فنجان قهوة بقلم: يسرى الفخرانى

يسري الفخراني 

قصة 20 مليون فتاة من دون رجل!

العنوسة معاش مبكر، أشعر أنني أحصل على مكافأة نهاية صبري وانتظاري، هل يمكن أن أطوي صفحة الانتظار، وأعيش حياة سعيدة من دون رجل، من دون ظل رجل، من دون أن يفتش أحد في بطاقتي عن اسم زوجي، من دون أن تدعو لي جارتي بابن الحلال الذي لم أعد أريده أن يأتي!

تكتب لي مروة عن مشاعرها وهي تغادر عامها الأربعين من الحزن!

هي تصف يوم ميلادها الأربعين وهي تطفئ شمعتها وحيدة بأنها “سنة مفترق الطرق”.. إما أن أكون قوية إلى حد أن أبدأ حياتي، أو ضعيفة إلى حد أن أنتهي منها.

لم تتزوج مروة، هذه المرة هي صاحبة تجارب عابرة انتهت دون حتى ارتباط بكلمة، بدأت كما انتهت في سرية تامة، في مرحلة التكوين. وهي حين تقف أمام المرآة تصف نفسها أنها “دم خفيف ـ أنيقة ـ متعلمة ـ جميلة إلى حد ما ـ اجتماعية ـ متدينة ـ من عائلة متوسطة ـ تخينة حبة”.

قد تتشابه قصص العنوسة.. لكنها لا تتطابق، كل صاحبة قصة لديها جزء خاص بها، ومجتمع يشبه قصتها، مجتمع يطاردها بيأسه وفقره وتقاليده الصلبة التي لا تنقذ رقبة فتاة حالمة تبحث عن حب وشريك وحياة وعائلة وأبناء وحاضر ومستقبل.

مروة، ابنة جيلها الذي ظلمه التطلع إلى كل الأشياء التي يستهلكها كل يوم، كل يوم جهاز موبايل، كل يوم جلسة على كافيه جديد، كل يوم إعلان عن شاليه على البحر في جريدة. إن مجرد التطلع إلى الاستهلاك يجعل الإنسان محبطا بطبعه، لماذا يتزوج والحياة الجميلة التي يرغب في الاستمتاع بها أكثر من إمكاناته، فلماذا يرتبط بإنسانة، تشاركه الهموم.. وهو يريد أن يعيش سعيدا بوحدته.

عروس أم موبايل جديد؟

هل يمكن أن يستغني شاب في مقتبل العمر على “وش جواز” عن فكرة الزواج مقابل اقتناء جهاز أي باد4؟

في دراسة حديثة يكتشف باحث في جامعة الإسكندرية أن الرغبات في امتلاك التكنولوجيا لدى الشباب من عمر 15 سنة حتى الثلاثين سنة يفوق رغباتهم في الارتباط بفتاة والزواج بها.

يقول الباحث: ربما يوفر الجهاز التكنولوجي وسيلة اتصال مع أحلام الشباب في الحياة.. أكثر مما توفره فتاة. وأكثر حميمية وبطرق متعددة ومتنوعة. في العالم العربي أكبر نسبة لتردد الشباب على المواقع الجنسية، كما أن العالم العربي سجل أكبر نسبة بقاء على صفحات التواصل الاجتماعي “الفيس بوك وتويتر”، متوسط 5 ساعات يوميا.

يرتبط الشاب العربي بجهاز التليفون الذي يحمل عالمه الخاص أكثر من ارتباطه بفتاة أحلامه.

كل يوم تبدأ ـ على الأقل ـ عشرة آلاف قصة حب.. نصفها ينتهي في اليوم نفسه بسبب علاقة الطرفين بأجهزة تليفوناتهم. كما أن هناك حالة طلاق من كل عشرة حالات تنتهي بسبب إدمان الموبايل!

لغة العصر تغير كل شيء إلى الخطر، إشارات حمراء في كل يوم جديد، وفي كل يوم سوف تنضم إلى مروة صاحبة الأربعين عاما والعنوسة ألف فتاة على الأقل، بينما يضاف إلى رقم العوانس خمسة آلاف عانس فقدن الأمل في استكمال نصف حياتهن المفقود.

المجتمع العربي يتحمل مسؤولية زيادة العنوسة.. بالجهل الذي يزداد انتشارا.. والأمية التي تطول حتى خريجو الجامعات.. والنتيجة فقر في الفكر.. يعود الشباب ليرتدي الطربوش معلنا أن “العزوبية مع فقر أفضل من الزواج مع ستر”، والنتيجة آلاف الشباب يرفض العمل كل يوم ويفضل قضاء وقته على مقهى أو نائم أو على ناصية شارع لمجرد أن الوظيفة لا تحقق له من مرتبها طموحه في الثراء وامتلاك كل مغريات الحياة.

غوايات الحياة، أصبحت أقوى من أن يفكر الشاب في الارتباط بشريك عمر، على النوتة أقساط أجهزة اشتراها واشتراكات موبايل وانترنت فائق السرعة من الجيل الرابع وجلسات مقاه وحلم بالهجرة إلى مجهول.. إن فواتير الرفاهية التكنولوجية تلتهم على الأقل نصف المرتب، أصف لها فواتير المتعة بأصناف الدليفري لتعرف سر تراجع الرغبة في الزواج!

يقول عبد المنصف ـ شاب ثلاثيني ـ الطعام دليفري والغسيل دراي كلين والمتعة آي باد وآي فون.. فماذا أريد؟

يقول بحث مهم صادر عن جامعة هارفورد “الطعام الجاهز وأجهزة التكنولوجيا الحديثة والتلوث في الهواء والماء اختصرت رغبة الفتاة والشاب في الرغبة الجنسية، غيرت تركيبة الهرمونات في الجسم إلى الحد الذي يهدد الحياة البشرية بتراجع مرعب في نسب الزواج”.

لكن في بلادنا، سوف نصل قريبا إلى نتيجة أن أمام كل فتاة تتزوج.. فتاة تظل من دون زواج العمر كله، وأمام كل شاب يتزوج.. اثنان سوف يقاومان فكرة الزواج!

تقول مروة ـ الفتاة الأربعينية ـ وهي تحاول أن ترسم ملامح اللامبالاة علي وجهها: لم أمارس العلاقة الجنسية مع أي شاب بالطبع، فأنا من عائلة محافظة متدينة، أرفض تماما العلاقة خارج إطار الزواج، والأمر بالنسبة لي منته، مهما كان الإغراء، حاولت أن أنسى مأساتي ورغباتي بالتعليم، تعلمت أربع لغات وأنظمة كمبيوتر، وانغمست في العمل حتى 15 ساعة في اليوم، واشتريت ملابس كثيرة، أصبحت لا أرتديها تقريبا، لمن أفعل، تحولت إلى إنسان يقوم بنفس المهام كل يوم دون تفكير، لا أريد أن أفكر، لو فكرت سوف تحدث أشياء كثيرة خطأ في حياتي.

لم يستسلم المجتمع أمام حالة مروة.. فهو مازال متأرجحا بين مضاعفة جرحها بالدعاء لها أن يرزقها الله بابن الحلال حتى تجد من يشاركها الحياة في شيخوختها..! وبين اقتراحات عرسان إما أكبر منها بعشرين عاما.. أو يقترح عليها أن تكون زوجة سرية!

تقول مروة عن تجربة: أعرف فتيات كثيرات في مثل عمري وفي مثل ظروفي قبلن بفكرة الزوجة السرية، عندما تكون الفتاة تعمل في شركة ووصلت لهذا العمر وحلت رباطها العائلي بسبب رحيل والديها، فإنها تحت ضغط الرغبة في أن تعيش رغباتها الأنثوية بغطاء شرعي.. ترضى بكل سهولة أن تتزوج في السر من زميلها أو رئيسها المتزوج.. وأحيانا هي التي تسعى للإيقاع به.. وتعلم تماما أن شرطه الأول سيكون السرية.. وهي تحاول بعد فترة أن تقنعه لإعلان الزواج أو تفضحه حتى يعلن زواجه منه حتى لو طلقها.. فتصبح في نظر المجتمع متزوجة أو مطلقة. كم هو مؤلم أن تقبل المرأة أن يقول عنها المجتمع إنها امرأة سرية في حياة رجل، على أن تظل نظرة نفس المجتمع لها كثير من الشفقة ومزيد من الجرح!

يظل المجتمع مدهشا، يدفع الفتاة العانس إلى ارتكاب أخطاء فادحة يلف بها الحبل حول رقبتها.. بدلا من أن يتعامل معها بطريقة متفتحة وحوار، على الأقل لكي تبوح بما تعانيه وتستريح بدلا من أن تظل محبوسة في قفص من الاتهامات القاسية.

تريد الفتاة العانس، نظرة مختلفة من مجتمع لابد أن يشعر بألمها وخوفها وجرحها، أن يتكرر لها مقعد على المائدة بدلا من الخوف منها على أن تفسد حياة رجل يظن أنها تريد إقامة أي علاقة معه أو الارتباط به، أو حياة امرأة تخشي على بيتها منها.

قضية العنوسة، كبيرة وعميقة، وسوف أستمر في مناقشتها، لأول مرة في الصحافة العربية، مرحبا بكل قصة أو رأي أو مشاركة، إنها قضية عشرين مليون امرأة عربية ومعاناتهن أيضا.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك