قراءة في أوراقها وذكرياتها الحلقة الأخيرة وردة: الغناء هو حياتي والحجاب علاقة خاصة مع ربي

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

شرود في المكان.. بساطة.. أناقة.. قليل من الخوف.. أصابع تتحرك ببعض العصبية. ضحكة من القلب المرهق.. لفتات فيها كبرياء.. دمعة هاربة على الخد.. شجن يحوم حول الإحساس.

وها هي وردة تتعطر بالكلمة وتحكي صورا لا تغادر وجدانها، إنها تنزع الشوك من مشاعرها بنفس الرقة التي تنزع فيها قلوبنا من مكانها حين تغني. مثل كل فنان اتكوت وردة بنار الشائعات.. شائعات أرادت أن تنال من مساحة نجاحها وحجم نجوميتها وقيمة تاريخها.. شائعات كانت تسمعها فتضحك لأنها تخاصم الحقيقة، وشائعات أخرى كانت تسمعها فتبكي لأنها توجه رصاصة إلم إلى كيانها، وفي كل مرة تتعامل وردة مع الشائعة باعتبارها ضريبة؛ عليها أن تدفعها.. من صحتها أحيانا.. ومن أحلامها احيانا.. ومن واقعها غالبا، فوردة في كل لحظة لا تنسى أنها كنجمة جزء من واقع فني يفرض عليها شروطه، وعليها أن تقبل هذه الشروط، وتستسلم لها بدلا من أن تناقشها وتتأملها بدلا من أن تتمرد عليها،

ومن الشائعات التي حامت حولها كثيرا تلك الشائعة التي ترددت عن كراهيتها للعندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، وغيرتها من الألحان التي قدمها له الموسيقار بليغ حمدي.

عندما لحن لي بليغ حمدي تعامل مع صوتي وإمكاناتي الفنية، وكانت ألحانه لا تصلح إلا لي، ولم أتدخل أبدا في موسيقى بليغ إلا عندما كان يلحن لعبدالحليم، الذي كنت أحبه جدا وأحرص على نجاحه مثلما أحرص على نجاحي، ومن أجمل الألحان التي أحبها للاثنين “أي دمعة حزن لا”.

*ذكر المنتج الراحل مجدي العمروسي في مذكراته أنك سبب في الخلاف الذي حدث بين بليغ وحليم؟

لم يحدث هذا الخلاف أبدا، وأذكر أن آخر حفل لحليم كان يغني فيه أحد ألحان بليغ، وسهرت معه في بيتنا حتى الفجر وكنا نتابع الحفل.

تصمت لحظة.. ثم تقول: سأعترف لك بسر.

*ما هو؟

أنا اللي اخترت بدلة عبدالحليم في هذا الحفل، وعلى فكرة احنا كنا نحب دايما نغيظ بعض لكن بحب، كنا نشاكس بعض في إطار من الصداقة الجميلة، مثلا بعدما غنيت أغنية “ولاد الحلال” عاتبني وقال لي: ازاي تغني للنميمة؟

فرددت عليه وقلت: يا سلام اشمعنى انت تغني للقمر، وكنت أقصد أغنية (نبتدي منين الحكاية)، ويوم رحيل حليم أحسست بألم فظيع وانهيار كامل مثلما انهرت يوم فقدت أشقائي، حليم كانت إنسانيته تفوق موهبته الفنية وهذا سر حب الدنيا كلها له.

فى مطلع الستينيات أيام الوحدة بين مصر وسوريا والمشير عبدالحكيم عامر وزير الحربية كان وقتها عائد لدمشق بعد رحلة فى مصيف بلودان، وكانت وردة أيضا في طريقها لدمشق لكن سيارتها تعطلت فأمر المشير بتوصيلها إلى المكان الذي تريده، وكانت وردة حينئذ غير معروفة في مصر لكنها عرفته بنفسها وشكرته، ووصل تقرير سري بما حدث لمكتب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وانتشرت وقتها شائعات بوجود علاقة بين وردة والمشير، فصدر قرار بإبعاد وردة خارج البلاد ومنعها من دخول مصر، ولم ترجع إلا في مطلع السبعينيات خلال حكم الرئيس الراحل أنور السادات.

منذ أسابيع قليلة؟؟؟ شعرت وردة بغضب شديد بعد أن تناقلت بعض المواقع الالكترونية خبر موتها، وهو ما نفاه ابنها رياض الذي دأب في الفترة الأخيرة على نفي شائعات من هذا النوع، وكانت وردة ضحية أيضا لشائعة تقول؛ إنها اعتزلت الفن وارتدت الحجاب، وأكدت أنها لن تعتزل الفن ما دامت على قيد الحياة، وأنها ستغني إلى أن تلفظ أنفاسها الأخيرة لأن الغناء بالنسبة لها هو الحياة، ورفضت التعليق على موضوع الحجاب باعتباره علاقة خاصة بينها وبين ربها ترفض أن يتدخل فيه أحد.

ولم تكن المرة الأولى التي تتعرض فيها للهجوم، فقد تعرضت لانتقادات قاسية بعد إطلاق ألبومها الأخير، وصلت إلى حد نصيحة الفنان هاني شاكر لها بالاعتزال ما استفز محبيها، وأيضا هاجمها البعض بعد الديو الذي قدمته مع المطرب عبادي الجوهر بعنوان “زمن ماهو زماني” وقالوا إنه لا يليق بتاريخها.

كما عانت وردة أثناء الأزمة الشهيرة بين مصر والجزائر، حيث كانت تشجع بلدها في مباراة كرة القدم الشهيرة التي حولتها لشخص غير مرغوب فيه من بعض النقاد المصريين الذين لم يتوانوا عن مطالبتها بالرحيل من مصر، وهو ما واجهته بالتمسك بإقامتها في القاهرة التي اختارتها وطنا بعد احتراف الغناء.

ظهرت وردة مع الإعلامية رانيا برغوثي على شاشة قناة MBC في برنامج “هذا أنا”، وفي الحلقة عبرت عن خوفها من الموت وحبها الشديد للحياة، مشيرة إلى أنها تريد أن تكون أصغر لأنها تشعر الآن أنها مقيدة ومحبوسة داخل جسدها، وقالت: لا أريد أن أعجز ولا أريد أن أفكر في النهاية، فبعد عملية القلب المفتوح أحسست أنني مشتاقة للحياة أكثر، وأحب أن أنظر للسماء وأرى الأشجار والعصافير، لقد زاد حبي للدنيا خاصة أنني مازلت أغني رغم أن الأطباء قالوا لي بعد عملية زرع الكبد أنني لن أستطيع الغناء مرة أخرى.

لعبة الأيام.. لم تكن مجرد أغنية في مشوار وردة، كانت واقعا عاشته ومباراة خاضتها وهزيمة أرادت أن تتربص بها، وانتصارا نجحت في تحقيقه، ربما أحست وردة – كثيرا- أنها لا تجيد فنون اللعب مع أيامها؛ لكنها كانت تملك ما هو أهم.. أحلامها، تلك الأحلام التي صنعت لها عالما خاصا تحقق من خلاله ذاتها، وتعبر عن كيانها وتفسر مشاعرها.

وأثناء المباراة الطويلة مع الأيام زارتها الدموع وجاءها الندم وفأجاها النجاح، ولأن هناك قاعدة إنسانية تقول: إن الإنسان لا يتذكر ماذا أعطى وإنما يتذكر دائما ما الذي أخذ منه.

فها هي وردة.. تتذكر

“كانت أسوأ محطة في حياتي هي ابتعاد أولادي عني مدة 8 سنوات عندما انفصلت عن والدهما جمال قصيري، وتزوجت بليغ حمدي وجرفني تيار الفن وعشقي للغناء.. أعترف لك الآن أن هذا الموقف كان أصعب قرار في حياتي، وبعد مفاوضات كثيرة كان زوجي يوافق على سفري لمدة شهرين أرى فيهما أولادي وأعود لمصر. كنت أحس أنني أما (مجرمة) خاصة أن الجميع يقولون لأولادي: أمكم تركتكم علشان الفن.

* من لعب أكثر مع الآخر أنت أم الأيام؟

لم تكن لعبة وإنما كفاح، كافحت وتعبت وشقيت وفي النهاية نجحت.

* ممكن تنامي ووردة زعلانة منك؟

سؤالك صعب لكن حلو.. سيبني أفكر.

وبعد لحظة أكملت: لا ما أقدرش أنام وهي زعلانة. ما قدرش أعمل حاجة غصب عنها مهما كان الثمن.

*غنيت “مش ح اتغير” فهل هي فلسفة حياة أم مجرد عنوان أغنية؟

مستحيل أتغير ولو تغيرت الظروف التي حولي أحاول أتأقلم معها حتى لا أكون نغمة نشاز.

*أنت ذكية؟

لا ومن السهل جدا خداعي.

*ما أقرب آلة موسيقية لقلبك؟

العود.

*متى يعلو صوتك غضبا؟

الآن ما أقدرش لأن الأطباء نصحوني: ممنوع النرفزة والعصبية.

*من صاحب السلطة في التوقيع على قرارتك: عقلك أم قلبك؟

قلبي رغم وجعه.

*متى تشعرين بالرغبة في العزلة المؤقتة؟

إذا تعب (مخي) من التفكير أذهب لباريس أفرغ شحنة التوتر الداخلي.. أمشي في الشوارع.. أشتري كتبا.. أدخل سينما.. أرسم.. أعيش على طبيعتي إلى أن أعود لحالتي.

*متى يهرب العطر من الوردة؟

الوردة عطرها فيها مهما حدث.

*ومتى تذبل؟

الوردة الحقيقية لا تذبل أبدا.

لكن يبدو أن كل الورود قدرها أن تذبل.

فلقد شعرت وردة بالدوار وعدم الاتزان مع هبوط حاد في الدورة الدموية، وهذا الدوار يزورها من حين لآخر بعد أن أجرت عملية زراعة فص كبد، وبعد أن قامت بتركيب جهاز لتنظيم ضربات القلب، وبمجرد أن أحست بالتعب ذهبت إلى غرفتها للنوم كعادتها ظهر كل يوم عقب تناولها طعام الغداء، وخلال تلك الفترة اتصل بها الإعلامي وجدي الحكيم.. كان يريد أن يعرف المزيد من التفاصيل عن المفاجأة الغنائية التي تحضرها للاحتفال بميلاد الثورة الجزائرية ومرور 50 عاما عليها، أبلغته سكرتيرتها نجاة أنها نائمة.. ساعة وساعتان وثلاثة ما زالت الوردة نائمة.

دخلت نجاة لتوقظها:

اصحي يا مدام.

وردة راقدة لا تتحرك.. قلبها توقف.. هذا القلب الذي يسكن كل القلوب لن يعود ينبض بعد الآن، فلقد رحلت في هدوء وردة الحب الصافي.

اخترنا لك