة السيئة{ الرعد 22 والقصص 54. وكذلك قوله r “إذا أسأت فأحسن” الحاكم والبيهقي.

– لا تضيقوا ولا تغضبوا إذا وجدتم عدم قبول لاعتذاركم

قد يجد المعتذر صداً ممن يعتذر منه، ورفضاً لاعتذاره، فيضيق بهذا الرفض وذاك الصد فيتوقف عن مواصلة الاعتذار، وينصرف عنه، وهذا ما يريده الشيطان.

يُرجى ممن يعتذر أن يقدر حزن من يعتذر منه، وما ثار في نفسه من ألم، ومن ثم فعليه أن يواصل اعتذاره فلا يضيق بصدِّ صاحب وإعراضه، وليستمر في مواساته حتى يرضى وتطيب نفسه.

ولنا في رسول الله r أسوة حسنة فقد أخرج الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان بعينيّ صفية خُضرة، فقال لها النبي r “ما هذه الخضرة بعينك؟ قالت: قلت لزوجي: إني رأيت فيما يرى النائم كأن قمراً وقع في حجري فلطمني وقال: أتريدين ملك يثرب؟ قالت: وما كان أبغض إليَّ من رسول الله r، قتل أبي وزوجي، فما زال (r) يعتذر إليَّ ويقول: “يا صفية إن أباك ألَّبَ عليَّ العرب وفعل وفعل” حتى ذهب ذلك من نفسي. قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.

حالات اعتذار واقعية

وأحب أن أعرض حالات اعتذار بين الأزواج فيها من الطرافة ما فيها، ففي السعودية صالحت امرأة زوجها بتزويجه أخرى على نفقتها الخاصة.

وكانت الزوجة الأولى قد أخطأت في حق زوجها فسببت له إحراجاً وسط القرية التي يقطنانها.

وذكرت صحيفة (الرياض) أنه عندما تفاقمت المشكلة قررت الزوجة رد اعتبار زوجها بتزويجه أخرى على أن تدفع أسرتها المهر وتكاليف حفل الزفاف في إحدى صالات الأفراح بالمحافظة.

وقد تم الزواج مع الإعلان بأن الزوجة الأولى هي التي بحثت عن عروس مناسبة إرضاءً لزوجها وتأكيداً لرد الاعتبار.

وعلق زوج سعودي آخر لافتة قماشية على جسر للمشاة في طريق كورنيش مدينة الخبر، تضمنت طلبه الصفح من زوجته والتأكيد على تمسكه بها، وذلك بعد محاولات يائسة بذلها الزوج لإعادة المياه إلى مجاريها مع شريكة حياته ومحاولات أخرى لذوي الطرفين.

وذكرت صحيفة (عكاظ) التي أوردت الخبر أن الزوج حاول إرضاء زوجته، عبر رسائل نصية على هاتفها النقال، وإرسال وسطاء لحل الخلاف الناشب بينهما منذ أكثر من شهرين، والذي وصفه بـ (البسيط) ولا يتعدى كونه (زعل بنات) حسب تعبيره.

وحول اختياره للموقع، ذكر الزوج أنه يعتبر ما فعله بمنزلة (اعتذار رسمي) على مرأى من الجميع، مضيفاً (هناك سببان آخران لاختيار المكان، أولهما أنه لافت للأنظار، والثاني لقربه من مسكن أسرة الزوجة).

وشهدت منطقة حليمة الزيتون، في محافظة القاهرة، واقعة غريبة للغاية، عندما رفع رجل لافتة اعتذار لزوجته في الشارع يبلغ طولها 12 متراً وعرضها سبعة أمتار، تختلط فيها عبارات الحب بوعود الحياة (مع أفضل إنسان في الحياة).

وأفادت صحيفة (الشرق الجديد) بأن الزوج استعان بمجموعة من العمال في رفع اللافتة المكتوبة باللغة الإنجليزية.

وذكرت الصحيفة أن الواقعة شهدت تجمع عدد من الصحافيين وكاميرات الفضائيات بدعوة من الزوج إيهاب معوض الذي يعمل مهندس ديكور، ولذلك ليكون الجميع شهوداً على (أغرب صلح زوجي في التاريخ)، كما وصفه الزوج في رسالته القصيرة لـ (الشروق).

وقال الزوج: “زي ما أنا زعلتها أمام عائلتها، قلت لازم أعتذر لها بس أمام الملايين”. وكانت مشادة كلامية بين إيهاب وزوجته ريهام قد تصاعدت إلى خصام ثم طلب للانفصال، وكان تفسيره لتمسكها بطلبها هو أنه جرح مشاعرها أمام أفراد أسرتها وأمام ابنيهما، ففكر في الطريقة التي يصالحها بها ثم هداه تفكيره إلى عمل لافتة الاعتذار أمام البيت حتى يفاجئها حين تدخل شرفة المنزل.

وبعد (حفل الاعتذار العلني) استقبلت ريهام زوجها بعبارة واحدة: “أنا مش محتاجة كل ده، بس أوعدني ما تعملش كده تاني”.

وفي إحدى صحف مصر اليومية ظهر هذا الإعلان: “اعتذار – زوجتي الحبيبة ميادة. آسف جداً على ما سببته لك من أحزان وآلام يا أعز وأغلى الناس. زوجك فؤاد”.

مسائل في الاعتذار

– اعتذروا من جهة اليمين

  حين تعتذرون احرصوا على أن تكونوا عن يمين من تعتذرون منه، حتى يسمع اعتذاركم بأذنه اليمنى فقد ذكرت صحيفة (دايلي مايل) البريطانية أن باحثين من جامعة فالنسيا الإسبانية وجدوا أن سر التعبير الناجح عن الأسف والندم عـن خطأ ما يكمن في الهمس أو الكلام في الأذن اليمنى.

وأشارت الدارسة إلى أنه عندما يشعر المرء بالغضب تصبح الأذن اليمنى أكثر تقبلاً للصوت.

لذا، قال الباحثون، إنه لتهدئة شخص ما من المنطقي النطق بالاعتذار بالطريقة المناسبة، وشددوا على أن نتائج دراستهم تتماشى مع الجزء الأيمن من الجسم الذي يسيطر عليه القسم الأيسر من الدماغ.

يشار إلى أنه لدراسة ما يحصل عندما تغضب، طلب الباحثون من 30 شاباً التوصل إلى حالة من الغضب من خلال قراءة إعلانات عدائية مزعجة، وما إن استشاطوا غضباً وارتفع ضغط دمهم ومعدلات التستوسترون عندهم، وزاد نبض قلبهم، حتى نفذ اختيار الاستماع على الأذن اليمنى واليسرى.

فتبين أن قدرة الأذن اليمنى على نقل الأصوات بشكل أكبر عند الغضب، فيما لم يسجل أي تغيير عند التدقيق في الأذن اليسرى.

وأوضح الباحثون أن سبب ما حصل قد يكون لأن الجانب الأيسر من الدماغ يستقبل ويفهم الأصوات التي تأتي من الأذن اليمنى، ولذا في حالات الغضب، يمكن سماع الأصوات التي تمر فيها بوضوح أكبر.

– كونوا جادين وابتعدوا عن الهزل

  كونوا جاديـن في اعتـذاركم، ولا تخلطوا الاعتـذار بالسخريـة أو المزاح؛ كأن تقولوا: “جعلتموها قصة.. أنا آسف.. يعجبكم اعتذاري هذا؟!” أو “خلّصني.. أعتذر وإن كنت أجد نفسي غير مخطئة – خلصني.. أعتذر وإن كنت غير مخطئ”… وهكذا.

اخترنا لك