فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني

وصفات بسيطة للسعادة

الأصل أن تحب الحياة، وأن تعيش الحياة، وأن تقاوم كل صعوبة في الحياة لتفوز بالحياة السعيدة في آخر القصة.

كثير منا يستسلم لصعوبة الحياة وآلامها ومشاكلها.. وتصبح الحياة عنده مهمة شاقة يريد التخلص منها والانتهاء من مهمته فيها، والغريب.. أنه كلما زادت رفاهية الحياة وتضاعفت الوسائل التي تجعل حياتنا أسهل.. نزداد نحن في المقابل هموما ويأسا وإحباطا وإرهاقا. وكأن كل جسر يصنعه المبتكرون لكي نعبر عليه إلى الجانب الآخر يزيد المسافات التي نقطعها..لا يختصرها.

إننا مع كل تطور يتم.. نفقد في المقابل الحياة السهلة البسيطة العفوية بكل براءتها ونقائها، ونفقد ـ للأسف ـ وقتا أطول نستهلكه في امتلاك هذا التطور واستيعابه والتعامل به.

كان أجدادنا حتما أكثر سعادة، حين كان الزمن أكثر اتساعا، وكان اليوم طويلا.. ليس بساعاته إنما بمحتواه. ربما كان العمر نفسه أقصر بسبب عدم اكتشاف أدوية لكل مرض. لكن العمر ذاته بكل اختصاره كان ملكا لهم.. كل منهم يصنعه بالطريقة التي يريدها.. ويحققون اكتشافات كبيرة لأعمارهم في عمر أقل.

مرة أخرى: الأصل أن تحب الحياة.. لا أن تكرهها أو تلعنها أو تتمنى مغادرتها لأنك متعب ومرهق ولم تعد قادرا على التحمل. مدهش أمرنا: الشكوى هي أقصر طريق للتخلص من متاعبنا في الحياة.. مع أننا متمسكون جدا بالبقاء في الحياة.

كل سنة تزداد شكوى الإنسان ثلاثين دقيقة إضافية في اليوم من الحياة. حتى سيأتي يوم.. يتحول فيه كاملا إلى حالة من الشكوى، ليس فيها أي مساحة للرضا والتسامح مع النفس والابتسامة التي تعني نافذة على سعادة. أصبحت الشكوى نوعا من الهروب، وهي ضعف، وهناك حكمة تقول: حتى إذا لم تستطع أن تغير ما حولك لكي يرضيك.. فغير نفسك بالطريقة التي ترى بها ما يرضيك من الحياة.

أنا مؤمن جدا أن الحياة صعبة وتزداد صعوبة وتنكمش فيها فرص السعادة يوما بعد يوم، وأن السعادة لم تعد مرتبطة بنجاح يتحقق أو ثراء يدوم أو تعليم وثقافة ومعرفة، لم تعد حتى مرتبطة بما تملك من وسائل تجعل الحياة أكثر سهولة، لكن في الوقت نفسه أؤمن أن علينا مهما كان الظرف أن نعيش لأطول فترة من السعادة والبهجة والنقاء والاندماج في الحياة.

إننا جميعا في مواجهة جادة وقوية مع كل ما يحدث حولنا ويحدث لنا ويحدث بنا، وعلينا في أي حال أن نفوز بأكبر قدرمن نقاط السعادة. مستحيل أن تظل سعيدا طوال الوقت.. لكن من الممتع أن تبذل أقصى طاقة لكي تكتشف السعادة طوال الوقت.

السعادة هي إحساسك بالرضا عن نفسك وبنفسك دائما. والرضا هو رزق من الله سبحانه وتعالى.. والرضا ـ للمرة المائة ـ ليس له علاقة بالطموح أو اليأس، بالعكس.. وأنت تتحرك في اتجاه الهدف أو الأهداف التي تتمنى تحقيقها وتبذل جهدا وعرقا عظيما يظل الرضا هو السور الذي يحمينا من الإنكسار أو الإحباط . فالقاعدة: أن تستمتع وأنت في الطريق إلى ما تريد.. أكثر من استمتاعك حين تصل إلى ما بدأت الرحلة من أجله.

في الطريق إلى إجازة في مدينة ما.. بعض الناس ترى الاستعداد للرحلة ومشوار السفر متعة جميلة تساوي السعادة التي يحلمون بها.. والبعض يراها جهدا وإرهاقا ومللا . نفس الاثنين يمكن أن يركبا طائرة واحدة.. تجد الأول سعيدا منطلقا مرحا والثاني حزينا صامتا وكئيبا.

اختار الأول: أن تمضي في رحلتك نحو أهدافك وأنت سعيد ومنطلق ومرح وبسيط.. مستيقظ للمفاجآت مهما كانت.. لا تشكو حتى لنفسك.. ولا تلوم نفسك أو الآخرين.. اجعل حياتك أخف حتى لا تفقد طاقتك في الهموم والإحباط.

تخيل نفسك هذا العصفور المسافر في رحلة الشتاء لمسافات بعيدة بحثا عن دفء وطعام، بعض العصافير تموت في الطريق لمجرد أنها أثقلت نفسها بصعوبة المهمة وطول المشوار.. بينما تصل العصافير التي تجد في كل عاصفة فرصة للهو وفي كل مطر فرصة للارتواء من العطش وفي كل ليلة تمر بها من دون قمر فرصة للحب.

بداخلك طاقة لا حدود لها.. طاقة مذهلة تضيع في الشكوى والغضب والخوف والتراجع.

في ألعاب القوى: الجري لمسافات قصيرة من أجل الحصول على ميدالية أوليمبية أهم قاعدة للاعب ألا ينظر حوله وإلا فقد نصف قوته. هو يسعى مثل طلقة رصاص نحو الهدف بتركيز شديد داخله لكي يصل الأول. وهو بالفعل لا يعرف نتيجة عمله إلا عندما يصل إلى نقطة النهاية.

مهم أن تكون مثل هذا اللاعب، كن نفسك، لا تعد تقييم موقفك بناء على ما يحدث حولك.. أو رد فعل الآخرين.

كن نفسك، دائما كن أنت، كن ما تريد دون أن تفقد صوابك، اصنع سعادتك فهي الغاية التي يجب أن تصل لها بكل ما تفعله في الحياة. لا قيمة لنجاح من دون سعادة، لا قيمة لثروة من دون سعادة، لا قيمة لأي شيء من دون سعادة.

إهمالنا للتفاصيل الصغيرة وسعينا خلف التفاصيل الكبيرة.. هو سر المأساة التي نعيشها.

مثلا: السعي لامتلاك سيارة فخمة أو بيت أنيق طموح مقبول.. غير المقبول أن يكون ذلك على حساب إحساسك بالأمان والراحة والهدوء، هناك طموح يسرق منك التفاصيل الصغيرة والعناوين الصغيرة والمتع الصغيرة.. يجعلك تفقد نفسك لأنك لا تنظر ماذا تفقده منها وأنت تحاول القفز إلى نقطة بعيدة لكي تطولها وتمسكها.

الحياة صعبة ومفاجآتها أصعب. وعلينا أن نملأ الفراغ بين المفاجآت بالرضا والشعور بالسعادة من إنجازاتنا الصغيرة ولعبنا الصغيرة.

الأطفال مثلا زينة الحياة، كم إنسانا يستمتع بأطفاله الاستمتاع الحقيقي؟. كم أما وكم أبا ـ الآن ـ لم يختصروا أدوراهم في مهام يؤدونها لأطفالهم؟. لا يمكن أن نسلم مهمة تربية أطفالنا لمربية أو حضانة أطفال ونتخلص من العبء.. ويكبر الأطفال دون أن نتذكر كم مرة لعبنا معهم بطفولة وبراءة وتركنا أنفسنا في أحضانهم وقتا غير محسوب.

مرة أخرى: ابحث عن التفاصيل الصغيرة التي تجعل الدماء ساخنة في جسدك.

إننا الآن نقرأ الصحف لكي نعرف آخر خبر، بينما الأصل في الجريدة أن تقرأ لتعرف وتستمتع . نفس المنطق على ما نشاهده في التلفزيون، في صفحة الإنترنت، في الحياة.

هل الحياة أصبحت أسرع من كل أمنياتنا في اللذة؟

هي كذلك، لكن الإنسان الذكي هو من يجعل الحياة مزيجا من اللذة والمنافسة.

في طفولتنا كانت لدينا هوايات مدهشة، صغيرة لكن لا يمكن أن ننصف أو نصف متعتها، جمع فراشات أو أوراق زهرة نجففها بين ورقتين أو نضع بذورا في قطن بجوار نافذة ونراقب نموها أو انتظار دودة القز حتى تصبح خيوط حرير، حين ننظر لها الآن من بعيد نشعر بحنين حقيقي لتلك الأشياء البسيطة تماما التي كانت تنقل لنا المتعة من حيث لا ندري، فكر كيف يمكن أن نجد متعة كبيرة مختبئة داخل هوايات صغيرة غير مكلفة؟.. فكر قليلا سوف تكتشف أننا كنا نقضى وقتا في هواية تحمل حياة. الفراشة والبذرة والزهرة ودودة القز. الآن أصبحت الهوايات مجرد آلات يقضي فيها الأطفال أعمارهم الخضراء.

نعم نحن في احتياج إلى تمضية وقت أطول مع أشياء تنبض بالحياة وبالروح لكي تنتقل لنا في صورة طاقة تساعدنا على تجاوز الأزمات، مجرد وضع بذرة في قطعة قطن وفي وعاء صغير مغطى بقليل من الماء.. أنت تلمس الحياة في كل صورها. تراها تتحرك من حالة العدم والصمت إلى حالة الوجود والكلام.

ممتع أن تقضي وقتا مع أطفالك في الزراعة.. والأمر بسيط: أوان وطمي وبذور وماء ونافذة. راقب كل ذلك يوما بيوم لتعيش التجربة الكاملة للحياة. من الميلاد إلى العطاء إلى النشاط إلى الذبول إلى الموت ثم العودة.

الجلوس على الأرض، يمنحك طاقة تساعدك في التفكير الجيد، الفلاسفة كانوا يفعلون ذلك، فأنت كلما جلست على الأرض انخفضت بجسدك وارتفعت بعقلك، هل يكلفك الجلوس على الأرض شيئا..؟ ومع ذلك يضيف لحياتك ألف شيء.

اخترنا لك