فنجان قهوة بقلم: يسرى الفخرانى

يسري الفخراني

1- تخلص من حقيبتك الثقيلة قبل أن تبدأ الرحلة

الحياة الأجمل هي التي تمتلك فيها أشياء أقل.. كلما امتلكت أشياء كثيرة تضاعف إحساسك بالمسؤولية عن كل ما تملكه. كلنا في الحياة نريد أن نمتلك كل شيء.. وأن نمتلك من الشيء نفسه على قدر ما نستطيع.. لكن السعداء دائما.. والذين يشعرون بقيمة ومعنى وروح الأشياء هم هؤلاء الذين قرروا عن اقتناع أن الأقل أجمل.

يستمتع أكثر بالرحلة من يحمل حقيبة سفر أصغر وأخف. إنه مشغول بالاستمتاع بالرحلة أكثر من انشغاله بما معه في الحقيبة.. يبدأ رؤيته للمدن التي يزورها بمجرد أن يصبح فيها.. هو لا يضيع لحظة مهموما بما معه من حقائب.. يبدو مثل عصفور أكثر منه إنسان قلق على ما يملك.

كلما امتلكت أكثر مما تحتاج.. كنت أكثر قلقا، وفي المقابل: كلما امتلكت أقل مما يجب.. كنت أكثر توترا!

في كل الأحوال. الإنسان الأكثر حظا وسعادة هو من يملك بقدر احتياجاته.. وهي عملية صعبة خاصة حين نعيش في قلب عالم مليء بالأشياء المغرية بالامتلاك.. العالم الذي يقلب عليك المواجع صباح كل يوم مع فنجان القهوة بسلعة جديدة تشتهي امتلاكها.. فإذا كانت في متناول ثروتك ذهبت فورا لامتلاكها دون تفكير لتنضم إلى مئات الأشياء التي ينتهي الهوس بها بمجرد أن تكون معك.. أو ظل عدم قدرتك على امتلاكها مثل يد ضخمة تضغط على قلبك وتؤلمك.

الحقيقة التي يجب أن نعرفها ونعترف بها ولا ننساها أننا: إذا لم نصبح أقوى من الأشياء التي نملكها أو التي نرغب في امتلاكها.. سوف نكون أضعف من أن نعيش حياة سعيدة.

اكتشفت مؤخرا أنني أمتلك في مكتبتي على الأقل مائة كتاب لم أقرأها. اشتريتها في وقت سابق أو حصلت عليها كهدية من مؤلفيها. الغريب أن محتوى أغلب هذه الكتب ليست من الموضوعات المفضلة بالنسبة لي.. والمعنى أنها ستبقى مجرد مساحة ضخمة تحجب عني عودتي واشتياقي ومتعتي بالكتب المفضلة عندي بالفعل.

وقررت أن أبدأ رحلة التخلص من الكتب غير المرغوب فيها.. أن أحملها كهداية لمن يستحقها ولمن يحب موضوعاتها.. أجريت مناقشات تليفونية مع عدد من أصدقاء.. وكتبت قائمة بالكتب وأمام كل كتاب اسم صديقي الذي يمكن أن يسعده امتلاك هذا الكتاب. وأرسلته له.

شعرت بعدها بارتياح رائع. ليس فقط لأن كتبي المفضلة المتبقية في مكتبتي أصبحت في متناول يدي، لكن أضفت لها متعة صناعة سعادة إنسان آخر.

يمكنك أن تعيد نظر في كل ما تملك مهما كان.. سوف تجد أن لديك فائضا يمكن أن تقتسمه مع إنسان آخر. وتذكر دائما: إذا كنت تشعر بالأمان لأنك تمتلك الكثير من الأشياء.. جرب أن تشعر بالسعادة وأنت تمنح إنسانا بعض هذه الأشياء.

وتظل التجربة الأجمل هي أن تتخلص من الأشياء التي تحتل جزءا من حياتك.. وجزءا من المساحة التي تعيش فيها.

نصف تعاستنا على الأقل لا نعرف أن مصدرها حجم الازدحام الذي نعيشه داخل البيت.. الزحام الشديد الذي نضطر للتعامل معه خارج البيت.. يجب أن يقابله حالة من الفراغ داخل البيت.

2 ـ ابتسم واهزم القلق!

لا تفكر في الغد.. قبل أن تستمتع باليوم.. الغد غامض مجهول بعيد لا تملك غير انتظاره.. اليوم واضح ومتاح وحاضر بين يديك.

كلنا ـ تقريبا ـ ننتظر الغد.. فلا نعيش اليوم.. نتأمل الغد.. فنتألم من اليوم.. نراقب ماذا يحدث غدا.. مع أن اليوم يتيح لنا فرصة أن نعيشه بكل تفاصيله.

الاستمتاع بما تملك.. أكثر مصداقية من الخوف لعدم تحقيق المزيد من أحلامنا في الحياة.. القلق هو مرض العالم الحقيقي.. وهو يسبب عشرات الأمراض التي تحول حياتنا إلى جحيم وتفقدنا شهية الحياة نفسها.

العالم كله أصبح أكثر صخبا وازدحاما بشكل يجعل القلق جزءا من حياتنا، أصبح الهدوء رفاهية لا يملك ثمنها إلا عدد قليل من الناس، كيف تكون هادئا.. والحياة تدور بسرعة حول نفسها، فتفقدك القدرة على التركيز، وبالطبع القدرة على الاستمتاع بأي شيء تمتلكه أو تحصل عليه.

كل طقوسنا اليومية سريعة للغاية.. النوم.. الأكل.. الكلام.. العمل.. حتى وقت مشاهدة فيلم في التليفزيون للمتعة.. فأصابعك متوترة على ريموت كونترول تتقلب من قناة إلى قناة، كأننا نريد أن ندوس على زر يجعل اليوم الذي نملكه ونعيشه.. إلى اليوم التالي الذي لا نملكه ولا نعيشه.

ببساطة، نحن ندفع ثمن الخوف من الغد.. بالتفريط في اليوم.

هل يمكن ألا ننسى القاعدة الذهبية التي تنصحنا بالبقاء في يومنا، والعمل فيه بكل جهدنا، وأن نستمتع فيه بكل ما نملك ولو كان قليلا.

هل يمكن ألا ننسى الأهم: اليقين بحكمة الخالق أن كل ما نمر به في الحياة يأتي في وقته، لا قبل لا بعد، هذا التوقيت لن يؤخره أو يقدمه القلق على شيء نملكه أو شيء لا نملكه.

حاول أن تجعل قلبك يدق بسرعة أقل.. هذه العبارة يمكن أن تبدو غريبة.. لكنها وصف لما يجب أن تفعله من أجل أن تستمتع باللحظة التي تملكها. القلق يجعل خطواتنا أسرع وقلوبنا بالتالي تدق أسرع.. لكننا نكون أقل دقة وأقل إحساسا بما نفعل وأقل انفعالا بالأشياء القيمة التي نفعلها.

3 ـ اصنع بداية جديدة اليوم!

أصعب الأوقات هي البدايات.

دائما بداية الأشياء.. صعبة، في الاختيار وفي التنفيذ وفي القرار وفي الوقت. لذلك أسهل ما نفعله في حياتنا هو التأجيل، إننا نخاف دائما البداية لأنها سوف تحملنا إلى تحمل مسؤولية ما بدأناه. لا يمكن استمرار الحياة وتجددها ونموها وتطورها بدون بدايات مستمرة.. بدون أحلام نتوقف عند بابها لنفتحه في الطريق إلى إضافة شيء مختلف إلى حياتنا.

لا يمكن أن نتصور أن الحياة يمكنها أن تكون سعيدة بدون أن نصنع من فترة إلى فترة بدايات جديدة، غير مؤجلة. بدايات تبعث على الحماس في النفس. الأيام المتشابهة لا تعكس إلا الملل والموت.. الإنسان الذي يحب الحياة لا بد أن تبادله الحياة نفس الحب ونفس المشاعر.. وهى تتفاعل مع من يهديها في أوقات متقاربة بدايات جديدة بأفكار جديدة.. وأن يرتدي ثياب المغامر الجريء والفارس القوي.. لا تحب الحياة الضعيف والمستسلم، على العكس تفتح ذراعيها بكل أمل لمن يرغب في منحها دفقات من الأفكار والأحلام والإرادة.

اليوم الذي تملكه.. يمكنك أن تجعله بداية، لا تؤجل البدايات إلى الغد، ولا تحمل بدايات اليوم هموم ومصاعب الأمس.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك