العنف يهدد المجتمع

د. ماريا

شارع أم الأسرة.. من المتهم الحقيقي وراء انتشاره

أمل نصرالدين التقت المعالجة النفسية الإستراتيجية ماريا جرامينو لتحدثنا عن أسباب ازدياد العنف مؤخرا على كافة مستويات المجتمع، وتكرار حوادث القتل الناتجة عنه، وتفشي تلك الظاهرة المجتمعية التي تهدد أمن وسلامة الأفراد. فتابعونا  قرائي الأعزاء في هذا اللقاء المميز.

– بداية د.ماريا.. ما المقصود بالعنف؟

هناك عدة تعريفات للعنف، وهو كل تصرف من قول أو فعل أو إيماء بهدف إثارة مشاعر الخوف في الطرف الآخر، وهو ذلك الفعل المقترن بالقوة ضد شخص ما، سواء القوة البدنية أو اللفظية والذي يكون بهدف القسوة وإلحاق الأذى به.

– هل العنف أنواع؟

العنف يأخذ عدة صور وأشكال، فهناك العنف اللفظي الذي يأخذ شكل السب والتهديد والتجريح والإهانات، والعنف الجسدي باستخدام القوة الجسدية سواء بالضرب أو الركل أو أي صورة من صور العنف البدني، وهناك العنف النفسي والذي يعتبر من أقسى أنواع العنف ويكون في صور غير مباشرة، وهو عنف مخبأ وغير معلن كالإهمال أو التجاهل أو التهديد المستمر.

– ما دلالة ازدياد ظاهرة استخدام العنف؟

استخدام العنف دليل على وجود مشكلة أو خلل ما، فهو صورة من صور القصور الذهني حيال التعامل مع موقف أو مشكلة يتعرض لها الشخص، وهو وسيلة خاطئة لحل المشكلات، ودليل على اضطراب نفسي وسلوكي، وأحد صور الخوف الخفي، ويعتبر مؤشرا لضعف الشخصية والثقة في النفس ونقصان التوازن السلوكي. وهو مرفوض بكل صوره وأشكاله أخلاقيا وسلوكيا واجتماعيا.

– هل العنف طبع يولد به الإنسان أم سلوك يكتسبه من البيئة؟

العنف يعتبر طبع يولد به الإنسان وسلوك يكتسبه في الوقت ذاته.

– كيف؟

العنف له علاقة بتركيبنا الكيميائي والفسيولولجي والجيني، فنجد الرجال وبسبب ارتفاع نسبة هرمون التستسترون لديهم يكونون أكثر ميلاً للعنف من النساء، لذلك فهو طبع يولد به الشخص وفي الوقت ذاته فإنه يتم اكتسابه من البيئة المحيطة وفقا لما يتربى عليه الإنسان، فيأخذ صورا وأشكالا وفقًا للنموذج الذي شاهده أثناء نشأته وتربيته.

– ما الأمور التي قد تدفع الأفراد للجوء للعنف؟

كما ذكرنا سابقا فاستخدام العنف دليل على فشل الحوار العقلاني في حل المشكلات، والدوافع التي قد تدفع الشخص لاستخدام العنف مختلفة منها نمط التربية الذي نشأ الطفل عليه، كذلك القهر الاجتماعي والتعرض للظلم يعتبران من العوامل التي تدفع لاستخدام العنف.

– كيف؟

الشعور بالقهر والظلم وانعدام العدالة عناصر تولد العنف، حيث تشعر الطرف الذي يقع عليه الظلم والقهر بالضعف ما يدفعه للدفاع عن نفسه باستخدام العنف، كذلك لا نغفل دور وسائل الإعلام وما تبرزه من صور خاطئة للقوة، خاصة لدى الأطفال والمراهقين سواء في أفلام الكرتون أو في الألعاب الإلكترونية المتداولة في وسائل التواصل الحديثة.

– هل يعني ذلك أن الرجال أكثر استخدامًا للعنف من النساء؟

الرجال أكثر استخدامًا للعنف البدني في حين أن المرأة أكثر استخدامًا للعنف اللفظي.

دوافع العنف

– ما الدافع الأساسي وراء استخدام العنف؟

أساس استخدام العنف وأصله ومحركه يكون المنافسة لإثبات سلطة شخص أو أفضليته عن الآخر، فحين تفشل لغة الحوار في إثبات ذلك فالمستخدم للعنف يريد أن يوصل رسالة مفادها أنه أفضل منك وأكثر قوة، وفي الوقت ذاته فأنا أتفوق عليك في القدرة لدرجة إلحاق الأذى بك.

– أين يمكن أن نجد تلك الصور؟

العنف موجود في المجتمع بكل طبقاته ومستوياته، فنجده على مستوى الأسرة بين الزوجين وبين الآباء والأبناء وبين الآباء والأبناء والخدم، وكذلك في بيئات العمل المختلفة، وفي أي بيئة مجتمعية صغيرة كانت أم كبيرة بكل صوره وأشكاله، فمنه ما هو ظاهر ومنه ما هو مبطن.

– ما الأسباب التي تؤدي للعنف الأسري؟

العنف الأسري من أهم صور وأشكال العنف التي يجب أن نلتفت إليها وذلك لتأثيرها الكبير في تكوين شخصيات الأبناء وطريقة تعاملهم في المجتمع مستقبلا، لذلك يجب على الوالدين قبل إنجاب الأبناء أن يثقفا أنفسهما في هذا الجانب جيدًا، ويتفقا على بروتوكول معين للتعامل مع الخلافات التي سوف تنشب بينهما، وأن يتجنبا استخدام أي وسيلة من وسائل العنف أمام الأبناء.

– وما الأسباب التي قد تولد العنف بين الزوجين؟

الأسباب كثيرة ولكل موقف تفاصيله وأسبابه التي قد تؤدي لتحويل الخلاف لأحد مظاهر العنف المختلفة سواء اللفظي أو الجسدي أو النفسي، وفي العموم فإن فشل الحوار هو السبب الرئيسي الذي يجمع كل تلك الخلافات، كما أن فشل التواصل وسوء فهم الطرف الآخر من الأمور التي تساعد على تحول الخلاف أو حتى الحوار العادي إلى إحدى صور العنف، فيحدث حالة تصاعد تتطور لإحدى صور وأشكال العنف.

– هل يمكن إعطاء مثال لتقريب المعنى؟

لو أن رجلا لديه مشكلة في عمله وعاد إلى البيت بهذه المشكلة فإنه لا يكون في حالته الطبيعية ونجده يفضل السكوت والصمت والابتعاد، لكن الزوجة والأولاد قد لا يتفهمون حالته ويصرون على اقتحام صمته ما يؤدي إلى انفجاره بإحدى صور العنف الثلاث، وربما استخدمها كلها في آن واحد مما يتسبب في استخدام العنف.

– وما الحل لتجنب ذلك؟

على الزوجة أن تتفهم أن زوجها ليس في حالته الطبيعية، وأن تبعد الأبناء عن والدهم في هذه اللحظة، وأن تتركه بمفرده وتنفذ له إرادته، ولا تضغط عليه وتصمم على الحديث، وتؤجل النقاش أو الحوار لوقت آخر.

– وماذا لو كانت الزوجة لديها مشكلة ما تحتاج لحل؟

في هذه الحالة يجب عليها أن تخير الزوج وتسأله إن كان لديه القدرة على سماعها أم لا، حتى تتجنب تحول النقاش لصورة من صور العنف، وأن يكون النقاش دومًا بعيدًا عن الأبناء تحسبًا لردة فعل غير متوقعة.

– وماذا لو أصرت الزوجة على التحدث؟

هنا عليها أن تتحمل عواقب عدم اختيارها الوقت المناسب، فما فائدة أن نضغط على شخص ونلزمه في اللحظة نفسها على تحمل ما لا يطيق.

– ما نتائج استخدام العنف بكل صوره وأشكاله بين الزوجين على الأبناء؟

العنف سوف ينتقل إليهم كالعدوى، فنجد التعاملات فيما بينهم تتحول لطريقة عنيفة، ويعتقدون أن العنف تعبير عن القوة وبالتالي تصبح تعاملاتهم بالكامل عنيفة، ويخرجون للمجتمع يصدرون ذلك العنف في كافة تعاملاتهم في المدرسة وفي المجتمع، فيصبح العنف طريقتهم وأسلوبهم في التعامل. لذلك كان على الوالدين مراعاة النموذج الذي يتعاملان به أمام الأبناء مع بعضهما البعض ومع الأبناء أنفسهم، وفي كافة التعاملات الإنسانية مع الخدم أو مع المحيطين.

 صورة مصغرة

 – ما سبب ارتفاع نسب استخدام العنف في المجتمع مؤخرًا؟

ما يظهر في المجتمع الخارجي هو صورة مصغرة لما يحدث داخل البيت، فما يجده الأفراد من عنف داخل بيوتهم يخرجونه للمجتمع، ومن خلال خبرتي الشخصية في المجتمع الكويتي فإن المشكلة الأساسية تكمن في عدم قدرة أفراد المجتمع في التعرف والتعامل الصحيح مع مشاعرهم وإدارتها والتحكم فيها، ونتيجة للجهل بكيفية إدارة المشاعر تتحول تلك المشاعر التي لم يتم التعامل معها بالشكل الصحيح إلى إحدى صور العنف.

– وما الحل لذلك؟

على الأفراد أن يرفعوا وعيهم وإدراكهم بمشاعرهم وكيفية إدارتها والتحكم فيها وكيفية تطبيق ما تعلموه عمليًا، فكثير للأسف يقرأون عن إدارة المشاعر والتحكم فيها ولكنهم يعجزون عن تطبيق ما قرأوه في الحياة العملية حين يتعرضون لموقف، لذا لا بد من خوض ورش عمل وندوات يمكن من خلالها معرفة كيف يمكن تطبيق ذلك بشكل عملي.

– كيف؟

كثير من الأشخاص ليس لديهم فكرة عن إدراك المشاعر التي تمر بهم، وكيفية التعامل الصحيح معها في الموقف، فحين يتعرضون لانفعال عاطفي أيّا كان نوعه، فإنهم لا يعرفون تطبيق ما تعلموه وقرأوه وهذا يظهر جليًا لدى عدد كبير من الناس بشكل واضح حين يتعرضون لموقف يثير لديهم مشاعر الغضب، فإن ردود أفعالهم تتحول إلى صراخ أو تكسير ما يجدونه أمامهم. وللأسف فإن قبول الأسر والمجتمع لهذه الصور الخاطئة لترجمة المشاعر تجعلها أمرًا مألوفًا واعتياديًا.

– وما خطورة ذلك؟

عدم القدرة على التحكم في الانفعال وردود الأفعال تتحول لعنف أو سلوك سلبي لا يقتصر أثره على الشخص نفسه بل يمتد ليضر ويؤذي أفرادا آخرين كما حدث في حوادث القتل السابقة، والنتيجة هي إزهاق روح إنسان وضياع مستقبل الجاني.

– هل تقتصر آثار العنف على الشخص نفسه؟

آثار استخدام العنف سوف تمتد لتشمل المجتمع بالكامل، فحين تكثر تلك الجرائم فإن ذلك يفقد الأمن في المجتمع، ويثير الخوف والرعب في نفوس الناس.

– وما دور المجتمع في ذلك؟

يجب أن تكون هناك وقفة مجتمعية لتثقيف ورفع الوعي لدى الأسر وجميع أفراد المجتمع بخطورة استخدام العنف في المجتمع بكافة شرائحه، فعلى كل أسرة أن تلتفت لخطورة العنف وتقوم بتوعية أفرادها خاصة فئة الشباب في سن المراهقة، فكيف يمكن لشباب أن يسيروا حاملين أدوات حادة معهم ويكون ذلك في غفلة من أسرهم!

حماية أنفسنا

– في ظل مجتمع أصبح مليئا بالعنف كيف يمكن أن أحمي نفسي وأبنائي من التعرض لإحدى صور وأشكال العنف؟

حين نتعلم بالفعل ونطبق ما تعلمناه في كيفية إدراك مشاعرنا والتحكم فيها وإدارتها وطرق التواصل الصحيحة مع الآخرين في هذه اللحظة، سنكون استطعنا حماية أنفسنا، وفي الوقت ذاته تعليم الأبناء لنفس تلك المبادئ فهذا كفيل بحمايتهم هم أيضا في حالة تعرضهم لأي موقف.

– كيف؟

لأنهم بتعلمهم لتلك الأمور نكون قد منحناهم الخبرة والمعرفة لكيفية قراءة الموقف والتنبأ بسلوك الطرف الآخر، ومعرفة الطريقة الصحيحة للتواصل أو الانسحاب من الموقف. فليس كل انسحاب يعني ضعفا بل على العكس الانسحاب مع أفراد يعانون من الجهل، ويعتنقون معتقدات خاطئة عن استخدام العنف هو أنسب سلوك نسلكه معهم.

– ولكن كيف يتعامل الشخص مع المواقف الاستفزازية؟

هناك ثلاث طرق للتعامل مع المواقف الاستفزازية:

الحل الأول: النزول والرد على الاستفزاز بمثله واستخدام العنف ويشكل هذا حلا كارثيا.

الحل الثاني: السكوت والانطواء والهروب والشعور بشعور الضحية، ونتائج هذا الحل إصابة الشخص مستقبلا بالأمراض العضوية لأنه قام بكبت مشاعره ولم يتعامل معها بالشكل الصحيح.

الحل الثالث: يكون بتجاهل الموقف.

– كيف؟

لا نقصد بالتجاهل السكوت كما في الحل الثاني بل التجاهل بعد المواجهة وتوضيح المقصد للشخص الآخر بأنه لا يحق له التصرف بمثل هذا السلوك، وتوضيح الاعتراض بأسلوب يعبر عن الاحترام ومن ثم ترك الشخص وتجاهله.

– وما فائدة ذلك؟

 حين يسجل المرء اعتراضه وعدم رضاه عن سلوك شخص ما تجاهه فإنه يحدث تفريغ لمشاعره الداخلية، ولأنه شخص يحترم ذاته ولا يقبل لها الإهانة فهو يعترض ولكن لن يرد على سلوك الشخص بمثله، فالتجاهل ليس معناه الهروب. وأفضل وسيلة للتعامل مع الاستفزاز تكون برسم الحدود بشكل صحيح مع الأشخاص منذ البداية.

الثقة بالنفس

– كيف يمكن للشباب في سن المراهقة التعامل مع ما يعتقده من ارتباط القوة بالعنف؟

حين نقوم بتربية الأبناء منذ صغرهم على الثقة بالنفس وعلى أهمية لغة الحوار والتواصل الصحيح فسوف يستطيعون التعامل ومواجهة من قد يتهمهم بالضعف، لأنهم في قناعات أنفسهم يعلمون تماما أن استخدام العنف لغة الضعيف ولغة من فشل في الحوار.

– ما نتائج استخدام العنف؟

بشكل عام استخدام العنف اللفظي يتسبب في عدم الشعور بالأمان ويتسبب في جروح قد تجعل الشخص يتحول لشخص سلبي، لأن تأثير الكلمة يظل طويلا داخل النفس.

– وماذا عن العنف الجسدي؟

من المحتمل أن يفقد الشخص حياته، أو يتسبب في موت شخص آخر. وفي النهاية فهناك كارثة سوف تحدث على كل المستويات سواء للجاني أو المجني عليه، بالإضافة أن العنف الجسدي يولد مشاعر الكراهية والرغبة في الانتقام، خاصة حين يترك العنف آثارًا على البدن، فكلما نظر لتلك الآثار تذكر الموقف.

– وماذا عن آثار العنف النفسي؟

آثار العنف النفسي هي الأسوأ على الإطلاق، لأنها تتسبب في تدمير داخلي وتمتد لفترات طويلة أو قد تستمر آثارها مع الشخص للعمر بأكمله، وإذا لم يتم التعامل مع آثار العنف النفسي وإصلاحها فقد تتسبب وتتحول لأمراض نفسية.

– كلمة أخيرة دكتورة ماريا.. فماذا تودين أن تقولي؟

الخلاف أمر وارد وطبيعي بين البشر، ولكن لا يجب أبدا وضع نوايا شخصية وخاصة في حالة الخلافات، بالإضافة لأهمية دور الأهل في الالتفات للأبناء وغرس القيم والفضائل والأخلاق في نفوس أبنائهم، وترسيخ مبدأ أن العنف دليل على الضعف وفشل إدارة حوار مع الطرف الآخر، فيجب أن نعيد مفاهيم تواصلنا مع الآخرين، ونجعل عقولنا وأفكارنا تسبق أيدينا وألسنتنا لأن العقل هو الميزة الإنسانية في البشر.

اخترنا لك