نجوم اليقظة وردة: كنت أوزع المنشورات وأنا طالبة صغيرة

ورحلت وردة الغناء العربي.. ذبلت أوراق عمرها ليبقى في الوجدان عطرها.. انتهت حكايتها مع الزمان بأزمة قلبية في منزلها، سكتت إلى الأبد الحنجرة التي عزفت على مشاعرنا وعبرت عن عواطفنا. تركتنا وردة بعد أن صارت بفنها واحدة من أهم وأبرز مطربات العالم العربي على امتداد نصف قرن من العطاء المتواصل.

كانت أرق وأجمل زهرة في بستان الغناء.. كانت صوت الفرحة ورنة الشجن وإيقاع الصدق.. كانت تغزل من موهبتها أغنيتها الخاصة وأسلوبها المتميز، وفنها الذي يحمل بصمتها عبر مشوارها الطويل. وتركت لنا ثروة من الإبداع 400 أغنية و70 ألبوما و6 أفلام و3 مسلسلات وأوبريت غنائي.

وفى هذه الأوراق ذكريات، حوار طويل مع وردة تحدثت فيه عن حياتها ومشوارها والأشخاص الذين طبعوا بصماتهم على روحها وعقلها وقلبها.

المكان: مطعم صغير في شارع ستيفنسون بباريس

تدخل طفلة بملابس المدرسة.. ملامحها تخاصم الابتسامة.. تنظر حولها في ضيق وهي تهرول مسرعة، لتصعد إلى شقتها في أعلى المطعم.

تتسلل إلى غرفتها المليئة بالزهور والفراشات واللوحات، تجلس إلى مكتبها وتفك ضفيرتها وتفتح حقيبتها ثم تخرج مجلة وتتصفحها بشغف يطل من عينيها. تشرد بعيدا في لحظة حلم خاطفة ترى فيها نفسها وهي تغني، بمجرد أن غنت زارت الابتسامة شفتيها.

الآن.. في رأسها. تبدو الصورة هكذا..

الناس تسمعها.. تعجب بها.. تصفق لها

حتى جدران الغرفة تتمايل على صوتها بينما تنطلق حنجرتها بالغناء لأسمهان وفريد الأطرش.

الآن. قلبها يدق. حلمها يكبر. مشاعرها تشرق

الآن.. لم يعد في عقلها سوى فكرة واحدة، مشروع واحد، مستقبل واحد، حلم واحد، إنه الغناء.

إن الوقت يمضي وهي ما زالت مغمضة العينين. تغني في سرها وصلة واثنين وثلاث، وبدلا من أن تسمع تصفيق الجمهور تفيق على صوت أخيها مسعود وهو يقول: يا وردة… اصحي.

تضحك وردة بعد أن ذكرت هذا المشهد وعلقت قائلة: كنت طفلة عدوانية والبعض كان يطلق علي لقب الشرسة.

والسبب تلك النصائح التي كانت تحاصرني من والدي ليلا ونهارا بأن أكون جادة و لا “أهزر” مع أي شخص، وهذا ما جعلني منطوية على نفسي وفي حالي، كان أبي يخاف علي من زبائن المطعم الذي يملكه، وكان يريد أن أظل بعيدة عن عيون الناس، ولو طال أن يضعني في قمقم لفعل.

وقتها كانت والدتي مريضة بالسكر، وكنت أسهر على علاجها وراحتها في الوقت الذي افتقدت فيه (حضنها) افتقدت دفء الأمومة الذي قضى عليه المرض، وحرمني منه، فأراد أبي أن يعوضني عن هذا الحنان والحرمان، لذلك كنت (مدللة) جدا بين إخوتي حميدو ومسعود وكمال ونادرة،

معظم أوامري فرمان يجب تنفيذه، فأنا آخر العنقود والفرق بيني وبين أختي نادرة 20 عاما.

كانوا يسمونني الطفلة المعجزة لأن مجيئي كان صدفة لم يتوقعها أحد، والشيء الغريب هو شعوري أني مازلت طفلة حتى الآن.

مثلا أمس شاهدت فيلما بطولة (بامبى) وهو أحد شخصيات والت ديزني، وبكيت بشدة في المشهد الذي يقتل فيه الصيادون أمه بينما هو يصرخ: ماما!

هذا المشهد ذكرني بأسوأ لحظة في حياتي حين تركت أولادي في الجزائر وجئت لأغني في مصر، كنت أتمزق بين مشاعر متناقضة وأحاسيس حائرة، ولم أجد شاطئ الراحة الذي أستقر عنده.

كانت دموعي هي صديقتي، وكنت أموت في اللحظة مائة مرة شوقا لسماع كلمة (ماما) التي فصلتني عنها آلاف الأميال.

* ما أهم قيمة تعلمتها من والدك؟

الحنان رغم الظروف الصعبة التي مرت به،

ظروف جعلته صلبا ولم تكسره، منحته القوة ولم تحرمه من الرقة، قدمت له التحدي وحافظت بداخله على الحب.

نعم.. الحب، علمني حب مصر وحب عبدالناصر وحب الوطنية والعروبة. كان وجودي في باريس يجعله في حالة (رعب) من أن أفقد هويتي العربية أو جذوري الشرقية.

أذكر عندما غنيت أوبريت (وطني الأكبر) أني عشت في حالة ذهول لمدة دقائق عندما صافحت الرئيس عبدالناصر.. نظرت في عينيه ونسيت الكلام، كنت أراه الزعيم الذي نجح في توحيد القلوب حول محبته.

وحين قال لي: أهلا بالجزائر شعرت بالفخر لكوني من بلد له تاريخ في النضال.

* هل تذكرين أول مرة غنيت فيها؟

كان عمري 11 عاما، وكانت حفلة للأطفال على أحد مسارح باريس، وبمجرد أن اقتربت من الميكروفون فقدت النطق تماما، فبكيت وصفق لي الجمهور لتشجيعي، إلا أنني شعرت بالإحباط ولا أدري سر هذا (الصمت) الذي أصابني رغم أنني أغني في بيتنا زي (العفريتة).

* ومتى بدأت تستردين ثقتك في نفسك أمام الجمهور؟

بعد أن انتقل والدي لمطعم آخر تخصص في تقديم أطباق (الكسكسي)، وكان فيه تخت شرقي غنى عليه كبار المطربين، مثل محمد فوزي وفريد الأطرش ونور الهدى، فكنت استأذن والدي وأغني مع هؤلاء المطربين.

وأذكر أني غنيت مع فريد الأطرش (يا جميل يا جميل)، وكنت من عشاق أفلامه خاصة التي مثلها مع سامية جمال. وأيضا كنت مدمنة أفلام نور الهدى.

وعلى فكرة أنا كنت أغني مثل (البغبغان) بلا إحساس أو انفعال، لأني طفلة لا تفهم معنى كلمات الحب التي تقولها.

وفي يوم أغلقت سلطات الاحتلال المطعم بعد أن اتهموا والدي أنه يتعاون مع الفدائيين، واكتشفوا وجود أسلحة في المطعم.

الطريف أن والدي كان يعطيني منشورات لأضعها في حقيبة مدرستي وأوزعها دون أن أدرك مغزى ما أفعله. وكان يلجأ إلى هذه الحيلة لثقته في أنه لن يفتشني أحد.

* وماذا بعد ذلك؟

سافرنا بيروت – بلد والدتي – وافتتحنا مطعما في طانيوس، وكان يزوره عشرات من نجوم الفن والغناء في العالم العربي، وهناك التقيت الموسيقار محمد عبدالوهاب الذي غنيت له (هان الود) و(خي خي) فقال لي: صوتك حلو.

وبمجرد أن سمعت هذه العبارة لم أتمالك نفسي من الفرحة، وظللت أرتعش لمدة نصف ساعة، وعندما غنيت أغنية عن المجاهدة الجزائرية جميلة بو حريد سألني عن ملحنها فقلت له: عفيفي رضوان.

فقال لي: هذا الملحن استطاع التعبير عن صوتك بصورة صحيحة، وأنت لازم تيجي مصر.

وكانت أغنية “اسأل دموع عينيه” هي أول تعاون بيني وبينه في فيلم ألمظ وعبدالحامولي للمخرج حلمي رفلة.

وعندما اشتركت في أوبريت (وطني الأكبر) لم يكن هناك كوبليه خاص بالجزائر، إلا أن الحكومة المصرية طلبت إضافة هذا الكوبليه، وكانت هذه المعلومة أسمعها لأول مرة من عبدالوهاب.

*: ماذا تقولين عن عبدالوهاب؟

المدرسة التي تعلمت منها الفن والبروتوكول والجدية والذكاء في التعامل مع الناس.

كل لحظة جلستها معه اكتسبت فيها شيئا جديدا، وكان له الفضل في إعادة صياغة طريقة غنائي بعد أن نصحني بقراءة القرآن بصفة مستمرة،

كما تعلمت منة الهدوء، فأنا أنتمي لمنطقة جبلية في الجزائر في ولاية قسطنطينة، وهذا الانتماء طبع على شخصيتي الجدية والصرامة في التعامل.

تعلمت منه كيف أكتم انفعالاتي، ولا أبوح بما يغضبني، وأن أضبط ترمومتر مشاعري.

* كان عبدالوهاب يقول إنك خليط من ثقافات عديدة وإن حنجرتك (مثقفة)؟

الحمد لله فأنا من أوائل الذين قدموا الأندلسيات بكل ما تحمله من تراث وفكر وتاريخ.

* ورياض السنباطي؟

لم يحبني مثلما أحبني عبدالوهاب.

* لماذا؟

كان يريد مني الأداء الكلثومي فرفضت، بعكس عبدالوهاب الذي عاملني بشخصيتي التي تضم الجزائر وفرنسا، وصنع لي أسلوبا مميزا بألحانه وجعلني لا أشبه أحدا.

* قالت الصحافة على لسانك إن بليغ حمدي بالنسبة لك ليس بدرجة الأهمية التي شكل بها عبدالوهاب وجدانك؟

عبدالوهاب أستاذي، أما بليغ فكان زوجي، وعلاقتنا الخاصة كزوجين جعلتنا نختلف كثيرا، فأسلوبه في الحياة لم يكن يرضيني.

لكن عبدالوهاب علمني أشياء كثيرة وكنت ألجأ إليه في كل مشاكلي.

وبليغ كان من الصعب أن يعطيني أذنه لأن نزواته كفنان جعلت له (شطحات) لم أحتملها، فانفصلنا بهدوء واحترام وحب.

وصمتت وردة.. أغلقت أوراقها في لحظة غفوة قصيرة، حصلت على إجازة مؤقتة من الاعترافات، وتوقف جهاز التسجيل في انتظار الوصلة الثانية.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك