كتاب اليقظة

فنجان قهوة يسري الفخراني

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني

امرأة لا تشبه أيامها!

لكن القصة لا تبدأ هكذا حتما.. تبدأ من بعيد، بيت صغير يحمل عائلة كبيرة، أمي وأبي وثلاثة أشقاء وزوجي وبناتي الثلاث وأنا، مدينة صغيرة على البحر، مدينة عمرها ألف عام، مدينة ظلت بعيدة عن كل محاولات جرها للمشاكل والأزمات، تزرع الحمص والفستق وتصنع الخبز بالحليب وحلوى ليس لها مثيل إلا في مدينتنا التي تشبه حدوتة قبل النوم التي يحبها الأطفال.

كان كل شيئا جميلا، نزرع ورودا في النوافذ.. نغني ونرقص ونفرح.. لا شيء في مدينتي الصغيرة يدعو لحزن.. لا نفكر في الغد لأن اليوم جميل.. ولا نفكر في الأمس لأن الغد أجمل.

علمتني أمي خياطة الملابس.. وعندما كبرت افتتحت مشغلا جمعت فيه الفتيات الصغيرات اليتامى وعلمتهن لعبة تحويل القماش إلى فساتين وقمصان.. أصبح مع الوقت عندنا مصنع يصدر للعاصمة تصميمات جديدة كنت أستوحيها من مجلات الموضة وأضيف لها ما يناسب عاداتنا وتقاليدنا وحياتنا.

في نفس الوقت كانت حياتي العائلية تمضي مثل نهر هادئ تماما.. أكبر عواصفه أن نحتلف على أين نقضي إجازة العيد؟ فى البيت أم في الجبل أم في العاصمة.

أمى العجوز تقضى وقتها تحت الشمس فى الربيع تدفء أيامها بقراءة القرآن.. أبي يعتني بأشجاره العجوز التي زرعها وهو طفل صغير.. وزوجي يعمل في وظيفة محترمة بالديوان..

تبدو حياتنا من بعد رتيبة ليس فيها شيء مثير.. لكنها ويا ليتها تعود!

اشتعلت إضرابات في مدن متفرقة بعيدة عن مدينتنا.. كنا نتابعها كأننا غرباء عنها، إنها لا تخصنا في شيء.. هي في بلد ونحن في بلد آخر.. هي في عالم ونحن في عالم.. نقضي الأمسيات كعادتنا نتكلم عما حدث طول النهار.. ويكون نصيب هذه المظاهرات دقيقة لا أكثر من وقتنا.. في ليلة قال زوجي بقلق: اليوم رأيت عشرة أشخاص يهتفون في أكبر ميدان في المدينة. العدوى انتقلت لنا.. وياليتها ما حدثت.. ما الذي جاء بها هنا.. من هنا لا يحب حياته الهادئة لكي يشعلها.. لم أنم تلك الليلة.. تمنيت أن تكون مجرد نزوة تذهب إلى حالها إذا جاء الصباح التالي..

لكنها لم تكن نزوة..

تطور كل شيء بسرعة مريبة.. وتحول التظاهر إلى صوت إطلاق الرصاص على الأبواب والنوافذ في لمح البصر.. تحولت مدينتي الصغيرة في يوم وليلة إلى مدينة أشباح.. جاري إختفى ثم وجد مقتولا.. صديقتي ذهبت ثم عثر عليها مغتصبة.. أبي حرقوا له أشجاره وعاد لا يقوى أن يرفع عينيه من الحزن والقهر في عين أحد ورقد في فراشه محطما تماما..

ما لم أتصور يوما حدوثه لمدينتي الهادئة.. حدث في ساعات.. قطعت الاتصالات وقطع الإنترنت وسرقت سيارتي وسطو على مشغلي وقالت لي عاملة فيه: إن ثلاث بنات اختفين في ظروف غامضة.

كيف يتحول الحلم الناعم.. إلى كابوس مفترس!

قال لي زوجي: إنهم يقومون بخطف الأطفال وتهريبهم خارج الحدود لبيع أعضائهم. تكومت فوق بناتي وقلبي كله يخبئهن. قال لي لابد من السفر.. سنهرب معا..!

نظرت إلى غرف أمي وأبي وأشقائي المغلقة.. وصرخت: وهؤلاء المساكين.. كيف لهم في مغامرة الهروب..؟! وبناتي..، عجائز وأطفال كيف يتحملون مشقة الهروب في شتاء قارص أقل أمطاره ثلج. قال لي: ليس لنا إلا هذا الحل.

أعد زوجي خطة الهروب وأخبرني بها.. سنذهب إلى أول حدود تقابلنا ونعلن لجوءنا إليها.. لكن المسافة مئات الأميال.. نستقل سيارات متتابعة على مسافات قصيرة.. نخرج مع أول طلة نور في السماء.. حيث الاشرار يعملون في الليل حتى الإجهاد ولا يتوقعون أن يغادر أحد بيته هاربا في ضوء النهار.. بعد الغد الموعد.. لماذا ليس غدا؟.. قال حتى أدبر بنزينا وسولارا وتموينا للطريق.

في الليلة ذاتها جلست أودع كل ذكرى لي.. بيتي الذي ولدت فيه وعشت وتزوجت وأنجبت بناتي الثلاث على يد داية الحي أم سميرة، هذه شخبطة ابنتى الأولى ملك على الحائط حين كان عمرها سنة.. لم أشأ أن أعيد طلاءها.. تركتها وشما لنتذكر أياما أجمل.. لم أكن أعرف أنني اليوم أراها الذكرى الأجمل والشيء الأثمن التي أتمنى لو انتزعت الحائط لآخذ شخبطاتها معي إلى حيث نهرب لاجئين إلى مجهول.. أخبرت أشقائي بخطة الهروب.. كما أخبرت أمي وأبي.. ألقت أمي نفسها عمدا على الأرض الصلبة وقالت أنها لن تغادر أرضها وبيتها.. وأشار أبي بصوت ضعيف: سأموت هنا. أكملت الأم التي تضاعف عجزها في الأيام الأخيرة: لكن سفرك مع بناتك وأخوتك سيكون موتا لنا.. في كل الأحوال نحن موتى!

قضيت ليلة لا توصف.. كيف أصفها وأنا لا أشعر بكل نقطة في جسدى.. كلي مشلولة.. أريد هروبا.. لكن الهروب إلى المجهول موت مؤكد.. موت سابق لأوانه.. بناتي أخاف أن أفقدهم لو بقيت.. فالبيوت لم يعد لها حرمة تمنع اقتحام الغرباء.. لماذا في تلك الليلة يطاردني مشهد عنيف مفزع أرى نفسى فيه أغتصب أمام أعين بناتي؟

جاء زوجى على وجهه برد ديسمبر يعلن أن الخطة اكتملت.. وخريطة الطريق في جيبه.. وليس علينا إلا أن نستعد.. قلت له: أبي وأمي باقيان.. لن يغادرا.. سب ولعن وغضب وصرخ.. لأول مرة أسمعه يهين أحدا.. قال مثل قرار أخير: سأخذك ونسافر ومعنا البنات.. ومن يرد أن يحضر أهلا وسهلا.. ومن يرد أن يموت هنا فليمت الآن ويتركنا لنعيش.

قلت له: وهل عندما نغادر بيتنا إلى حدود مجهولة سنعيش حقا؟ فاجأه السؤال.. لكنه قال: على الأقل لن نتعرض للموت أمام بناتنا. أو الاغتصاب أمام عيونهن.

قلت له: ما أدراك أننا لن تباع أعراضنا على الحدود.. ويسلبون منا كل ما هو غالٍ من شرف وكرامة وأرواح بناتنا إن أرادوا؟

أصابته لوثة أو هياج، ربما رأى أشياء لم يبح لي بها من قبل، وقال في أعنف نوبات غضبه: أنا سأرحل مهما كان الأمر.. سأرحل قبل أن يمزق صبي أخرق شرفي أمام عيني ثم يضع في قلبي رصاصة موت!

قلت له في هدوء أدهشني شخصيا: أنا لن أسافر معك.. سأبقى هنا.. سأحمل سلاحا وأدافع عن بيتي وبناتي.. وأخرجت من فوق الدولاب القديم بندقية وطلقات..

كنت في هذه اللحظة إنسانا آخر مخلوقا من رحم اللحظة ذاتها.. نفسها اللحظة التي تطالبني بالرحيل خوفا.. تهديني ميلادا جديدا لكي أبقى أقوى امرأة على وجه الأرض.. إن قطتي الصغيرة كانت تقفز من فوق الأشجار العالية دفاعا عن أطفالها.. وتعيش.. بعض حياتها خوفا وبعض حياتها سعادة.. فلماذا لا أكون أنا تلك القطة التي تحمل سلاحا لتدافع به عن شرفها وعن كرامتها وعن أبواب بيتها المغلقة على بناتها وعلى أبيها وعلى أمها.

اختفى زوجي حين خرج في تلك الليلة غاضبا يحمل لوثة من جنون.. واختفى في الصباح التالي شقيقي الأكبر.. بينما ازددت إصرارا على أن أكون قطتي الشرسة.. لن أستسلم.. ليس فقط دفاعا عن بيتي وبناتي ومدينتي.. إنما دفاعا عن فكرة أن تعود الأيام الهادئة إلى مكانها تماما..

سوف تعود.. أؤمن أنها ستعود.. كل يوم أزداد قوة وقدرة على المواجهة.. وأزداد أملا أن الفجر اقترب من أن يرسم نورا على صفحة السماء.. لا أريد أن أهرب أبدا عند الفجر.. إنما أن أعود. لا أريد أن أكون رقما في لاجئين على الحدود يلقى لهم الطعام وتلقى لهم الأوامر آخر الليل.. أريد أن أصنع قصتي بنفسي في مدينتي في بيتي.. في حديقتي الخلفية التي يزرعها أبي طعاما لنا..

لابد أن تستمر الحياة.