فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني

يسري الفخراني

قصة حب قديمة على شجرة في المنتزه

نسأل ببراءة أحيانا وبقسوة دائما: أين هو الحب؟

إننا نتكلم عن الحب، مثل كائن أسطوري عاش في زمن الديناصور وانقرض معه، نحتمي بالأسطورة ونحن نصف مشاعرنا، لكن الحقيقة التي يجب أن نعترف بها أننا لا نعرف ما هو الحب؟ ولا ماذا يعني الحب؟ ولا كيف يجب أن نتعامل معه؟

لا نعرف أن الحب أبيض، مثل ملاك نقي، إذا رسمنا عليه خطا بالقلم الرصاص تحول من ملاك إلى وحش يأكل القلوب بشراهة.

على الفيس بوك وعلى تويتر، توضع في الساعة الواحدة 100 ألف كلمة عن الحب، منقولة عن تجارب آخرين، تبدو مثل قالب حديد على المحبين أن ينصهروا فيه لكي يبدو عليهم الحب.

نتكلم ـ إذن ـ عن الحب، أكثر مما نحس به، نستعير مشاعر غيرنا لكي نمثل بها الحب الذي يجب أن يكون تعبيرا صريحا عنا .

في الجامعة، في كل الأشجار التي تحيط بالجامعة، على كل مقعد ومنضدة، تحت كل كوبري، هناك ملايين نقشوا حروفهم الأولى وقلوبا على أمل أن يخلدوا سيرة الحب بينهما، على وعد أن يظل الحب مثل هذا الحفر الذي يدوم ولا يمحوه الزمن، وهم لا يعرفون أنهم حين رسموا حبهم.. اكتفوا بها عن معنى الحب وعمقه وقوته وبقائه.

كثيرا جدا تأملت هذه الرسوم وهذه النقوش .. قرأت مئات الأسماء، سعاد، علي، سماح، أيمن، مني، خالد.. وظل سؤالي: أين ذهب هؤلاء بعد أن خلدوا حبهم على جذع شجرة.

مرة، وجدت على شاطئ المنتزه في الإسكندرية، شجرة قديمة، كتب عليها: هند وسمير .. قصة حب إلى الأبد، صيف 1972، وقفت أتأمل الذكرى الخالدة، وأضع أصابعي على الحروف المحفورة لعلني أشعر بالزمن وبالقصة، لكن السؤال الذي ظل معي لأيام طويلة: أين الآن هند وسمير، وإلى أين ذهبت قصتهما، هل تزوج سمير من هند؟ هل افترقا؟ هل في كل الأحوال مازالا يحبان بعضهما كل هذا الحب؟ من كتب العبارة: هند أم سمير؟ هل اكتشفا أن الحياة يمكن أن تكون رومانسية ناعمة لذيذة بسيطة دافئة جدا بعيدا عن المسؤولية وبالقرب من شاطئ رائع له بحر أزرق ممتد بلا نهاية؟

مازلت أبحث بفضول ورغبة عن هند وسمير، وسط كل وجوه الناس التي أعرفها، لكنني في كل وقت كلما رأيت سيدة اسمها هند لم أجد أن شريكها في الحياة اسمه سمير، والعكس.

ترى أين ذهبت هند وسمير؟ لو كان معك خيال أطلقه، فما أجمل الاستماع إلى صوت الخيال وهو يحكي.

نحن في زمن تتراجع فيه قيمة الحب مقابل قيمة كل ما في الحياة من رغبات جذابة عمرها قصير، ننشغل في حب مع أشياء جامدة لا حياة فيها. نعيش قصة حب مع آي باد أو بلاك بيري أو مسلسل تركي أو بيت جديد أو سيارة بورش حمراء. بينما الحقيقة التي يجب أن نصدقها أننا في احتياج إلى حب حقيقي نعيش معه العمر الذي يمضي، حب إنساني بكل ما فيه من سخونة وحياة ولهفة وشوق وخوف وندم، حب فيه نقاء البحر في سبتمبر وسطوة المطر في ديسمبر وروعة الليل في أبريل. حب.. حب. يبدأ احتياج ويتحول إلى حب ويبقى إلى الأبد ما يسمى: حب.. ما بعد الحب.

إنه الحب. هو الذي يأتي دون موعد.. فيوقظ المشاعر التي نتصورها رحلت عن القلب. وأجمل ما في الحب .. هو الوقوع فيه. وأروع ما في الحب .. العودة إليه.

كل حب وله ظروفه. كل حب وله طريقه الذي يسير فيه. لا يوجد حب يشبه حبا مهما كانت الملامح واحدة . الحب مثل بصمة الأصابع. مثل نظرة العين. مثل روح الإنسان. لا يتكرر ولو تطابقت البدايات وتشابهت النهايات .

كل حب جميل له أول وله آخر. لا حب مدى الحياة. ولكن الحب يتحول من فترة إلى فترة ومن زمن إلى زمن ومن ظروف إلى أخرى.. إلى ما هو أكبر وأكثر وأعمق من الحب. وهو شيء لم نبتكر له وصفا أو اسما بعد .

بهذا السطر السابق.. يمكنك أن تنظر إلى الحب على أنه الشرارة الأولى لنار أعظم وأكبر وأرق وأرقى.. تشتعل ولا تحرق. تنفجر ولا تقتل.

نحن نبدأ بالحب.. أو يبدأ الحب بنا. طرفان يجرب كل منهما الآخر.. في حرص، في حذر، في نشوة، في خوف، في ألم، في أمل، في سعادة، في سذاجة. في اختبار يبدأ بفحص كرات الحب الحمراء في الدم وينتهي باحتلال الدم والقلب وأماكن المشاعر ومراكز الأحاسيس.

الحب كلمة أولى، ثم تتوالى الكلمات والعبارات والروايات والقصائد.

في البدء كان الحب.. ثم يتشكل ما هو أصدق من الحب. هذا هو أهم ما في الحب.

الحب.. سباحة في بحر هادئ . سياحة في مدن تعشق المغامرة والغموض ولا تفتش في ثياب العشاق!

حين ينتهي حب في حادث خيانة.. أو تودع حبا في مسافة خلافات في وجهات نظر، تأكد أنه لم يكن حبا، وأنك لم تكن على حب، ولم يكن بين يديك حب، ولا بين عينيك حب، ولا كان الحب ثالثكما. ولا كنت تسهر تعد نجوم الحب في السماء. أنت كنت في نزوة في نزهة في ردهة طويلة بيضاء أخرها غرفة لا تسكنها الملائكة!

لا توجد ظروف تمنع الحب من أن يستمر ويكبر وينجو من الموت بريئا بسيطا. الحب بطبعه ضد فيروسات الغدر والكراهية والمستحيل وحوادث الطرق السريعة التي تذبح المشاعر وهي تسير على أقصى سرعة، إلى نهاية رحلتها المفضلة.

ولا تصدق من يقول لك في وداع حب: إنها الظروف، إنها الحياة. إنه المجهول الذي جاء فخطف الحب بمشاعره ورماه من فوق السحب على أرض صلبة فأنكسر من أول لمسة ومات.

كل الذين ساروا في جنازة مشاعره مينكسون رؤوسهم وجع أو شفقة.. هم خارج الحقيقة. هم أحبوا على الهامش .. وما تحبهم على الهامش. لم يدخل الحب صلب النص المكتوب. ليتحول من دخان.. من وهم.. من خيال.. من رهان… إلى حقيقة. هم أحبوه وهما .. فظل وهما . عاش كذبة وما تنكتة !

حين تسأل رجل أو امرأة فوق الستين.. السبعين.. المائة عن حبه: كيف كانت قصتك.. كيف عاشت مشاعرك.. هل هو الحب؟هل هو نفسه الحب الذي كان وبدأ من خمسين أو سبعين سنة؟ هل هو نفسه هذا المخلوق البسيط الغامض المدهش الذي صاغ وصهر وسهر مشاعر كما سنوات الاكتشاف الأولى؟

تأكد سوف يضحكان.. يضحكان..

لا سخرية في الأمر.. لا تراجع .. لا استسلام .. لا شيء .. الإجابة: إنما عاش بينهما ومعهما ولهما وبهما أيضا، هو أكبر.. أكبر من قطفة الحب الأولى .. من سحره وصوته وصلاته. هو النسمة المفاجئة التي نشعر بها في منتهى الحر.. هو اللفحة الدافئة التي نشعر بها في منتهى البرد.

هو العمر حين يتحول إلى بستان زهور وضفيرتين على رأس صبية جميلة وبحر عميق، لكنه لا يغرق أحدا وسماء قريبة تخبئ كم نطوف ان الحياة حين يشتد !

ما بعد الحب.. أكبر وأعمق وأهم من الحب!

لكن يا خسارة .. لم يخترع الكتاب ولا العلماء ولا المفكرون المفسرون له اسما بعد!

وسيبقى السؤال: أين ذهبت قصة حب هند وسمير، وستبقى الشجرة على شاطئ المنتزه كلما ذهبت..

صفحة جديدة 1

اخترنا لك