فنجان قهوة بقلم يسري الفخراني

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني

أول مليون دولار في 24 ساعة!

الأكاذيب الملونة.. تحتل حياة الناس يرفضونها لكنهم يبحثون عنها

مات آلاف المبدعين في صمت لأنهم كانوا يقولون الحقيقة وحدها

يحكى أن مؤلفا مغمورا صنع كتابا وضع له عنوان: “أول مليون دولار في 24 ساعة”، وطرح الكتاب في المكتبات مغلفا بشكل محكم وأنيق، وفي أول 24 ساعة حقق نجاحا مذهلا، باع 120 ألف نسخة ثمنها مليون ونصف المليون دولار!

أما الكتاب نفسه، فقد كان مجرد صفحات بيضاء، كتب المؤلف على الصفحة الأخيرة: أشكرك على تعاونك معي.. كنت في احتياج إلا 13 دولارا منك، ربما لا تساوي عندك شيئا، لكنها تساوي عندي أول مليون دولار في حياتي!

استمتع من فضلك بهذه الصفحات البيضاء، واكتب عليها ما تشاء من وصفات ونصائح وعبارات نجاح، وسوف تؤلف بالنيابة عني أفضل كتاب عن تحقيق الثروة، بينما أنا سوف أستمتع بكتابة قصة حياتي بشكل مختلف، مرة أخرى: أشكرك على مساهمتك البسيطة التي صنعت إنسانا عظيما!

بعض القراء تلقوا النكتة.. بابتسامة ونقلوا الخبر إلى أصدقائهم، اعتبروا الأمر إبداع مؤلف دمه خفيف، ووضعوا الكتاب بصفحاته البيضاء في مكان قريب إلى أيديهم يذكرهم بالموقف الطريف الذي تعرضوا له.

البعض الآخر، قرر أن يصنع المقلب في أصدقائه، فأعاد تغليف الكتاب، وباعه لهم بعشرين دولارا على اعتبار أنه نفد من المكتبات.

والبعض قرر اعتباره بالفعل طريقة مثالية لتحقيق النجاح، فبدأ في كتابة النصائح والتجارب والطريق التي تؤدي إلى الثروة على صفحات الكتاب البيضاء، واعتبروا أن المؤلف قدم لهم خدمة العمر حين أيقظ داخلهم التحدي للفوز والانتصار على الظروف!

والبعض الأخير قرر أن يرفع قضية نصب واحتيال على المؤلف يطالبه بعشرات الملايين من الدولارات كتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم، هؤلاء.. حكم لهم جميعا بدفع غرامة للمؤلف عن إهانتهم له، اتفق جميع القضاة أن المؤلف لم يخدع أحدا.. بالعكس هو مبتكر لفكرة قد تلقى قبولا لدى البعض وتلقى رفضا من البعض!

وعاش جورج صمويل مؤلف كتاب “أول مليون دولار في 24 ساعة” يحاول أن يثبت للجميع أنه كان مشروع روائي موهوبا لكن لا أحد من الناشرين التفت إلى مؤلفاته، كلهم رفضوا حتى قراءة الصفحة الأولى من أي رواية قدمها لهم للنشر، أسس جورج دار نشر ودفع للمكتبات بروايته الأولى، لكنها لم تلفت نظر أحد، باع عددا محدودا جدا من النسخ، كان إحساسه بالصدمة عنيفا، كيف يبيع آلاف النسخ من كتاب له صفحات بيضاء وخمسون كلمة كتبها في خمس دقائق.. بينما روايته التي قضى خمس سنوات لكتابتها لا تحقق إلا عددا قليلا من النسخ!

لكن صدمته تحولت إلى سخرية لاذعة من نفسه، وقرر أن يبتكر طريقة لكي يقبل القراء على روايته، أقنع عددا من النقاد في صحف ومجلات أن يهاجموه بعنف، وأن يذكروا القراء السذج بتجربته الأولى، الكتاب ذو الصفحات البيضاء، وبدأت الصحف تتناول روايته بنقد عنيف وتنشر قصة المؤلف النصاب الذي ضحك على قرائه قبل سنوات وباع لهم آلاف الدولارات، كتابا له صفحات بيضاء!

وبدأت الرواية تحتل المراكز الأولى في المكتبات، القراء يسألون عن رواية المؤلف النصاب، يدفعون 12 دولارا ليعرفوا ما هو الفخ الذي نصبه لهم المؤلف هذه المرة، كيف يضحك عليهم مرة أخرى، قال أحد القراء إلى محرر إحدى الجرائد: 12 دولارا ثمنا قليلا جدا للمتعة، فالحياة مملة جدا ونحن نحتاج إلى من يجعلها أجمل ولو للحظات.

اندهش القراء.. أن المؤلف لم ينصب عليهم، بالعكس قدم لهم رواية مكتوبة بموهبة وعناية، وكتب نقاد محترمون عنها: إنها رواية تستحق القراءة.. فهي نص أدبي رفيع المستوى يصل إلى قمم الأعمال الكبيرة!

وسقط توزيع الرواية بعد أن شاع خبر أنها رواية جيدة!

قال قراؤه في تحقيق نشرته صحيفة التايمز: الروايات الجيدة الجميلة كثيرة.. لكن المؤلف جورج صمويل بقفشاته وجرأته لم يكن إلا مؤلفا واحدا متميزا. كنا نريد منه أن يفاجئنا كل سنة بفكرة تدهشنا.. وليس برواية تمتعنا!

ونسي القراء صمويل جورج الأديب.. وتذكروا صمويل جورج النصاب.

وأحس صمويل بالصفعة والألم.. شعر أن الدائرة التي كان يتمنى الحياة فيها ضيقة للغاية، تخنق أنفاسه وتقتله.

لكنه بعد فترة قرر أن يصفع الناس مرة أخرى، فكتب قصة قال إنها حقيقية، عن رجل يسكن في قرية فقيرة ويتزوج كثيرا وينجب أطفالا كثيرة.. لكنه يأكلها!

“الأب الذي يأكل أطفاله بشراهة”.

ومرة أخرى عاد يرجو النقاد أن يلعنوا روايته.. وفعلوا

وقفزت الرواية إلى المراكز الأولى.. وكتب نقاد محترفون: الرواية أسوأ ما يمكن أن يكتبه إنسان، لقد أبدع صمويل في روايته الأولى.. لكنه يعود ليثبت أنه مجرد نصاب لا يعرف كيف يكتب كلمة.. قل لنا يا صمويل من كتب لك روايتك الأولى أيها اللص؟

وانتشرت الرواية حتى أصبح وجودها في المكتبات نادرا، وعرضت شركات هوليوود على المؤلف تحويلها إلى فيلم، وحصل على جائزة من إحدى الجمعيات: أسوأ رواية.. أكثر انتشارا.

لكن ما لم يتوقعه، هو أن إحدى المحاكم حكمت عليه بضرورة كشف بطل القصة الأصلي، الرجل الذي يأكل أطفاله.. حتى يقدم للعدالة.

أصبحت قصة الموسم، انتبه الناس أخيرا أن القصة التي تخفي دعابة.. تخفي مأساة، ويجب أن يتحرك الجميع لكي يحرروا الأطفال الذين يأكلهم أبوهم..

وحاصرت المظاهرات الغاضبة منزل جورج حتى يسلم لهم عنوان الأب القاتل الذي ذكره في روايته، لكنه لم يخرج، ولم يفتح نافذة، ولم يضئ حتى شمعة في الغرف المظلمة، وبعد 3 أيام، اقتحم المتظاهرون بيت جورج، فوجدوه منتحرا على كرسي مكتبه، وأمامه أوراق رواية تحكي قصته لم تكتمل، وشيك بمبلغ 10 ملايين دولار تبرعا لكل مؤلف شاب يريد أن ينشر روايته الأولى.

الصحافة صورته ووضعت صوره على صفحاتها الأولى ونشرات الأخبار، الناشرون تصارعوا على روايته التي لم تنشر.. كل واحد يريد أن يحصل عليها.

أما الغاضبون.. فقد جلسوا يبكون المؤلف الذي أمتعهم، مرة بالسخرية منهم.. ومرة بالكذب عليهم، لكنهم في كل الأحوال أجمعوا أن الرجل أضاف لهم بعضا من الإثارة في حياتهم.

الحقيقة في أوقات كثيرة، أو غالبا، باردة جافة لا طعم لها، بينما الأكاذيب الملونة.. تحتل حياة الناس، يرفضونها لكنهم يبحثون عنها.

مات آلاف المبدعين في صمت لأنهم كانوا يقولون الحقيقة وحدها!

اخترنا لك