فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني

وصفة أول السنة: تعرف على نفسك من جديد

لا تذهب قبل أن تعرف إلى أين تصل؟ الرحلات السعيدة هي التي تنتهي كما تمنيناها قبل أن تبدأ! إلى أين؟ هذا هو أهم سؤال يجب أن تسأله إلى نفسك أولا ودائما، فأنت بدون الإجابة الحقيقية الصادقة الواضحة السهلة لن تبدأ ولن تذهب ولن تكون إلا عند نفس النقطة الأولى معذبا بنفسك!

إننا نريد أشياء كثيرة. كلنا نريد أشياء كثيرة. أحيانا نريد كل شيء يمكن أن يصل له خيالنا، لا ندرك أننا كلما أردنا أكثر كان الأمر أكثر صعوبة وإرهاقا، الحياة تشبه محلا كبيرا نحمل فيه سلة نضع فيها كل ما نريد، لكننا حتما سنقف أمام ماكينة الحساب لندفع ثمن ما نحصل عليه.

الطموح صفة عظيمة لإنسان عظيم يستحق الحياة فعلا، لكن الطموح ليس معناه أن نتحمل عبء ورقة طويلة مكتوبة برغباتنا.. الطموح هو قدرتنا على اختصار ما نريد بشرط أن نصل إلى أرفع درجات النجاح فيما نريده.

الناجحون في الحياة لا ينظرون تحت أقدامهم.. ينظرون للأمام، يعرفون بدقة ماذا يريدون منها. إنهم أشبه بالطيور العابرة للمحيطات في مواسم البرد القاتل.. منظمة في طيرانها.. معها خريطة مسبقة بالأماكن التي تستريح فيها من عناء الطريق.

النجاح هنا، ليس النجاح المادي، إنما النجاح في اختراع حياة سعيدة، أو على الأقل تقترب من السعادة، النجاح هنا هو عزف هادئ لأيام حياتك، لن يستقيم إلا بتوافر عناصر متعددة في أسلوب الحياة، كما أننا لا نستطيع أبدا أن نعيش على وجبة واحدة لأيام متعددة، فإننا لا يمكننا أن نحصل على السعادة من الحياة لمجرد النجاح المادي أو التفوق أو السلطة على حساب أشياء أخرى، مثل الاندماج في كيان عائلي بسيط.

يزداد الإنسان نجاحا بالاندماج في المجتمع أكثر، ليس فقط المجتمع الذي ينتمي له كطبقة اجتماعية، إنما مختلف الطبقات، لهذا فإن الأكثر سعادة هو الشخص القادر على أن يصبح شريكا في كل المجتمعات والطبقات بالعمل الاجتماعى.

السيدة “معتزة. م” مثلا، سيدة تقف في منتصف العمر، كانت حتى وقت قريب لا تعرف من الحياة إلا الجزء الذي يطفو على سطح الماء، الجزء الذي اختارت أن تعيشه، ما بين عملها في شركة متعددة الجنسيات مثل كوكاكولا، والاندماج في حياتها الخاصة مع بعض صديقاتها في المناسبات الاجتماعية والأعياد وبالتالي الإجازات، وكانت سعيدة لا تشعر بنقص أو احتياج، لكنها في عامها الأربعين شعرت فجأة أن حياتها مملة تماما، أو كما تقول: ليست هذه هي الحياة، فأنا أمنح ابني الوحيد كل ما يحتاجه من مال، لكنني لا أمنحه كل ما أحتاج من وقت ورعاية وحنان وحوار، كذلك زوجي ننجح في بناء بيت جديد، لكننا عند هذه اللحظة أدركت أننا بنينا بيتا لكننا لم نبنِ حياة، أقمنا جدرانا جميلة لكننا لم نعبئها بالعلاقات الكافية والحب السهل بكل فطرته. باختصار عشنا الحياة لكن عمدا لم نعش الحياة من الداخل.. من العمق.. من التفاصيل التي تمنحها قيمة.

السيدة معتزة، كان نقطة التحول في حياتها ليست أعوامها الأربعين فقط، لكن التغيير جاء من الفرصة التي حصلت عليها؛ لكي تقوم بزيارة بيت للمسنين من الذين وضعهم العمر في سنواته الصعبة، لا مورد لهم لا صديق ولا ابنا غائبا يعود ليضع كفوفهم المرتعشة من العمر والوحدة في كفيه، هذه الزيارة التي قامت بها مع عدد من زملاء العمل؛ جعلتها تنضج فجأة بعد كل هذا العمر، تكتشف أن في الحياة أشياء أخرى يمكن أن تفعلها لتصبح لها معنى وقيمة، فغيرت أسلوب حياتها تماما، وأصبح العمل جزءا من عشرة أشياء كتبتها على الورقة البيضاء؛ مؤمنة بضرورة أن تستكمل حياتها بأشياء أخرى تريدها.

مرة أخرى: ماذا تريد؟

لا معنى لاختصار ما تريده في نفسك وحول نفسك فقط، وتستبعد من ورقة أهدافك كل ما لا يحقق لك رغباتك، ولا معنى أيضا لازدحام ورقتك بأشياء أكثر من قدراتك، وأكبر من وقتك وأوسع بمراحل من أن تحققها وحدك. الورقة الخالية من التفاصيل: فشل، والمزدحمة بالرغبات: انتحار.. ماذا تريد؟ ورقة تكتب في أول العمر، قابلة للتعديل في منتصف العمر، قادرة على الاختصار والإضافة في أي وقت، تقوم علام تريد لحياتك وليس ما تريد من حياتك، الأولى هي وصفة الحياة السعيدة التي تجعل منك إنسانا متوازنا ورائعا، بينما الأخرى هي وصفة السقوط ضحية في كل ما في الحياة من مغريات وهي كثيرة.

كتب شاب في الخامسة عشرة من عمره: “أريد أن أكون طبيبا معروفا، عندي عائلة جميلة صغيرة، أملك بيتا يطل على البحر، وسيارة أنيقة أسمع فيها موسيقى، أريد أن أسافر كثيرا وأعود إلى بيتي، وأساعد من يحتاج مساعدتي”. كان الشاب من عائلة فقيرة جدا عندما كتب هذه العبارة واحتفظ بها في سلسلة حول رقبته، كان فقره يصل إلى درجة أنه لا يجد في أول العام الدراسي ما يكفي لتسديد مصروفات الدراسة، وشراء الكتب المدرسية وحذاء جديد. وكانت العائلة مكونة من عشرة أبناء، وقرر الابن العاشر الحالم أن يبدأ حياته في هذا العمر مستقلا عن عائلته، ذهب للعمل في محل أحذية ليوفر مصروفات مدرسته، وطلب من صاحب المحل أن يعمل يوم الإجازة بشرط أن يأخذ مقدما حذاء جديدا. وفكر في أن يساهم بالعمل في الصباح في مطبخ المدرسة الذي يوفر وجبات طعام للتلاميذ، فحصل على أجر وكان يعود إلى بيته ببقايا طعام ساخن لأمه تضعه على العشاء، وفكر أن يستفيد من وقت المذاكرة أن يذاكر لزملائه الأقل قدرة على استيعاب دروس المدرس، كان يذاكر لهم فيشعر بالثقة في نفسه، والمتعة في أن جزءا من وقته مخصص لمساعدة الآخرين، هذا الشاب الصغير هو الآن طبيب ناجح ومعروف في العالم العربي، وهو يحكي القصة لأصدقائه باعتزاز كما يحكيها لتلاميذه حين يجد أن كل كلامهم شكوى من الحاضر وخوف من المستقبل، يؤمن أن الحاضر قابل للتغيير في أقل من 12 شهرا إذا التزم الإنسان بقوانين التغيير، وهي الإيمان بفكرة والإرادة القوية لتحقيقها، كما أن المستقبل سهل تعديله إذا ذهبنا له بخطوات واضحة نريد تحقيقها.

الرجل بسيط لا يبدو ساحرا بقدر ما هو حكيم، وهو يقول إن الحكمة تعني أننا يجب أن نفكر بعمق ونحن نتحرك للأمام، فهو يرى أن التفكير لا يعني أن نظل في أماكننا حتى نصل إلى الفكرة، لكن يجب أن نتحرك في الاتجاه الذي نرى أنه الصحيح، جزء مهم من تحقيق ما نريد هو الإحساس أو التنبؤ بما يجب أن نفعله، “استفت قلبك”.. هذه العبارة القصيرة مهمة ونحن نبحث عن خطواتنا التالية في الحياة.

ليس كل ما نتمناه هو ما يجب أن نسعى لتحقيقه، الأهم: أن نملك القدرة والموهبة على تحقيقه.. ونشعر بارتياح وحب وسعادة ونحن نقوم بالخطوات التي تؤهلنا له.

والمعنى: أننا يجب أن نبذل جهدا للحصول على الأشياء التي نتأكد أننا نملك موهبة خاصة فيها، وأن نشعر أن الله خلقنا لكي نحقق هذا الهدف، والأمر يحتاج إلى أن تكون صادقا وجريئا تماما وأنت تكتشف نفسك، وأن تفرق بين ما تتمنى وما يمكن أن تنجح فيه بالفعل.

كم من أطباء ومهندسين ورجال أعمال غير سعداء بما وصلوا له؛ لأنهم ساروا عكس التيار.. لم يستخدموا الغريزة التي منحها الله لنا لكي نكتشف ماذا نريد؟ وماذا نملك؟

إن ورقة بيضاء صغيرة وقلما رصاصا يمكن أن يغيرا حياتك ويصنعاها.. ببساطة أن تكتب كل أمانيك وتصل إلى اختيار واحدة فقط تناسب أسلوب حياتك وقدراتك وموهبتك، ثم تتوجه لكي تضع كل تركيزك وكل إمكاناتك لبلوغ هذا الهدف النبيل.

إن جزءا كبيرا من نجاح عظماء غيروا التاريخ وغيرونا، هو أن كل ما كانوا يمتلكونه من أحلام: حلم واحد ساروا نحوه بمنتهى القوة.

قطرة الماء التي تسقط من ارتفاع صغير على صخرة صلبة كل دقيقة، تبدو عملا مملا وروتينا قاتلا؛ لكن بمرور الوقت والإصرار يمكننا أن نكتشف أنها بمنتهى السهولة صنعت في الصخرة ثقوبا عميقة جعلت منها عملا فنيا مبدعا ومختلفا.. هذه وصفة أول السنة، أن تعرف بجدية من أنت وماذا تريد؟

اخترنا لك