فنجان قهوة بقلم: يسرى الفخراني

يسري الفخراني

أكاذيب أنثوية!

على عكس ما يشاع: يحتفظ قلب الرجل بالحب أكثر من قلب المرأة، الرجل إذا أحب وضع كل مشاعره في تصرفاته وسلوكه تجاه من يحب، تتحول المشاعر إلى عطاء حقيقي، يخلص لتلك العلاقة بكل ما يستمد من قوة منها، ولسبب أو آخر، لخروج رجل أو مليون رجل عن القاعدة، أشيع أن الرجل لا أمان له، وأنه قد يغدر في لحظة وأنه قد يبيع حب العمر عند أول منعطف.

كل هذه الأشياء المغلوطة التي ألصقت بالرجل.. حان وقت تصحيحها، أو ربما بسببها قرر الرجل ألا فائدة مع المرأة إلا أن يعذبها بكل التهم التي وجهتها له.

تصورت المرأة في عصور كثيرة أن مهاجمة الرجل ومحاصرته باتهامات باطلة.. قد تجعله خائفا باستمرار.. أن يكون هذا الرجل الخائن الكذاب المنافق. فهي تصورت أيضا أن بإمكانها أن تمتلك الرجل بتلك الأكاذيب الملونة التي وجهتها له في مقتل. لكنها.. لم تعرف تماما كيف يفكر الرجل. ولا ما هي الفائدة التي خسرتها حين حولت الرجل من حبيب إلى خصم ومن صديق إلى عدو.

تلك الأكاذيب التي تفسد العلاقة الجميلة التي خلقها الله سبحانه وتعالى بين الرجل والمرأة، مع أن العلاقة ليست في حاجة إلى أكاذيب.. إنما صراحة ووضوح وأمل وحوار متجدد، كنت ومازلت أرى أن العلاقة بين الطرفين هي أرقى وأسمى علاقة، ويجب أن تستمر كذلك، فهي متوجة بروابط الحب والحميمية، بما يعني كل أسباب الاقتراب الشديد، وكل الالتصاق النقي.

وكنت ومازلت، أكتب عن الحب كبوابة للدخول إلى حياة سعيدة مطمئنة، كيف يمكن للمرأة أن تعيش حياة مستقرة بدون أمان الرجل، وهي التي تصنع هذا الأمان بالحب والثقة والود والحقيقة المطلقة، كما أن الرجل الباحث في كل الأحوال والأدوار عن الهدوء والسكينة والعلاقة الدافئة بكل حنانها وأمانها.. عليه أن يوفره إلى المرأة لكي يحصل عليه أيضا. الأمر ليس أدوارا متبادلة.. بقدر ما هو عطاء مستمر من طرفين يبحثان عن السعادة الكامنة في حياتنا.

إن الحياة جميلة.. لكننا نشكو منها، نشكو تقلباتها، فهل هي التي تنقلب باستمرار أم نحن الذين نمنحها هذا الانقلاب بتصرفاتنا وسلوكنا وغيرتنا وطريقتنا وعبثنا وأنانيتنا وثقافتنا؟!

يجب أن تتغير ثقافة المرأة تجاه رأيها وعلاقتها بالرجل، يجب أن تمحو أساليب الاتهام والغدر والخيانة وتجرب أن تغذي العلاقة مع الرجل بمشاعر إيجابية مثل الثقة والأمان والحنان والحب والأمل.

يبقى من كل شيء حتما استثناءات، تجعل الرجل شريرا، وتجعل من المرأة ثعبانا، تجعل من الرجل إنسانا لا يحب الاستقرار ويبحث عن النزوات والرغبات، بينما المرأة تلعب دور البطولة في الإغواء والفساد، لكن طبيعة الطرفين في آخر الأمر تفرض المعادلة التالية: حوار جيد.. يؤدي إلى علاقة ناجحة مستقرة دائمة.

حين يحب الرجل.. يتحول من شجرة عملاقة إلى زهرة رقيقة، وحين يكره.. يتحول من طفل وديع إلى خصم عنيد!

هذا هو.. أكثر الرجال يحملون تلك المشاعر المتناقضة التي تجعل قلوبهم في الحب شفافة، وعند الخصام قاتمة، وعند الحرب قاسية.. وعمياء.

في الحب.. يصبح قلب الرجل بلورة سحرية، قادرة على أن تحقق المستحيل مهما كان مرهقا، وعلى رؤية المستقبل مهما كان بعيدا، يختصر القلب.. دون أن يهزم، وينبض بالمشاعر الفياضة.. بلا ندم!

في الحب.. ينصهر الرجل إلى معدن نفيس، يراهن على أحاسيسه القوية التي تعيد صياغة العالم.. كل العالم، يتسلل إلى صفحات ألف ليلة وليلة، فيصبح أسطورة قابلة لتحقيق أصعب الأمنيات.. لامرأة يحبها.

الرجل في الحب عصفور، عطر، أغنية، مصباح علاء الدين، بساط الريح، حارس المغارة، نزار قباني، عبدالحليم حافظ، سفينة نوح، بيل جيتس، فرانك سناترا، بواب العمارة، عازف الكمان، بائع القهوة..

في الحب.. الرجل يصبح رجلا وأكثر.. رجل أعمق.. رجل أقوى.. رجل يمنح ولا يمنع، يحب حبيبته بقدر نفسه.. وربما أكثر.

هل لهذا السبب يهرب الرجل من الحب؟

هل من هنا يفضل الرجل اختيارات أخرى غير الحب؟

يفضل.. ما يشبه الحب.

يفضل الاختباء في علاقات بنكهة الحب.. وليست الحب ذاته، فإذا ملّ.. هرب، وإذا سقط.. وقف، وإذا انكسر.. استعاد نفسه بسهولة دون خسائر فادحة.

كثير من الرجال الآن.. يفضلون هذا النوع المعلب من الحب.. يكتفون بالنكهة، بالطعم، بالألوان المزيفة المصنوعة لتضفي شكلا دون أن تمنح مذاقا.

ولهم في ذلك حكمة: “المرأة حين تدرك بحسها الأنثوي أنها أمام رجل يحبها بقلب صادق.. حب حقيقي، حب واضح واحد صافٍ، تتحول من امرأة إلى صياد، من أنثى ضعيفة رحيمة رقيقة إلى كائن شره للمزيد من كل شيء، يصبح الرجل خاتما في إصبعها، يصبح خادمها المطيع، وتتصور نفسها باراك أوباما رئيس الولايات المتحدة الأمريكية سيدة العالم، المرأة لا تفهم قيمة الرجل حين يحب بصدق، حين يحب بكل مشاعره وبكل حنانه وجنونه، لا تفهم معنى هذه الهدية التي منحها لها الله، رجل.. يحبها حتى اللانهاية، فتتحول من عروس النيل.. إلى فرعون، ومن قط سيامي.. إلى طائر جارح ينقض على ضحيته في لذة، لا تستحق المرأة أكثر من نصف حب.. نصف قلب.. نصف وقت، حب يشبه الحب، حب ناقص، حب.. بنكهة الحب وليس بالمشاعر الطازجة الكاملة..”.

ما سبق: حكمة تعكس قصص الحب الهشة التي نعيشها الآن، تعكس الأسباب التي من أجلها تموت المشاعر في أولها بنفخة هواء عابرة، وتنتهي كلمات الحب قبل أن تبدأ، ويحتفظ المتزوجون حديثا بأرقام هواتف أقرب مأذون إلى بيت الزوجية، وتصبح الحروف السهلة على لسان زوجة في الشهر الأول: طلقني!

ما يلي: سؤال ساذج عن الأسباب التي تجعل ما بين اثنين ليس حبا.. لكن بنكهة حب؟ سؤال عن حالة فقدان الثقة بين رجل وامرأة بينهما حب كاذب.. وحياة أكثر كذبا، هرب الفرسان والنبلاء من ميدان الحب لا يريدون جرحا من شركاء الحب، ولا موتا في سبيلهم!

هذا زمن كل شيء فيه له تواريخ للصلاحية، ومواعيد للانتهاء، عمر افتراضي.. محسوب بدقة، وعلى المقيمين خارج هذا العمر الافتراضي مراعاة ضرورة الانتباه لأهمية تجديد كل ما هو منتهي..

العلاقات المنتهية.. يجب أن تنتهي إلى الأبد.. أو أن تبدأ من جديد، وفي الحالتين مطلوب الصراحة والوضوح والصدق.. “الأيام التي تمضي في علاقة منتهية عذاب.. والأيام الجميلة التي نخسرها في علاقة يمكن أن يجلس طرفاها على مائدة المفاوضات لتجديد ملامحها وتحسين صورتها وتأكيد مشاعر الحب فيها.. هي أيام لا تعود”.

أزمة العصر.. الكذب!

حتى في تلك المشاعر البيضاء التي تشبه أجنحة الملائكة التي منحها لنا الله فلم نحتفظ أو نحتفي بها كما يجب.. وأهدرناها في الكذب.. نفقد أنفسنا وأعمارنا وحياتنا التي نحلم بها.. ونستبدل الحب الحقيقي العميق النقي الملهم.. بحب كالحب.. يشبه الحب.. بنكهة الحب الاصطناعية!

حين نحب، يجب أن نبحث عن الحب الحب.. وأن نحب بكل ما نملك دون أسئلة مسبقة أو حدود مرسومة أو ابتسامة صفراء بلا ملامح أو روح، حب بكل ما وهبه لنا الله من عطاء، نحب.. حتى نثبت “صحة ما نحب أو خطأ ما نحب”.

وقتها.. تأتي الصراحة، على أي أرض نقف..”على أرض الخوف من مشاعرنا أن تقتلنا، أم الخوف على مشاعرنا أن نقتلها”.

في تلك اللحظة.. سوف يتأكد لنا أن “الحب الحقيقي.. يمنحنا حياة حقيقية.. حياة نستحق أن نعيشها.. بالحب وليس بنكهة الحب”.

لن يشكو رجل أن حبه.. أصبح سجنه، ولن تشكو امرأة أن قلبها سرقه منها خيال ظل يدعي أنه رجل!

اخترنا لك