فنجان قهوة بقلم: يسرى الفخرانى

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني

الحب.. على الطريقة اليابانية!

أقرأ كتابا يابانيا في 40 صفحة، يحاول أن يقنعني أن أكتفي بالقليل من مغريات الحياة لكي أمتلك الكثير من السعادة، يقول المؤلف: كلما خفت حمولتك.. خف شعورك بالمسؤولية، وكلما قل ما نملك.. تضاعفت قيمة ما نملكه بالفعل. الكتاب يتكلم ببساطة عن فن البساطة، أحببت الكتاب بالفعل، في كل صفحة أنتهي من قراءتها كنت أسأل: هل يمكن أن أعيش هكذا، أتخلى عن رغبة الامتلاك في مقابل الفوز بحياة سعيدة سهلة بسيطة، أجد فيها نوما عميقا مريحا، وجها مشرقا بدون إرهاق ومشاعر متدفقة من وإلى الآخرين؟

كيف يمكن في عالم مغرٍ أن نتخلى بسهولة عن لعبة الشراء والاستهلاك والكسل والجمود والسلبية واللعب وإضاعة العمر في إرهاق ذهني وجسدي من أجل المزيد من اللاشيء؟

الكتاب، تختصره الآية الكريمة: }ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به{ صدق الله العظيم.

والآية الكريمة: }ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا{ صدق الله العظيم.

كانت النصيحة الأولى: توقف عن امتلاك المزيد!

في حياتنا لم نعد نفعل شيئا إلا امتلاك أشياء أو العمل من أجل امتلاك مزيد من الأشياء الجديدة، إننا محاصرون بخدع مبتكري ومصممي الملابس والأجهزة واللعب والأدوية والديكور والبيوت، وآلاف الأشخاص يعملون في دأب على الدعاية وتسويق كل هذه الأشياء.

أذكر أنني كنت دائما ضد فكرة امتلاك كارت فيزا، كانت فكرتي بسيطة: أنني سوف أتصرف في نقود لا أملكها بالفعل، ويجب أن أجد بعد ذلك طريقة للحصول عليها وتسديد الديون، حتى أقنعني موظف بنك بضرورة عمل فيزا كارت، ومنحني حدا ائتمانيا مرتفعا، وظلت في محفظتي شهورا دون أن أستعملها لعدم رغبتي في تراكم أي ديون، ثم أقنعني موظف بنك آخر أن يصدر لي فيزا كارت آخر بضمان الأول، وبحد ائتماني مرتفع، حتى استخدمت الفيزا للمرة الأولى على سبيل التجربة وليس الاحتياج، وبعد مرور أقل من ستة أشهر كنت قد استهلكت كل قيمة البطاقتين بالكامل.. ودخلت إلى مرحلة الديون!

عندما أفكر في هذه القصة الصغيرة.. أكتشف أنني دفعت ثمنا باهظا من القلق لكي أشتري في النهاية أشياء لا أجد سوى أنها تحولت إلى كراكيب، بعضها مفيد وأكثرها يمكن الاستغناء عنه تماما دون إحساس بذنب أو نقص.

أصبحت نادما على الشراء بما لا أملك من مال.

في طفولتي كان أبي يرفض اقتناء أي شيء لا يملك ثمنه، في الحقيقة لم يكن هناك وسيلة لاقتناء ما لا تملك ثمنه، حتى نظام التقسيط أو الدفع بعد الشراء بفترة أو القرض أو الفيزا لم يكن متاحا، لذلك كان أسلوب الحياة: “امتلك.. ما تستطيع امتلاكه”.

كانت الحياة سهلة بالفعل، وفق هذه النظرية التي تلغي الإحساس بضغوط مادية يمكن بالفعل الاستغناء عنها أو على الأقل عن جزء كبير منها بمجرد التوقف عن امتلاك أشياء إضافية.

الآن نحن لا نتوقف عن الامتلاك، وعن انتظار القدرة على الامتلاك، وبينهما تتضاعف ضغوط الحياة بطريقة صعبة للغاية، يتشابه الجميع في هذه الفكرة، لماذا نتصور أن كل ما نمتلكه سوف يجعلنا أكثر سعادة أو أكثر قوة.. بينما كلما امتلكنا أكثر أصبحنا أكثر هماً وأكثر ضعفاً!

تعالى نحسب كم تنفق المرأة وقتا وجهدا من أجل شراء فستان جديد أو حقيبة أو حذاء؟

في المقابل كم تنفق من وقت وجهد من أجل الجلوس مع نفسها والاعتناء بجسدها وروحها؟

الاهتمام بجمال الجسد ومنحه الراحة الكافية والثقة أهم بكثير من ارتداء فستان جديد من ديور أو أرماني. الإحساس بالجسد يمد الإنسان بطاقة مذهلة قادرة على أن تجعله سعيدا، للأسف.. مع ثقافة الاستهلاك أصبح من الأسهل شراء فستان يخفي مواجع الجسد وتشوهاته.. الاعتناء بالجسد ذاته.

البساطة هنا تعني اقتناء القليل لترك المساحة كلها كافية لتمتلئ بما نخبئه من جمال.

تذكر هذه العبارة: الإنسان غني بامتلاكه أشياء يمكنه الاستغناء عنها!

يجب دائما أن تكون مستعدا لفن الاستغناء، فالعيش بالقليل يجعل الحياة أفضل، مهما كنت تستطيع أن تمتلك.. الأجمل أن تقتصد، أن تختار كل ما هو يضيف لك إضافة حقيقية وليس مجرد استهلاك دائم لأشياء تتحول إلى عبء مادي وجسدي!

هنا أبحث معك عن الحياة الأسهل، الحياة البسيطة التي تخفف عنك صعوبة الانتقال من يوم إلى يوم، كيف تستعيد نفسك بحب.. وتمنحها الوقت الكافي لكي تعتني بها، ماذا تريد من الحياة أكثر من الاستمتاع بالطبيعة التي خلقها الله، وبيت مريح مهما كانت مساحته، ودولاب يحتوي ملابس نظيفة أنيقة قليلة العدد.

جمال البحر.. موجه المتحرك في اتجاه الشاطئ في بساطة وخفة، لا يحمل أكثر من قطرات المطر.. ويمضي، معلنا أنه الأجمل لأنه لا يتوقف عن التحرك نحو أمانيه.

الشخص الياباني هو الوحيد الذي يمكنه أن يجهز حقيبة سفره في خمس دقائق، هو يعرف ماذا يريد.. ثم أنه لا يملك إلا ما يريد وما يحتاج بالفعل. فهو يفتح دولاب ملابسه ويختار بدقة وسرعة ما يوفر له رحلة سعيدة. كما أنه يستخدم أقل عدد من الأثاث وأقل مساحة ممكنة من البيوت، هو محب للحياة والحركة.. يؤمن أن الحياة خلقت لكي نتحرك فيها بحرية دون قيود، لكي نستمتع بها، ولكي ننجز فيها ما نريد.

يقول مثل ياباني: حين تمتلك الأشياء.. أنت في الحقيقة تجعل الأشياء تمتلكك!

إلى حد كبير المثل صحيح، نحن نمتلك أشياء ثم نمضي وقتا طويلا وبجهد كبير لكي نحافظ عليها، نخشى عليها من أن نفقدها أو نفسدها، كل هذا الوقت والجهد هو في النهاية على حساب استمتاعنا بالحياة.

أمتع الرحلات التي تسافر لها بزجاجة ماء وقميص وفرشاة أسنان، فأنت فيها مثل عصفور.. كلما أعجبتك شجرة أمضيت ليلتك فوقها.

نحن فقط اخترعنا رحلات الشراء، نسافر لكي نعبئ حقائبنا بمشتريات، ونعود بقائمة المحلات التي عشنا فيها الرحلة، والفواتير التي دفعنا بها، ولكننا لا عشنا ولا رأينا ولا كنا هناك..

كل الأشياء التي تتعذب من أجل امتلاكها.. مصيرها أن تتحول إلى لا شيء، أو تصبح مجرد كراكيب تحتل مكانا في حياتك، الشيء الوحيد هو أنت، كن أنت، اعتني بما تملك من روح وجسد ومشاعر وعلاقات، تكلم مع نفسك، دلل جسدك، ارتفع بمشاعرك بعلاقتك مع الله سبحانه وتعالى وبالقراءة، توضأ بما منحه الله لك من حب، فأنت تستحق ألا تهدر عمرك في الاقتناء لمجرد الاقتناء.

كل يوم من عمرك هو عمر في حد ذاته، لا تضيعه دون عشرة إنجازات على الأقل: العمل ـ القراءة ـ التأمل ـ الصلاة ـ الخير ـ النوم بعمق ـ السؤال عن شخص في حياتك ـ تعلم أي شيء جديد ـ العناية بجسدك ـ الرياضة.

الأيام التي تمضي دون أن تكون في حياتك هذه الأشياء البسيطة.. هي أيام مهدرة.. وعمر ضائع.

اخترنا لك