كتاب اليقظة

فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني

نجيب محفوظ في زمن الـ”تويتر”

كنت صغيرا في الإسكندرية، حين عرفت أن الأستاذ نجيب محفوظ يجلس على مقهى “ديليس” على البحر في محطة الرمل.

لشخص مثلي يحب الكتابة، ويشتري الكتب القديمة رخيصة بقروش من على أرصفة شارع النبي دانيال، أغلبها كتب لروايات تحتل أغلفتها اسم نجيب محفوظ: “القاهرة الجديدة، ميرامار، الحرافيش، أولاد حارتنا، خان الخليلي، السمان والخريف”.. كيف لا أسعي للقاء الأستاذ في مقهاه العجوز؟

تحرياتي الطفولية أثبتت أن الأستاذ نجيب محفوظ يذهب إلى هذا المقهى صباح كل يوم من الثامنة حتى العاشرة، يطلب فنجانا من القهوة المضبوطة، يقرأ الصحف بتأنٍ وحرص، بمتعة أيضا، يشعل سيجارة “كنت” لا يشرب إلا نصفها، ثم يشرب بعض قهوته باردة، ثم يطلب فنجانا ثانيا.. يشرب نصفه- وقد انتهى من قراءة الصحف- وهو يتأمل منظر البحر من بعيد.

ينصرف الأستاذ في العاشرة مودعا الجرسون خريستو، جرسون يوناني يشبه أنور وجدي في فيلم “غزل البنات”، يتمشى من البحر حتى شارع بورسعيد مسافة ساعة زمن لرجل عمره ستون عاما؛ يرتدي بزة مخططة كاملة ينقصها رابطة عنق.

نفس المائدة لا يغيرها.. طاولة مستديرة لها كرسي مريح وعميق كأنه منزوع من صالون قديم.

للرجل وجه أسمر مشدود، يلمع تحت إصراره على الابتسامة التي لا تفارقه، جلست على مائدة قريبة منه في اليوم الأول للقائه، طلبت من الجرسون “خريستو” قهوة مضبوطة.. كانت هذه هي المرة الأولى التي أشرب فيها القهوة في حياتي على مقهى، تجاربي السابقة مجرد فناجين متباعدة من يد أمي.

إن المشهد يستحق أن يدخل التاريخ.. حين ينحني أمامك “خريستو” ببزة بيضاء ناصعة وببيون أسود حرير، ليضع على مائدتك صينية مستديرة تحمل كنكة قهوة نحاس لامعة وفنجان أبيض طبع عليه اسم “ديليس”.

على مسافة عشرة أمتار يجلس الأستاذ نجيب محفوظ، كما أراه في صورته المنشورة بالأهرام.. كما أراه في صوره المطبوعة في مجلة آخر ساعة، وهو يحكي مذكراته لجمال الغيطاني.

أستطيع من هنا، ليس فقط مراقبته، إنما التأكد بالفعل من أنني أمام رجل مختلف، رسمت العبقرية وإصراره على الإبداع عروقا نافضة على جنبي رأسه وظهر يديه.

لقد قطعت المسافة بين مقعدي ومقعده بعد ذلك في ثلاث أسابيع.. كنت أخجل في كل مرة أقرر أن أتكلم معه أن أقطع هذه الخلوة التي ينفرد فيها الرجل بنفسه، كان قد كتب مقالا في الأهرام واصفا رحلته السنوية إلى الإسكندرية، التي تبدأ في يوليو وتنتهي في اليوم الأخير من سبتمبر، إنها رحلة النقاهة والبقاء في الحياة، هو لا يسافر ـ ولم يسافر ـ إلا إلى الإسكندرية، قدرته على السفر لا تتجاوز ستة ساعات في السنة هي بالضبط المسافة بين القاهرة والإسكندرية والعودة.

فلماذا يضحي بخلوته.. من أجل شاب غريب أقرب إلى الطفولة يجلس يوميا على مسافة عشرة أمتار ينتظر فرصة أن يتكلم معه؟

هل تريد أن تكلم الأستاذ؟

قالها لي الجرسون “خريستو”، وهو يقبض مني ثمن القهوة قرشا قرشا.. قروشي القليلة هي كل ثروتي التي أضعها وأضيعها كل يوم على مائدة “ديليس”.

قلت: بكل تأكيد.. نعم.

ومنحته قرشا زيادة عن ثمن القهوة.

قال لي وهو يعيد قرشي الزائد إلى كف يدي الممدودة: غدا.. أعرفك به.. الأستاذ صاحبي.. ولا يرد لي طلبا!

أين أنت “خريستو” هل عدت إلى وطنك الأم؟

بعد كل هذه السنوات، أتمنى لو أجد “خريستو” لأشكره على أنه أوفى بوعده، جلست إلى الأستاذ على مائدته بسهولة لم أتصورها، قدمت له نفسي، وقدمت له أوراقا كثيرة كتبتها كقصص قصيرة، كلنا في هذا العمر نكتب ونتصور أن ما نكتبه هو انقلاب أدبي مدهش، طوى الأستاذ أوراقي، ووعدني بلقاء آخر، طلب لي فنجان قهوة بناء على رغبتي، ومنحني فرصة أن أسلم عليه كل يوم إذا أردت وكنت حاضرا في مقهى “ديليس”.

نظر في ساعته، شرب نصف فنجان قهوته، أحرق نصف سيجارته ثم أسقطها في كوب ماء، وانصرف.. بينما أنا في دهشتي، جاء لي “خريستو” بورقة.

ـ الحساب.

ـ الأستاذ عزمني على القهوة.

ـ قال “خريستو” ضاحكا: الأستاذ ما بيعزمش حد، لو عزم كل واحد سلم عليه.. معاشه من الحكومة مش هيكفيه عيش حاف.

الأستاذ يقبض معاشا من الحكومة، ومكافأة من الأهرام على مقالاته، وجنيهات قليلة من الناشرين لا تكفي الصحف التي يشتريها، فمن أين يدفع لمعجبيه ودراويشه ثمن فناجين القهوة اليومية؟

كان ذلك قبل أن تهبط عليه ثروة جائزة نوبل، ونصفها- على ما أظن- وضعها في وديعة تذهب فوائدها للمحتاجين من الفقراء.

في يوم لاحق، أجلس إلى مائدة الأستاذ نجيب محفوظ، فيناولني نفس المظروف الأصفر الذي وضعت فيه أوراق قصصي القصيرة، يقول لي بكل احترام: تفضل.. هذه قصصك وتعليقي عليها، لعلني أكون مفيدا لك في مشوارك.

أترك الأستاذ خلفي، وأفتتح مظروف العمر، فأجد مقال طويلا بقلم حبر رفيع صغير يكتبه عن كل كلمة كتبتها، عبقرية الرجل لم تكن في قدرته الفذة والمنفردة على كتابة الحال المصري بعمق، إنما بتواضعه في علاقاته بالجميع.

ظلت علاقتي بالرجل، على الرغم من نقده القاسي لما كتبته، فقد كان درس عمري الأول، جعلني أخاف على كل كلمة أكتبها، ومن كل كلمة أكتبها، الكتابة تبدو عملية سهلة، لكنها ليست كذلك، إذا أضفنا لها فكرة أن كل كلمة نكتبها تظل خالدة لا تموت، تغير حياة إنسان، ربما تربكه أو تسقطه أو تحبطه أو تدفعه إلى الموت.. وربما بسببها يتحول إلى إنسان مهم.

إنني- بعد 25 سنة- أتخيل ماذا لو كان الأستاذ نجيب محفوظ على قيد الحياة في زمن التغريدات على تويتر والعبارات المألوفة على فيس بوك، ماذا؟

هل كان سيكتب على فيس بوك، أم يغرد؟

هل كان سيتخلى عن قلمه الحبر وورقه الصغير وساعات كتابته المحددة؟

هل كنت في احتياج إلى طاولة قريبة وفناجين قهوة وخريستو؟

هذه قصة من زمن جميل، زمن بسيط، زمن الأمل، زمن المسافات القصيرة بين الناس وبعضها، زمن يمكننا أن نحب بعضنا دون وسيط.. دون خوف.. دون شاشة كمبيوتر.