فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني

الأغنياء.. هم من يعرفون ماذا يملكون في أي لحظة لكي يواجهوا العالم بقوة

سوف أحكي لكم حكاية، كان هناك شاب فقير يعيش في غرفة فوق السطوح وحيدا، لا يملك عائلة، منذ سنوات رحل والداه وكان يسكن في قرية بعيدة، فأغلق المنزل الصغير وبحث عن غرفة صغيرة في المدينة لكي يبدأ منها حياته، كان يرى أن خلفه ذكريات مرة وأن أمنيته أن يصنع ذكريات جميلة.

في غرفته الصغيرة التي تطل على أضواء المدينة، كان يقضي الليل بطوله يتأمل كل هذه الأضواء التي تطل من نوافذ البيوت، كان يسأل نفسه سؤالا بسيطا: هل كل هؤلاء الذين يضيئون بيوتهم سعداء؟ هل لا يعرفون مثله الوحدة والعذاب؟ هل هم أغنياء لا ينامون مثله بدون عشاء؟

كان يحب الكتابة، يكتب الشعر، وفي صمت الليل يكتب، قصاصات ورق صغيرة، الكتابة صديقته، الورق هو ملمس الإحساس الوحيد الذي يشعر به. لكن عمره الشعر أحضر له وجبة عشاء. لم يحوله الشعر من إنسان بائس لا يملك سوى قميصين إلى إنسان ممتلئ بالأمان.

قرر أن يبحث عن عمل، بحث كثيرا، لم تكن معه إلا شهادة متوسطة.. وفرت له وظيفة ساع في صحيفة كبيرة. لم تكن هذه الوظيفة أدني طموحه.. لكنه لم يجد إلا هي لكي يدفع إيجار الغرفة التي يسكنها والطعام البسيط الذي يأكله.

لم يتصور يوما أن يكون مجرد شخص يقدم الشاي والقهوة ويحضر الطعام ويقضي المشاوير لأصحاب السعادة من محرري الصحيفة. تصور يوما أن يكون مكان كل محرر يطلب منه فنجان قهوة لكي يكتب سطرا في الصحيفة، حذره زميل له، ساع أكثر منه خبرة وأكبر عمرا ألا يبوح لأحد بسره، لا يقول لأي إنسان أنه يكتب الشعر، حذره أن تقع عين أي إنسان على ما يكتبه،

أحس بمهانة شديدة، مجرد التفكير في أن ما يكتبه من شعر يمكن أن يكون ضد لقمة العيش التي يقبض أجرها آخر الشهر، شيء مخيف، شيء جارح، لكنه تحمل، لم يكن يملك غلا أن يتحمل، وأن يقاوم لكي يبقى على قيد الحياة، كان عنده أمل أن يغري الواقع في يوم ما، وكان يرى أنه غني جدا بإرادته وبموهبته وبطموح وبرضاه وبصبره وببعض الناس الذين أصبحوا عائلته على الرغم أن معرفته بهم لا تمتد لأكثر من شهور قليلة، جار أو صاحب محل بقالة يتعامل معه على النوتة، الدفع آخر الشهر، الحلاق، المكوجي الذي يسترزق في دكان لا يتعدي مترين، بائع الصحف، عامل الأمن في المؤسسة الصحفية التي يعمل بها، موظف التليفونات الذي يجعله يجري مكالمات مع ما تبقي له من أصدقاء في البلد.

استمر في تقديم الشاي والقهوة، سمع مرة محررا في الجريدة يقول لزميله: هذا الساعي الجديد أكثر حظا منا، هو يحصل على بقشيش من كل واحد في الجريدة، ويحصل علي مرتبه، ويحصل على مساعدات من كل الناس، وليس عنده مسؤوليات، لا هو متزوج، ولا هو مضطر لشراء ملابس، يكفيه البذلة الصفراء التي تمنحها له المؤسسة، محظوظ ابن الأيه!

ضحك، حتى البذلة الصفراء والقروش التي يحصل عليها من بقايا الحساب آخر النهار محسود عليها.

هذه الحادثة تحديدا جعلته أكثر إصرارا على أن يكون في يوم من الأيام شيئا مهما، تعلم في جامعة مفتوحة ليحصل على بكالوريوس الإعلام، دفع قروشه القليلة ليلتحق بمعهد صغير يعلم اللغة الإنجليزية، استغل وقت الفراغ في الجريدة في المساء ليتعلم الكمبيوتر!

كان هدفه أن يضاعف ثروته، هو موهوب في الشعر، لكنه لم يكن يملك شهادة أو لغة أو قدرة على التعامل مع الكمبيوتر، هو محظوظ لأنه يرى المدينة من فوق السطوح من غرفته الصغيرة، لكن قلبه الصغير كان يتمنى دائما أن يضيف إلى ثروته بشرا من كل مكان على الأرض.

كتب قصيدة، اسمها: أنا غني بفقري.. أنا أملك عمري، ومررها إلى محرر باب رسائل القراء فنشرها دون أن يعرف أن كاتبها هو الساعي الذي يضع على مكتبه فنجان القهوة كل صباح.

هذه هي قصيدته الأولى التي تتاح للجميع أن يقرأها، كان سعيدا في هذا النهار الذي وجد اسمه المستعار منشورا على قصيدة، حصل على عدد من النسخ من الجريدة ووزعها على أصدقائه الجدد في الحارة التي يقيم بها، قال لهم: هذا هو أنا، هذه قصيدتي، هذه أول حروفي إلى مستقبلي الذي أستحقه.

كان كثيرا ما يشعر بالإحباط واليأس، لا يمكن للإنسان أن يظل سعيدا طول الوقت وهو يجلس في الظل، يكتب في الظل، ويحلم في الظل، ويحب في الظل.

أحب فتاة تعمل في أرشيف الجريدة، أحبها في صمت يليق ببذلته الصفراء، لم يشعر بالخوف من حبها، ينتظر اليوم الذي يخلع فيه البذلة وينتقل من أمام المكاتب إلى خلفها، هل يمكن أن يتحول إلى صحفي؟!

تقدم إلى رئيس التحرير يطلب أن يتحول من ساع إلى صحفي، مرفقا مستنداته الجديدة، شهادة بكالوريوس الإعلام وكثير من أشعاره ومحاولات لكتابة أخبار وموضوعات صحفية.

في هذا اليوم أصدر رئيس التحرير قرارا برفده!

كان آخر ما يتصوره أن الكنز الذي خبأه عن الناس.. يتحول إلى كابوس، خرج من الجريدة إلى الشارع.. وكانت قصته قد أصبحت نكتة ساخرة يتداولها الصحفيون في الجريدة، نكتة الساعي الذي تجرأ ونظر إلى فوق وقرر أن يصبح صحفيا!

وهو لم ييأس، هو امتلأ بالتحدي، هل يتراجع، هل يعود إلى نفس المكان والمساحة أمام عين البوتوجاز الصغيرة ينتظر فوران كنكة القهوة؟

بحث عن جريدة صغيرة.. ودفع نفسه يعمل محررا صحفيا أربعا وعشرين ساعة في اليوم، لا ينام، لا يتوقف، لا يتراجع، لمع اسمه في الجريدة الصغيرة، ثم لمع اسمه أكثر عندما اختارته مذيعة تليفزيونية ليعد لها برنامجها، بذل جهدا أكبر.. كان أسعد يوم في حياته يوم أوصته المذيعة بدعوة رئيس تحرير الجريدة التي كان يعمل بها ساعيا ليكون ضيفا على برنامجها، تحدث له، وحضر رئيس التحرير مرحبا سعيدا إلى البرنامج ليفاجئ به، كان مشهدا مثيرا للضحك والأمل في نفس الوقت.

تحول الساعي إلى رئيس تحرير برنامج كبير، وتحول رئيس التحرير إلى ضيف ممتن تماما له باختياره للبرنامج، ومن خجله.. عرض على الساعي العودة إلى الجريدة ليعمل صحفيا كما كان ينتظر. لكنه رفض..

هذه القصة حدثت منذ سنوات، أصبح فيها الشاعر المجهول.. شخصا معروفا، فقد ماضيه.. لكنه لم يفقد احترامه لأحلامه وثقته في نفسه، ومازال ينظر إلى السماء ليقول يا رب!

الأغنياء.. هم من يعرفون ماذا يملكون في أي لحظة لكي يواجهوا العالم بقوة.

اخترنا لك