فنجان قهوة – اكتشف طاقة ذكرياتك الملونة! بقلم: يسري الفخراني

الذكريات لها ملامح جميلة مثل صورنا القديمة التي نضعها في إطار خشب على الحائط لكي نمر بها كلما اشتقنا.. أحب تلك الذكريات ـ حتى المؤلمة منها ـ فهي تفسر أن كل شيء يُطوى.. الأسود منها والملون.. الصعب والسهل.. الماضي بكل قسوته وبكل دموع الفرح في عينيه..

أحب الذكريات حين تصبح ممرا إلى بهجة ولو من ماض لن يعود.. أحبها حين تمتزج باستعادة ما مر من حياتنا من بشر ومن أماكن.. الذكريات هي حفلات التقوقيع التي نقيمها على شرف أيام لن تعد معنا..

إحياء الذكريات فن.. كيف تحتفل بما ليس معك؟

قالت لي “جاكي” طبيبة فرنسية شابة وجميلة، كنت أحتفل معها بآخر فنجان قهوة قبل أن أغادر باريس في المرة الأخيرة: استعادة الذكريات مثل محاولة قراءة المستقبل.. كلاهما صعب.. قليل من الناس يدرك قيمة الإقامة لبعض الوقت في الماضي.. هذه رحلة صعبة يقدر عليها من يملكون خيالا عظيما.. ومن لا يتصورون أن الرحلات إلى الماضي ضياع لوقت الرحلات إلى المستقبل.

وأنا أهدي إلى “جاكي” هذا المقال كما أهدي لها ذكريات كثيرة ملونة عشت بها عمري.. هي زادي وعمري.. هي الطريق الذي أسير به إلى الأيام التالية بحب.. أنا أحب ذكرياتي حتى التي غمرها ملح البحر حتى زادها وجعا. أشعر أن مجموع هذه الذكريات هي التي تجعلني أمر بغيرها فأشعر بحنين لها. إنها مثل الحب الأول الذي علمنا كل شيء في الحب ومن الحب.. اللمسة والسهر والخوف والأمنيات والقبلات المخطوفة التي لها طعم الدهشة!

تقول “جاكي” إنها جربت على مرضاها فن “حفلات استرجاع الذكريات وتأملها وتحليلها”.. واعتدلت في جلستي أستمع إلى وصفها لمرضاها وهم يحتفلون في حدائق مفتوحة أو أمام بحر، ويمرحون بالتجول في ماضيهم ليتكلموا عنه في فرح.. إنها حفلات أو جلسات بسيطة للتذكر والثرثرة.. مهم أن تتكلم كثيرا عن هذه الذكريات وتفتح بابك لكي يمر منه جارك في الحفل.. وهو سوف يفتح لك شباكا لتنفذ منه إلى الكثير من ذكرياته.. هذه الحفلات التي يمكن لأي ثلاثة أو أربعة أن يفعلوها على فنجان قهوة كي يستخرجوا طاقة مذهلة اسمها “طاقة الذكريات الملونة”.. هذه الطاقة الإيجابية التي تعمل مباشرة على اعتدال المزاج لها تأثير كبير على قدرة الإنسان لكي يخرج من أزماته ويجد لها حلولا.

مجرد أن تتذكر كيف كنت تملك أشياء جميلة.. دليل حقيقي على أنه ممكن.. على أنه يمكن أن تمتلك مثلها وأجمل.. ومجرد أن تتذكر كيف كنت تمتلك أياما صعبة.. ولم تمت.. دليلٌ آخر على أن مهما كانت العواصف والأمطار فإن هناك آلافا من عشش العصافير الصغيرة الهشة تمسّكت بأشجارها ولم تسقط.. يعنى: مهما كان طعم الذكريات فإننا أمام تجارب مهمة مرت وحان وقت النظر لها للمتعة في كل الأحوال.. أنها كانت جميلة وصنعتها.. أو صعبة وعشت بعدها.. في الحالتين الاحتفال بذكرياتك يستحق.

إن ألبوم الصور القديمة أرض خصبة بالذكريات.. ينصح أن نمد أصابعنا ونظرنا إلى ألبوماتنا مرة في الشهر على الأقل لكي نتوقف إجباريا في محطات مرت فنتذوق طعمها.. إننا لا نعرف كم كبر أطفالنا وكم بذلنا من جهد معهم إلا بتأمل صور مر عليها أعوام ربما قليلة.. فنعرف متى كنا هنا وكانوا.. تسمى هذه جلسة تأمل بالصور للماضي.. فننعش هذه العواطف المهملة داخلنا.. أو هذه جلسة تكفي لكي نرويها فلا تذبل ولا تموت..

توضع الصور في ألبومات على الحائط لكي نعرف أن حياتنا لم تمر دون تفاصيل صغيرة كثيرة صنعتها وصنعتنا.. إننا خلاصة ما يمر بنا.. ما نعيشه وما يعيش فينا.. كل لحظة كانت معنا هي التي شكلت اليوم الذي نعيشه الآن.. كل نقطة سقطت من السماء على حجر هي التي صنعت مجرى النهر الذي يحمل القارب الذي نمضي به من حياة إلى حياة.

نكتب مذكراتنا أو يومياتنا أو ذكرياتنا ليس لنصنع تاريخا يقرأه من يجدها مخبأة في صندوق.. نكتبها لنا.. لكي تقرأ ما كتبته في يوم ما في ظرف ما في حالة ما.. فتعرف أن الأيام مهما كانت صعبة تمضي.. ومهما كانت حلوة يمكن أن تمتلكها..

أنصح دائما في محاضراتي عن التصالح مع النفس وأن تكتب يومياتك.. لكي تعرف من أنت؟ ومن حولك؟ وماذا فعلت؟ ولماذا لم تفعل؟.. اليوميات لن تعرف قيمتها إلا حين تنتهي من الكراسة الأولى وتذهب إلى الكراسة الثانية.. سوف تجد في الأولى إجابات لأسئلة كنت تتصور أنها غامضة أو مستحيلة.. المهم أن تضع في اليوميات عشرة أشياء أساسية: ماذا فعلت؟ في ماذا تفكر؟ من الشخص الذي قدم لك مساعدة في هذا اليوم؟ ما الحيرة التي كنت تتساءل عن سرها؟ ماذا أنجزت؟ ماذا فقدت؟ ماذا أضفت إلى نفسك؟ كيف وجدت حالك في الحياة؟ سعيد.. حزين.. صامت.. مكسور.. محبط، ما نسبة رضاك عن نفسك؟ ما الذي تنتظر حدوثه غدا؟

هذه اليوميات تكتسب قيمتها وقتها بعد وقت قليل من كتابتها.. فتتحول من مجرد ورق وحبر إلى طاقة مذهلة على التغيير.. إنها كافية تماما لتجعلك تشعر بالحركة التي ربما كثيرا من الوقت وفي العمر لا نشعر بوجودها.. ونتصور أن الأرض ثابتة والحياة مملة والصور لا تتغير في الذهاب إلى أماكن معينة لها معنى ولها ذكرى في مشاعرنا.. محفورة كما جرح غائر في جسد.. نعيد اكتشاف أنفسنا المنسية.. إن الحياة بكل اتساعها يجب أن نتوقف بها من نقطة إلى نقطة ونعرف أين كنا؟ وإلى أين نذهب؟. أن تحب حياتك.. يجب أن تحبها بكل ما فيها من أيام كانت معك أو كانت عليك.. كانت حلوة أو كانت مرة.. كانت في قلبك أو أفقدتك قلبك.

صديقي.. ذكرياتك هي الأوراق التي تنثني لتصنع قاربك وهي الأوراق التي تُطوى لتصبح روايتك الخاصة التي تشبهك أنت فقط.. الذكريات مثل بصمات أصابعك لا تتشابه ولا تتكرر.. وهذا هو جمالها.. فالذكريات تصنعها وجهة نظرك في ما يمر بك.. قد تراه جيدا أو تراه رديئا.. ممتعا أو مملا.. صافىا مثل قطرة مطر ما زالت في المنتصف بين السماء والأرض.. أو مملوءة بحزن وخوف وندم.

تصنع الذكريات.. نحن نصنعها.. كأننا نقص أوراقا ملونة نلضمها في بعضها لتصبح عنقودا دهشة.. يزين حياتنا ويزيد أيامنا سحرا وجمالا وروعة وحبا..

بعض الناس تقتل ذكرياتها.. تخنقها.. تخفيها أو تخيفها.. فهي تمحوها كأن لا ماضي يستحق أن نعود إليه من وقت إلى وقت فنشعر بدفء وحنين.. هؤلاء لا يعرفون كم هي الذكريات طاقة مذهلة يمكنها إعادتنا إلى أنفسنا بنقاء مذهل..

إنني، إذا سمحت لي، أدعوك لكي تستجيب لإلحاح الذكريات.. أن تستسلم لها إذا جاءت في صورة رائحة من ماض أو رغبة في إقامة هناك.. إن أفضل الهدايا التي يمكن أن تقدمها لنفسك من وقت إلى وقت.. أن تتسلل إلى حضن الذكريات مثل طفل.. هناك ستنام بعض الوقت.. متأملا حالك وحياتك وقصصك التي كتبتها.. تعلم من ذكرياتك أن لك حياة يمكنك أن تشكلها حزنا أو سعادة.. كلاهما عندك.. كلاهما أيامك.. كلاهما أنت.. كلاهما اختبار.. كلاهما اختيار..


صفحة جديدة 1

اخترنا لك