فنجان قهوة بقلم : يسرى الفخرانى

يسري الفخراني

3 حكايات سعيدة.. من مذكراتي!

القصة تبدأ دائما بقلق، عندما تنفرط أيام العمر بسرعة مذهلة، فتكتشف المرأة أنها حول عامها الأربعين، أن في الوجه خطوط جديدة تعلن عن عمر لم تتصور أنها ذاهبة له، أو حضوره، لكن الحقيقة أن الوقت قد حان، ليس للقلق.. إنما لتستقبل عمرا مختلفا، تعتقد أغلب النساء أنه ليس الأجمل، لكن بدخول التجربة سوف تكتشف فيه حياة مختلفة، أيام نابضة بالاتزان والحكمة.

عندي ثلاث حكايات قصيرة عن التقلبات المزاجية في حياة المرأة : سمية .. وهي طبيبة نساء .. بدأت تحقيق مشروع عمرها في الثالثة والأربعين، حين قررت الانفصال عن المستشفى الحكومي الذي تعمل به، وأقامت هي ومجموعة من أصدقائها الأطباء عيادة متخصصة في أمراض النساء، بشكل متطور، وهي قد سبقت ذلك بدراسات مكثفة مع جامعة في إنجلترا عن علاج الأمراض السرطانية عند النساء. الغريب أنها حين كانت في الخامسة والثلاثين تصورت أن حياتها انتهت، وأن عمرها قد سرق منها ولا جدوى من فعل أي شيء، كان عامها الأربعين أكثر أعوامها تعاسة، ذهبت لطبيب للعلاج من صدمة نفسية بسبب دخولها هذا العمر، كان كل شيء داخلها مرتبك، وتقول إن طموحها المهني اختصرته الأيام في دفاتر الحضور والانصراف في المستشفى الحكومي الذي تعمل به من 15 سنة!

من قال إن من صخرة صلبة يمكن أن تولد شجرة تفاح؟

عامها الواحد والأربعون كان بداية قصتها نحو التحول، فقد فاجأت نفسها قبل أن تفاجئ زوجها وأولادها بالعودة إلى مسار اهتمامها بصحتها، بملابسها، بقصة شعرها، بالرياضة، بمواعيد الإجازات، المذاكرة للحصول على دراسات جديدة باجتماعات لمناقشة فكرة مشروع جديد مع زملاء المهنة.

لا تهم هنا التفاصيل بقدر ما يهم أن سمية .. تجاوزت محنة الأربعين بالحلم واستعادة طموحها.

القصة الثانية: مها، على عتبة الأربعين،  لديها نفس هاجس الألم، تعشق جسدها بكل طراوته وكل سنواته الأولى، أصابها الرعب من مجرد إحساسها بالدخول إلى سنوات انقطاع فرصها في الولادة.

كان لديها رعب آخر يساوي نفس المعنى: أن تفقد جمالها وبالتالي تفقد علاقتها المميزة مع زوجها!

تحولت إلى امرأة عصبية طول الوقت، كادت عصبيتها تهدم البيت الذي تخاف أصلا على أن يهدم، فقرر زوجها أن يذهب سرا إلى طبيب نفسي لكي يسأل ويفهم، اقترح عليه الطبيب ثلاثة أشياء، أعطاه أنواعا من الأدوية التي تقلل التوتر وتجعل المزاج أكثر اعتدالا، كما نصحه أن يخلق لها مشروعا تنشغل فيه بشرط أن يكون في ضوء اهتماماتها، والنصيحة الأخيرة أن يفرط الزوج في تدليلها ومضاعفة علاقته الزوجية بها مع إرضائها إلى أقصى درجة!

أقنعها الزوج أن الدواء مجرد نوع من الفيتامينات المستوردة، واختار لها مشروع صناعة ملابس وتصميمها، ونجح في تجاوز أزمتها العاطفية بالمزيد من فرص الحب.

وسارت الأمور، واستطاعت أن تنجح في مشروعها إلى درجة مذهلة.. وأصبح عمرها جزءا من شخصيتها وليس منفصلا عنها.

القصة الثالثة: غادة، تجاوزها الأربعين وقت  انفصالها المفاجئ عن زوجها مع عدم وجود أطفال في حياتها، جعل كل شيء ينهزم فجأة، كانت ملكة، فأصبحت لا شيء!

أصبحت وحيدة تماما حتى من صديقاتها اللاتي ابتعدن عنها بسبب عصبيتها الزائدة وشكها الدائم، في يوم ميلادها الأربعين، حين قررت صديقاتها الاحتفال بيوم ميلادها بتورتة، كانت النتيجة أنها ألقت التورتة في وجوههن!

أدمنت السجائر والسهر وتعذيب نفسها بالبكاء والوحدة، أهملت ملامحها، تحولت إلى امرأة شرسة تهاجم الجميع من دون أسباب، استقالت من عملها في المقاولات، لكن هناك نقاط فاصلة تأتي في أوقات لا نتوقعها، حين رأت فيلما رومانسيا تموت فيه البطلة عند نهايته!

هل يمكن أن يتصور أحد أن مشهد النهاية .. يمكن أن يعيد امرأة معذبة إلى الحياة؟ .. قررت غادة بعد ليلة من البكاء المر أن تستعيد حياتها، فكرت في أصدقائها الذين يمكن أن يساعدوها في الوقوف على قدميها، كان هناك على الأقل خمس صديقات في انتظار إشارة العودة إلى الصديقة التي قطعت كل خيوط الحياة، إن توقعاتنا دائما ناقصة، نتوقع ألا يفهم أحد لماذا غادرنا صداقته؟، ثم نكتشف أن التوقع خطأ بمجرد البحث عنهم، عادت غادة إلى حياتها، وقررت أن تعود إلى العمل، افتتحت شركة صغيرة للغاية في غرفة واحدة بمكتب صديق، وشمرت ذراعيها لتنجح، لم يكن أمامها سوى النجاح، النجاح أو الموت، الصعود أو النهاية. والمدهش فعلا أن ما لم تحققه في كل حياتها .. حققته في الجزء الصغير الذي سعت فيه للعودة إلى الحياة .

وعندما أسألها لماذا أعادك مشهد النهاية في فيلم تموت فيه البطلة، قالت: شعرت أن هذه البطلة هي أنا. فكيف أموت بينما أنا على قيد الحياة.. أعيش وأتنفس؟ لماذا أنتحر.. بينما يمكن أن تكون لحياتي معنى؟

إن هذه النقطة الفاصلة في حياة المرأة، في أي وقت وفي أي عمر، لا تعني أبدا أنها قد وصلت إلى مرحلة النهاية، على العكس، يجب أن تحصل على القدر الكافي من الثقة في النفس، والإيمان المطلق بالله سبحانه وتعالى، وأن نقف معها نشجعها، الزوج والأب والأخ والأبناء، فهذه المرأة، مخلوق على ضعفه يمكن أن يصنع حياة قوية.

 الحياة مجموعة متناقضات دائمة: السعادة والحزن، الخير والشر، النجاح والفشل، الأمان والخوف، اللقاء والفراق، النهار والليل، فلماذا تفاجئنا الأشياء حين تحدث، مع إن الأصل أن تموت أشياء لتولد أشياء، تذهب أشياء لتأتي أشياء.

نمضي من تجربة إلى تجربة، نأخذ من كل تجربة كما تأخذ منا كل تجربة، وكلها في كل الأحوال تمضي وتطوى، السعادة التي نحصل عليها في مناسبة سعيدة ونتصور أننا سنبقى بها سعداء العمر كله .. يأتي وقت تصبح مجرد ذكرى، والدموع التي نبكيها بصدق وألم في فراق عزيز، يأتي وقت تصبح مجرد ماض بعيد، كل شيء يمضي إلى حال سبيله مثل فيضان النهر.. يولد على قمم خصبة مليئة بالحياة والأماني وينتهي في قاع البحر بين الملح والموت!

 لتعرف طعم الحياة انفعل بكل ما يمر فيها بكل أعصابك، في السعادة عشها كأنها تدوم، وفي الحزن ابك بقلبك حتى تغسلك الدموع من كل شوائب الحياة .

أروع ما في الحياة أن شوارعها مهما ضاقت تسير دائما في الاتجاهين، ذهابا وعودة، دخول وخروج، لديك فرص أحيانا أن تكون قويا لترجع أو تتراجع، فقط لكي تكون نفسك، أو تجد نفسك، أو تعيش نفسك، أو تصحح وتصالح نفسك.

الحرية ليست أن تقول رأيك أو تعرض أفكارك بحرية، الحرية الحقيقية هي أن تجد نفسك حرا حين يسيطر عليك حزن أو تغمرك سعادة، حرا في أن تعيش حياتك من حادث إلى حادث بقدرة فائقة ورشيقة على الخروج بإرادة والتعامل بقوة وأمل من أجل استمرار الحياة كما يجب أن تكون.

معرفتك الدائمة أن لاشيء يدوم، يجب أن تمنحك دائما أيضا شعورا بالرضا والسكينة، وتجعلك تستمتع بحياتك بكل مواسمها، وكل ألوانها، من صلابة نواة بلح يخلق الله نخلة مورقة مثمرة، ومن بحر مالح تولد نقطة مطر عذبة.

إنها الحياة.

اخترنا لك