فنجان قهوة يسري الفخراني

يسري الفخراني

رسالة إلى ابنتي

ابنتي الحبيبة، لم أفكر من قبل أن أكتب لك، فأنت لا تفارقين قلبي ومكاني، فمن أين آتي بالكلمات التي أجعل منها رسالة لك، أليست الرسائل تكتب لكي تختصر ما بين المسافات البعيدة، وأنت هنا في أقرب مكان إلى تفاصيل حياتي.

لكن أحتاج إلى أن أكتب لك، أؤمن أن الكلمة حين تتحول إلى حبر تصبح مثل النقش على الحجر.. تصبح لها روح ولها إيقاع ولها أثر في النفس.. تمتد في الزمان وتحتل مكانا متميزا يجعلنا نفهمها.. ملايين الفتيات الصغيرات في مثل عمرك؛ الذي يشبه زهرة قطيفة في أول الربيع في احتياج إلى كلمة تنفذ عبر جلودهن الرقيقة؛ لتلمس ما أنتن فيه من ألم مبكر، فهذه الحياة التي تبدو ناعمة تعشنها ليست كتلك الحياة التي عاشتها أمهاتكن وجدادتكن، كانت حياتهن أصعب لكنها أجمل، كانت حياة حقيقية، كانت الرسالة التي أكتبها لك لتصلك على الإيميل في نفس اللحظة، وربما ستقرأينها بسرعة مبالغ فيها.. كانت تكتب على ورق ملون له رائحة ورد.. الخطوط وحدها كانت تخبئ كل معاني الحب.. كل طاقته وطعمه الحلو..!

أنتن، جيل تعيس، لا تشممن رائحة الحبر، كما لا تشممن رائحة الطعام في البيت حين تعدن من يوم دراسي مرهق، لا تلمسن ألعاب القطن بملمسها الناعم ولا أوراق الكتب بدفئها العميق. كل شيء.. له ملمس البلاستيك.

ومع ذلك، ليس لهذا السبب أكتب لك، أكتب لك لأنك تعرفين تماما كم أحب الكتابة والكلمات.. ومنهما أهديك من صنف ما أحب. وأكتب لك لعلني أفهم لماذا أحبك يا ابنتي كل هذا الحب؟ لماذا يحب الآباء بناتهم كل هذا الحب خاصة حين تكون أول ما يرزقه الله.

كم عمرك الآن؟ تسع سنوات..؟ ملايين البنات يعشن حول هذا العمر الجميل. أول عتبات المراهقة تبدأ بكلمات عن الحب خجولة. آخر عتبات الطفولة وتحبسين ما تبقى منها في صندوق مغلق، هكذا تغادرين الطفولة بإصرار وإرادة ولو كنت تدركين لبقيت هناك طفلة. تنامين وقتما تشائين وتلعبين وقتما تريدين.

خذي معك طفولتك العمر القادم كله. أنصحك. أنصح ابنتي التي تخلع ضفائرها وتضع قدميها في أحذية أمها تجرب كيف تكون خطوات الكعب العالي. الطفولة يا ابنتي لا تعوض. الطفولة مثل الجذور التي تنمو في عمق الأرض لتصنع شجرة فارعة جميلة وقوية. لا تنزعي جلد الطفولة الناعم بكل براءته. فستجبرك الأيام فيما بعد أن تخلعي هذا الجلد وترتدي غيره. جلدا أكثر خشونة وأكثر سمكا.

تعلمي من أمك يا ابنتي. وعلميها.. تعلمي معها كيف تصنع الحياة وتصنعي منها بيتا واستقرارا وأملا. علميها كل حرف جديد تتعلمينه. الأم ليست فقط أجمل مدرسة في الحياة.. لكنها في الحقيقة أقرب صديقة. هل هناك أجمل من أن يكون لديك صديقة لا تشي بأسرارك وتخبئها وتنصحك بأصدق نصائح. أسعد البنات من اختصرن المسافات بينهن وبين أمهاتهن.. والعكس، من تدربت على الابتعاد عن أمها فقدت الكثير جدا من ممتلكاتها.

يا ابنتي.. لا تقلدي أحدا، كوني أنت، كوني نفسك، لا تتطلبي منها أكثر مما تحتمل. من تحاول أن تكون غيرها تتحول إلى عروس بلاستيك لا روح فيها. اكتشفي أجمل ما منحك الله من جمال وموهبة وتعاملي بها مع الحياة. أن تكوني نفسك.. هذا سر النجاح والتميز. ما قيمة أن ينجح الإنسان بينما هو يعيش في أحلام وأماني إنسان آخر.

استشيري.. كان المثل يقول: ما خاب من استشار. أعرف أن في عمر معين بين الطفولة والشباب؛ يتصور الإنسان أنه يفهم وحده كل شيء، ويعرف أكثر من أي إنسان حتى لو كان أمه أو أباه، كلنا وقعنا في هذا الفخ قبل أن نكتشف قيمة أن نسأل من هم أكبر، ومن هم يملكون لنا حبا لا يضاهيه أي حب.

الإنسان الكبير هو من يجعل له كبيرا، ستعرفين قيمة أن يكون لك كبير حين تجتازين بوابات الطفولة والمراهقة، وتجدين نفسك في مواجهة الحياة بطولها وعرضها وصعوبتها. تعلمي.. أن العلم ليس فقط ما نجده في الكتب، إنما نستمده من عقول وقلوب الناس.. من مواقفهم ومن تجاربهم. كل يوم يجب أن تتوقفي مع نفسك قليلا لتعرفي؛ ماذا أضفت إلى نفسك في هذا اليوم. العظماء يا ابنتي هم أكثر الناس إخلاصا في التعلم. العلم يجعلك تعيشين أكثر من حياة في حياة واحدة، لا تتوقفي عن التعلم وعن الفهم وعن المناقشة وعن الحوار وعن الاستماع.. اجعلي الحياة تتدفق إلى داخلك في سهولة ودون غرور.

ابنتي. ممتع أن في يدك كل أدوات التكنولوجيا. أي فون. أي باد. أي بود.. لكن الحياة السعيدة لا تتوقف عند هذه الأشياء، ولا تتحقق بهذه الأشياء. كنا صغارا وكانت لعبنا بسيطة، لكنها كانت تطلق لنا الخيال لكي نشاهد ما لا نعرف. الآن كل شيء عند أطراف أصابعك، وهو ما يجعل الخيال محدودا. أحب أن أمدك دائما بأوراق وخيوط وألوان وصلصال وصمغ، وأجلس معك أشاهدك كيف تطلقين خيالك بألعاب بسيطة، لكنها من صنع يدك وخيالك، كيف تحولين الورق إلى رسومات جميلة رائعة مليئة بالتفاصيل والألوان المدهشة، إننا أحيانا نحتاج إلى العودة زمنا للخلف؛ لكي نعيش لحظات أكثر سعادة. أنا لست ضد كل ما هو جديد ولا ضد كل الأشياء التي جعلت حياتنا أسهل واتصالنا ببعض أسهل، لكنني ضد أن تسرقنا هذه الأشياء من حياتنا.. من علاقتنا ببعضنا.. من كلامنا معا.. من اقتسام وقت طويل وجميل في غرفة واحدة نصنع شيئا مفيدا.

لست أبا يعيش يا حبيبتي في الماضي ويرفض الحاضر بالعكس، لكن لماذا لا نأخذ من كل شيء أجمل ما فيه، من الماضي لماذا لا نأخذ أم كلثوم وقص الورق وعرائس القطن وخيال الصلصال، ومن الحاضر لماذا لا نأخذ عمرو دياب وأي باد وكارتون ديزني.

لا أحد يلغي أحدا، لا الماضي يلغي الحاضر ولا الحاضر يلغي الماضي، الذكي وحده هو من يجعل قلبه مفتوحا لكل الاحتمالات وكل الأشياء الجميلة.

إنني أرى فيك كل شيء رائعا في الحياة، وأتمنى أن تكوني فتاة مختلفة كما كنت طفلة مختلفة، كما أتمنى أن تكوني أيضا امرأة مختلفة. لا يمكن أن أصف لك أو أقدر كم حبي لك كما كل الأباء، لهذا السبب تماما أحب لك أن تعيشي عمرك؛ دون أن تفقدي أشياء جميلة تصنع داخلنا إحساسا بالأمان.

ربما لا تفكري في قراءة ما أكتبه لك، فأنت مشغولة برواية مكتوبة باللغة الإنجليزية لكننا على يقين من أنك ستفتشين عما كتبته في يوم ما وتعملين به وتتعلمين منه.

لا تركضي خلف حلم لا تملكين موهبته والقدرة على تحقيقه حتى لا تشعري يوما أنك صغيرة أو ضعيفة. ما أجمل أن يكون الإنسان كبيرا أمام نفسه. كوني كبيرة حتى وأنت تطفئين شمعة يوم ميلادك العاشر.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك