كتاب اليقظة

فنجان قهوة بقلم: يسرى الفخرانى

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني

الحب هو..!

بين: لا تكتب عن الحب اليوم، ومن فضلك استمر في الكتابة عن الحب دائما طول الوقت وكل يوم، تمضي حياتي كاتبا، كل يوم صباحا، أصحو مبكرا، فأجد على صفحتي على الفيس بوك أصدقاء ـ بعضهم لا أعرفهم بشكل شخصي ـ يكتبون عبارات موجزة في الحب، بعضها منقول وبعضها مشاعر رقيقة استعاروها من قلوبهم، ومن هؤلاء، يكتب البعض أمنيات شخصية بألا أواصل الكتابة في الحب لأن “لا حب يستحق الكتابة عنه في هذا الزمن”، بينما أخرون يكتبون “استمر.. فإذا لم نعش الحب.. أحسسنا به”.

  • هل يمكن الحياة بدون حب؟

لا يمكن الحياة بدون حب، الإنسان خلق بحب.. فكيف يعيش بدونه؟! كيف يعيش منزوعا من أهم جزء فى جسده؟! إن إحساسنا بالحب هو الذي نبلغ به الإحساس بالحياة، لا يمكن أن نستمتع بأي شيء في حياتنا مهما كان عظيما بدون أن يكون الحب ثالثنا.

لا يوصف الحب.. كل قلب، كل إنسان، كل قصة، يمكن أن تجد لها أوصافا مختلفة من زوايا مختلفة، والحب.. لا يجب تصنيفه بين حب بين رجل وامرأة، أم وابنها، صديقين، الحب هو الحب، المشاعر تختلف.. لكن يبقى الحب واحد، ولا تصدق أن امرأة أحبت ابنها حبا كبيرا.. ولم تعرف الحب مع رجل في حياتها، أو صديقة من زمن طفولتها. من يعرف الحب.. ينفعل بصدق في كل أحواله، من لا يعرفه.. سوف يظل محايدا في مشاعره مهما كان نوع الحب.

إننا نحب، لكي نتأكد أيضا أننا على قيد الحياة.. حين يفقد الإنسان قدرته على الحب.. يموت، ويموت من لا يملك قدرة على الحب في حياته.

خلق الله الحب من لحظة الكون الأولى، من لحظة الخلق الأولى، وخلق ـ بالضرورة ـ ما هو ضد الحب.. الكراهية.

منذ خلق سيدنا آدم عليه السلام في يوم ما في زمن ما.. والحب أول الأشياء، بدونه لن تكون هناك حياة مستقرة.. كما أننا سوف نعرف بعد ذلك أن بدون الكراهية لن يكون هناك حياة مستمرة.

قتل قايبل أخاه هابيل.. باسم الحب، فقد أحب ودافع عن حبه.. بالكراهية. وكانت أول قصة حب تحكي تفاصيل الحب في كل زمان وكل مكان: حب ودم ومشاعر وخوف وندم وأمل.

ومن بعدها ظل الحب هكذا: نفس المفردات، نبحث عن الحب لكي نجد شريكا نقتسم معه صعوبة الحياة وقسوتها، لكي يصبح نورا في ظلام المشوار الطويل، ومخبأ في طريق بارد ومخيف.. ثم يتحول الحب إلى معركة امتلاك.. وتتحول تفاصيله إلى تنافس على من يقود الحب إلى منتهاه.. ثم تقسو المشاعر التي كانت بالأمس مثل الزهور ناعمة وملونة.. لينتهي الحب إلى شيء يشبه الحب.

كل حب إلى نهاية، بدون أن أصدمك، فكل حب يبقى منه ذكريات تحاول أن تنقذه أو تنساه أو تستمتع بما كان.

فالحب.. مثل الأطفال، له ابتسامة بريئة تذيب القلب.. ووجه صاف وملمس ناعم مثل نتف القطن الأبيض.. ورائحة شهية تشبه مواسم الخوخ، فإذا لم يعد الطفل.. طفلا، وإذا أصبحت الابتسامة صلبة ومصطنعة، والوجه موشوم بالأيام، نبحث عن ألبوم صورنا لكي نتذكر كيف كان الطفل جميلا وسعيدا وبريئا.. فقط لكي نتعلق بالأمل الأخير أو الابتسامة الأخيرة.

هذا زمن الحب وإن سرقه البعض.. ولو رفضه البعض.. وإن كذب عليه البعض.. أن أكتب عن الحب في زمن فقدانه هو الصواب.. أن أهدي للناس باقة حب في خريف يسقط الزهور هو العقل.. أن أنعش الذاكرة والقلب مجهد بأسباب الحياة الصعبة هو الحلم.

الحب هو الأمل في أن نخلق لأنفسنا حياة أقل عنفا.. أقل قسوة.. أقل رعبا.. كل الأشياء حولنا تبدو مثل أوراق الصبار شائكة جافة جارحة جارفة لأي انتظار جميل.. الحب هو أن أقول لك كيف تحب.. ومتى تحب.. وما هو الحب.. كيف خلقه الله لتصبح للحياة معنى وللأيام مذاقا مختلفا.

 قصة حب واحدة قادرة على أن تخلق عائلة متزنة متسقة مع نفسها.. متسعة بطموحها.. متسامحة مع الألم.. متصالحة مع الأزمات.

الحب ليس أغنية طويلة نغنيها من أجل المتعة أو التسلية.. الحب ليس رفاهية نمارسها وقت الحاجة عند مفترق الطرق.. الحب ليس قرصا مهدئا أو منوما يجلب لنا الراحة المزيفة في آخر الليل.

الحب هو الحياة التي يأمل كل إنسان أن يعيشها. حياة هادئة هانئة وليست حياة هادرة مهلكة.

نحن نكذب حين نقول إن الحب كذبة نصدقها لنتعذب بها.. حين نقول الحب حكمة نتلوها دون أن نعرف قيمتها.. حين نقول أن الحب قصة ندعو من أجل أن تستمر حتى النهاية.

الحب إحساس رائع لا يجب أن نبحث له عن تفسير أو اسم أو سبب أو بداية أو نهاية.

الحب مشاعر راقية رقيقة لا يجب أن ننفذ فيها حكم الإعدام عندما نختلف عليها أو تختلف معنا.

الحب مخلوق بريء يجب أن نحافظ على طفولته ولا نلقيه في صفحة الحوادث ليتعلم الجريمة ويتشوه بأخلاق المجرمين.

الحب ليس مرحلة من العمر.. هو كل العمر.

الحب ليس ذكريات نعيشها.. هو كل الذكريات التي يجب أن نصنعها.

الحب ليس كلمة عابرة نقولها ونمضي.. هو كل دفاتر الكلمات المقدسة التي يجب أن نؤمن بها.

لا تلعنوا الحب.. لو كانت قصتكم فيه ناقصة.. لو كانت أحداثه ليست على هواكم.. لو كانت صورته فارقت القلب في لحظة غضب.

أنا أحب الحب.. أحب هذا الأمان الذي يسمح لي أن أغمض عيني دون أن أخاف ودون أن أكره ودون أن أنتظر شبح يطاردني في صمتي.

حين أقول إننا في حاجة إلى الحب.. أعني أننا يجب أن نحب بملء قلوبنا كل الأشياء الجميلة التي وهبها الله لنا لنعيش الحياة.. وأعني أننا حين نحب وحين نعرف الحب وحين نهرب إلى الحب نحن في الحقيقة نصنع عالما مبهجا يستحق أن نعيش له ومن أجله.

حين نستيقظ محبين، سوف نرى الشمس أجمل والأزمات قابلة للحل والمسافات بين البشر أقل.

حين لا نتناول كبسولات مضادة للحب سوف نترك قلوبنا لدفء المشاعر واتساع البهجة.

حين يصبح الحب ثالثنا لن نترك فراغات يتسلل منها شيطان اليأس والإحباط.

الحب هو أن تصفو تتحضر تتطور تنظر إلى ألوان الحياة وترفض اللون الأسود.

يصنع الحب المعجزات.. وكنت قد انتهيت من قراءة قصة حقيقية تروي قصة رجل عاجز عن الرؤية منذ طفولته حتى أصبح شابا في العشرين.. لم تفلح معه كل وصفات الأطباء وأدويتهم وجلساتهم.. حتى أحب فتاة. كان يراها دون أن يراها.. يراها بقلبه بإحساسه بأصابعه حين تمر على وجهها.. وكان يدعو الله في صلاته أن يراها ولو للحظة ويعود إلى عالم الظلام مرة أخرى.. لكن الله كان أكثر كرما وأكثر قربا وأكثر حبا فمنحه الله نظرة حين استيقظ في صباح يوم نام ليلته تملأ الدموع عينيه.. رآها. رأى حبيبته.. وقال الأطباء إن ما حدث معجزة بكل المقاييس.

لا يهم كيف نفسر ما حدث.. لقد حدث وهذا أجمل ما في القصة التي توحي لنا بقيمة الحب إذا جاء في الوقت المناسب متدفق وسخي بعطاياه.

حين نشكو أن الحياة أصبحت لا تطاق.. ابحثوا عن الحب.. ابحثوا عن المساحة الصغيرة التي تحتوي العقول المنهكة والأجساد المتعبة وقولوا الحمد لله.

كل يوم نحياه هو معجزة في حد ذاتها.. كل لحظة نستطيع فيها أن نرى الحياة أجمل هي هدية من الخالق لنا.. والحب أروع الهدايا وبهجة المشاعر.

ابحثوا عن الحب داخلكم.. وسوف تفجرون أعظم طاقاتكم التي لا تتصورن أنها معكم.

1 Comment

  • بعد التحية
    أسجل اعجابى بمجلة اليقظة و كل اقسامها خاصة مقاللات الكاتب المتميز يسرى الفخرانى. و أتساءل أين مقالة 22 يونيو. و شكرا.
    خالد

Leave a Comment