العنوسة.. مصطلح سيئ السمعة

العنوسة

أيمن الرفاعي رصد لكم هذا الموضوع لحياتكم..

لسنا في حاجة إلى تعريف كلمة العنوسة، فقد أصبحت الظاهرة واضحة من حولنا تماماً لا تحتاج إلى تعريف، نعم فتأخر سن الزواج مشكلة تعلن عن نفسها في كافة المجتمعات في الوقت الحالي.عن هذه الظاهرة وأسبابها وتعقيداتها وأمور أخرى خاصة بها يدور حديثنا هنا، فتابعي معنا..

لا تعتبر العنوسة مشكلة جديدة، فهي موجودة في معظم المجتمعات تقريباً منذ القدم. الجديد هو تفاقم هذه المشكلة وانتشارها بين معظم فئات وطبقات المجتمع دون استثناء، كما أن المشاكل المترتبة عليها حالياً أصبحت أكثر تعقيداً عن ذي قبل، وإذا ما حولنا تقديم تعريف للعنوسة، فسوف يختلف هذا الأمر بالطبع من مجتمع لآخر.، فمثلاً في المجتمعات الشرقية تشير العنوسة بكل بساطة إلى تأخر سن الزواج لدى الفتاة عن العمر التعارف عليه(ما بين35:16 عاماً). أما في المجتمعات الغريبة فالعنوسة تنطبق على الرجل كما المرأة تماماً، وينظر معظمنا إلى العنوسة بصورة سلبية خلفتها نظرة المجتمع منذ القدم للفتاة التي تأخرت عن الزواج، وعندما نبحث في جذور المشكلة سوف نجد أن جزءاً كبيراً منها يعود إلى أفراد المجتمع أنفسهم.

مصطلح يحتاج إلى بديل

يرى العديد من علماء النفس المتخصصين في الأمور الأسرية أن كلمة عانس تعتبر بمثابة نوع من العنف المجتمعي تجاه المرأة، وذلك نظراً لما تتركه هذه الكلمة من آثار سلبية مدمرة في نفس الفتاة.

فإذا كان العنف الجسدي مرفوضاً بسبب تأثيره على الصحة الجسدية، فإن العنف المجتمعي أيضاً يجب نبذه لأنه يدمر الصحة النفسية للفتاة، لذا فمن الأولى البحث عن مصطلح بديل كبداية للتعامل مع المشكلة، ويقترح المختصون إلغاء كلمة العنوسة واستبدالها بمصطلح “تأخر سن الزواج”، ولكن ليس كافياً فقط تغيير الكلمات، فمن الأولى تغيير نظرة المجتمع إلى الفتاة التي لم يحالفها الحظ في الزواج في المرحلة العمرية المتعارف عليها..

وهذا بالطبع يحتاج إلى توعية عبر وسائل الإعلام وتكثيف الحملات التوعوية التي تنبه إلى هذه القضية، لكن قبل ذلك لا بد أولاً من التعرف على أسباب وجذور المشكلة كي نستطيع الانطلاق إلى حلها والتغلب عليها.

العنوسة.. أسباب صنعها المجتمع

ولكي نعالج المشكلة فلابد أن تكون البداية من التعارف على الأسباب التي أدت إلى انتشارها بهذا المعدل المخيف، ومن وجهة نظرالخبراء فالأسباب هنا كثيرة ومتنوعة مثل:

* فارس الأحلام:

في العديد من الأبحاث التي أجريت على هذه الظاهرة وجد أن السبب ربما يعود إلى ارتفاع سقف الطموح لدى الفتاة نفسها. وهذا السبب لا تجب الاستهانة به على وجه الإطلاق. ففي الدراسات الميدانية التي تمت على مستوى العالم وكانت الفتاة ترد دائماً عن سبب تأخرها في الزواج بأنها لم تجد الشخص الذي رسمته في خيالها. فهي تطمح للعيش مع زوج شبه مثالي يتمتع بجاذبية وبنية جسمانية لا مثيل لها، قوي الشخصية ويحتل منزلة مرموقة في المجمتع، ويعمل بمهنة مميزة ويفضل أن يكون من الأثرياء.

هي هنا تبحث عن زوج للمستقبل خال تماماً من العيوب وهذا الأمر شبه مستحيل على أرض الواقع. ولذلك كلما تقدم شخص للارتباط بها تقفز هذه الصورة إلى خيالها وتجد نفسها رافضة تلقائياً للارتباط به. ويحاول المحيطون بها إقناعها لكن دون جدوى فليس لديها أن استعداد للتخلي عن هذه المواصفات. وقد ساهمت ظروف الحياة المعاصرة في تشكيل هذه الصورة في ذهن الفتاة. وخير دليل على ذلك الدراما اليومية التي نشاهدها على شاشات التلفاز وما تعرضه من قصص الحب والزواج والمستوى المعيشي الذي يظهر فيه أبطال العمل الدرامي والذي لا يمت بصلة للواقع الذي نعيشه.

ومع التقدم في العمر وتأخر وصول فارس الأحلام تقل فرصة الفتاة في الارتباط والزواج، ومن ثم تصطف في طابور طويل مع رفيقات الدرب. هنا لابد وأن تدرك الفتاة من البداية وخلال سنوات الدراسة أن الزوج المناسب هو الذي يحافظ عليها وعلى أسرتها. هو الذي يحترمها ويضعها من أهم أولوياته في الحياة. وهذا هو الدور الرئيس للأسرة وخاصة الأم التي يجب أن تدير البوصلة إلى الواجهة الصحيحة عندما تجد أن أوهام المجتمع تجرف الفتاة إلى مسار خاطئ.

* عادات وتقاليد:

في كثير من الموضوعات نلمس الأثر المدمر للعادات البالية والتقاليد العقيمة التي تقضي على حياتنا دون حول لنا ولا قوة. ربما نلتمس العذر قليلاً لأجدادنا الذين أسسوا لهذه العادات، لأن ظروف المجتمع وقتها كانت تتوافق معها. أما الآن فقد أصبحت هذه العادات بمثابة العاهات التي تسبب أمراضا خطيرة في جسد المجتمع المعاصر. من ضمن هذه العادات مثلاً رفض الأسرة للشاب لمجرد انتمائه إلى مستوى اجتماعي أقل من الفتاة، الغريب أنه في أحيان يكون الأب مقتنعاً بهذا الشاب ومستقبله وثقافته وقدرته على تحمل المسؤولية، ولكن صوت الماضي يطن في رأسه ويدفعه للرفض حتى لا يلومه المجتمع. فالفقير لا يجب أن يتزوج من الأغنياء، وكذلك أبناء العائلات الكبيرة لا يتقدم لهم الأشخاص غير المعروفين بأصولهم العريقة.

وفي بعض المجتمعات حتى الآن وعلى الرغم من التطور المذهل الذين نشهده لا يتم زواج الفتاة للشاب بسبب لون بشرته ،هذه العادات المتوارثة كفيلة بتضخم ظاهرة العنوسة، لأن الأهل هنا يطلبون تفصيل وتصميم زوج لابنتهم على حسب المقاييس التي تتوافق مع العادات والتقاليد المتعارف عليها. وهنا أيضاً تقل فرصة الفتاة في الزواج بسبب المجتمع والأسرة. العلاج هنا هو دراسة الأهل للشخص الذي يتقدم لخطبة الفتاة ووضع معايير واقعية مثل أخلاقه وقدرته على توفير العيش الكريم لزوجته وأولاده، بعيداًعن الموروث الشعبي من هذه التقاليد التي لم نجد من ورائها إلا التخلف عن ركب الحضارة.

القدرات المادية:

عائق آخر يقف كحائط سد في وجه الفتاة كي تحصل على لقب متزوجة، ففي الأوساط الفقيرة يتأخر سن الزواج، الفقر ربما يكون سبباً في المشكلة إلى حد ما، لكن التعنت والإصرار على مطالب بعينها هو المشكلة الأكبر، في المجتمع الفقير من الطبيعي ألا يفكر الشاب في الزواج وكيف له أن يفكر في هذا الأمر وهو على دراية بقائمة الطلبات التي سوف تكون في انتظاره؟ فهو يعلم جيداً أنه إذا أراد أن يتزوج، فسوف يقابله الكثير من المطبات، حيث إنه ملزم بتجهيز بيت الزوجية بالمواصفات التي يرضى عنها أهل الفتاة.

كما أنه ملزم أيضاً بمصاريف مادية باهظة كإجراءات روتينية معروفة لإتمام الزواج، مثل دفع المهر وشراء الذهب والهدايا وإقامة الأفراح وما يصاحب ذلك من مظاهر اجتماعية تقصم ظهره .أضيفى إلى ذلك أن فقره يمنعه أيضاً من تكوين الأسرة وتولي المسؤولية، خاصة في ظل الغلاء الذي نعيشه، فمن باب أولى في هذه الحالة صرف النظر عن الزواج والاهتمام بالمتطلبات الشخصية، ولذلك ترتفع نسبة العنوسة في المجتمعات الفقيرة.

وعلى الجانب الآخر عندما تكون الفتاة من أسرة فقيرة تقل فرصتها في الزواج. لذلك فالمخرج من هذه المشكلة هو البعد عن التعنت والعناد عدم الإصرار على المطالب التي تؤدي إلى العزوف عن الزواج. ولتكن البداية بأقل الإمكانات.

الفتاة نفسها:

ومن الممكن أن تكون الفتاة نفسها سبباً في العنوسة. ومهما كان المستوى الاجتماعي فيمكن للفتاة أن تساهم في تأخر سن زواجها، فمثلاً عدم الاهتمام بالمظهر الخارجي وعدم العناية بالنظافة الشخصية يقلل من فرصة زواجها. والفتاة التي لا تشغل نفسها بتطوير الذات والحصول على شهادات علمية أو دورات تعليمية، كل ذلك يؤدي بها إلى طريق العنوسة.

فلم يعد المجتمع الآن بحاجة إلى المرأة التي تجلس بالبيت في انتظار عودة الزوج لتعد له طعامه وتقوم على خدمته فحسب، فنحن الآن في عصر تنافس فيه المرأة للرجل وتزاحمه في كافة المجالات الحياتية. ولذلك يجب أن تهتم الفتاة بجمالها ومظهرها وحرصها على الوصول إلى مستوى تعليمي متقدم، يمكنها من أن تكون عضواً مؤثراً في المجتمع، إذا لم يكن ذلك من أجل الزواج فليكن لأجل إثبات الذات، وهكذا نرى أن العنوسة مشكلة قائمة بالفعل، لكن لأسباب واهية وهشة يمكن القضاء عليها إذا ما رغبنا في ذلك أو حتى الوصول بها إلى نسب متدنية للغاية. لكن ما ينقصنا هو البعد عن التعنت والعناد والمطالب شبه المستحيلة، إذا ما نجحنا في ذلك سوف نصل في يوم إلى مجتمع خالٍ من العنوسة وآثارها السلبية المدمرة.

اخترنا لك