فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني

خيانة طفل.. اعترافات امرأة مذبوحة! 

كم أما في هذه الحياة تلعب دور الأم والأب في نفس الوقت لأطفالها؟

كم أما وجدت نفسها وحيدة على مسرح الحياة ومعها طفل أو أكثر وعليها أن تمنح حنان الأم وتقوم بمسؤولية الأب؟ ملايين النساء لأسباب مختلفة في هذه اللحظة التي تقرأ فيها ما أكتبه تحمل بشجاعة فائقة مسؤولية مزدوجة في البيت وتمضي.. تعبر على الأيام.. تتمنى أن تطوى السنة في يوم والعمر في شهر لكي تنتهي هذه المهمة الصعبة الثقيلة.

رحيل زوج.. وفاته أو هروبه أو زواجه من امرأة أخرى.. عجزه أو سجنه أو اختفاؤه،  ثم تجد المرأة الأم نفسها في مواجهة أكون أو لا أكون.. يصنعن معجزة.. أغلبهن يفعلن ذلك.

لا تخدعني أبدا الابتسامة التي تضعها الأم التي تعول أو تقود عائلة. هذه الابتسامة مثل قشرة رقيقة تضعها المرأة لكى لا تبدو ضعيفة أمام الناس وأمام نفسها. إنها يجب أن تبدو قوية أمام مجتمع ينتظر هزيمتها على الرغم من أنه يحاول أن يتعاطف معها.. أن يمد يديه لكي تقف وتمشي وتجري.. لكن لسبب غير مفهوم يراقب انكسارها وظهرها الذي يزداد انحناء بمرور الوقت.. كأنه يريد بهزيمتها واستسلامها أن يثبت لنفسه أن الرجل دائما هو الأقوى.. وهي ليست عبارة صحيحة طول الوقت.. العكس: المرأة مخلوق قوي إذا وضع في ظروف استثنائية صعبة.

كما أنها تريد أن تبدو قوية أمام نفسها حتى تتوكأ على قوتها.. حتى تصبح ابتسامتها الواهنة الرخوة عصا تحملها من زمن إلى زمن.. فإذا أعلنت ضعفها كانت هي أول من يدفع الثمن.

ملايين النساء يحملن عبئا عظيما ومضاعفا..

ربما يكون في الأمر أحيانا بعض من العند والكبرياء.. فهي لا تقبل تنازلا لكي لا تتحول من امرأة إلى جارية.. أو من ملكة إلى خادمة،  لكن منذ متى يكون الكبرياء عار والتنازل فضيلة.. تقرر المرأة بكل إرادتها أن تتحمل مسؤولية أن تكون كل شيء لأطفالها في غياب الأب عمدا أو قهرا.

تضاعف عملها لكي تحصل على الكسب الذي يغطي نفقات المعيشة بنجاح.. كما تواصل رحلة التقشف من أجل إسعاد أطفالها مهما كان الثمن قاسيا. إنها ـ في الحقيقة ـ تبدأ رحلة تنازل من نوع آخر: تنازل عن كل رغباتها وأمانيها الخاصة في الحياة.. تصبح بين مطرقة الإصرار وقاعدة الأمل في أن تنجح تجربتها الصعبة.

أول ما تخلعه المرأة الأمنية الجميلة في أن يكون في حياتها رجل.. حب وحياة ورغبة وأمان وقوة.. إنها تبدو مثل طائر قادم من بعيد ليرسو على شاطئ بارد غريب وقد نزع عنه كل ريشه.. فكيف يواصل الطيران؟

كيف تواصل الطيران امرأة فقدت أجنحتها؟

لكنها بمزيج من العند والتحدي والقوة والرغبة في النجاح والخوف والحنان والأمومة والغريزة.. تبدو مثل كرة صوف تصنع رداء دافئا بصبر وهمة.

أنا أظن أن هذه هي أصعب ظروف يمكن أن تمر بها المرأة.. الوحدة والمسؤولية.. فكيف يمكن أن تبحر بالقارب بمجداف واحد؟

ودائما.. على عكس المنتظر أو المتوقع أو المفروض: يتواطأ المجتمع ضدها.. إنه بدلا من أن يفرش لها الأرض بالزهور.. يزرعها بالأشواك والمتفجرات.. وما تكاد المرأة تفوت من أزمة.. تقع في مشكلة. هل تتحول من هدف لمن يرغب ولمن يحسد ولمن يرى أن لا معنى لنجاح امرأة منفردة بطولها في مهمتها بينما هناك ملايين من العائلات التي تفشل في ذلك رغم وجود الأب والأم والدعم؟

إنني أنظر بإعجاب لتلك المرأة التي تكافح لكي تتجاوز محنتها.. ولكي لا يشمت فيها مجتمع ينتظر أن يفشل الآخرين لكي ينجح هو بأقل جهد.. إن قصص الأمهات المكافحات من أجل كتابة قصة طويلة وكبيرة مع الأبناء.. أمر يستحق الانتباه والدراسة. كيف يمكنها تحويل ما هو مستحيل بالورقة والقلم إلى ممكن؟

وتنتظر المرأة التكريم في محطاتها الأخيرة.. كما أنها تستحق التشجيع في كل المحطات التي تسبق النهاية السعيدة.

وكما التكريم الأهم يأتي من الأبناء.. يكون الحزن العميق إذا جاء من الأبناء.

أنا أراجع قصة امرأة في منتصف العمر الآن، ترك لها زوجها منذ عشر سنوات ـ كانت في الثلاثين ـ ثلاثة أبناء صغار أكبرهم في الخامسة عشرة الآن.. وسافر ولم يعد.. ثم أرسل لها وثيقة الطلاق ليتزوج ثانية في بلد بعيد، واختفى..

هذه الأم بذلت جهدا غير عادي لتثبت للجميع أنها قوية وقادرة على تجاوز الأزمة.. لقد صمدت بشرف أمام عائلتها التي حاولت أن تثبت لها أن اختيارها كان خطأ منذ البداية.. وأمام أطفالها الذين حاولوا بالوقت إقناعها بضرورة الحياة في بيت أبيهم.. وأمام زوجها الذي انتظر هزيمتها في وقت مبكر واللجوء له كزوجة ثانية مكسورة ومقهورة.. وطبعا أمام مجتمع كان مستعدا في كل لحظة لأن ينهش في لحمها وعظمها وربما شرفها أيضا..!

كانت تعمل وأطفالها في المدرسة.. ثم تتحول إلى أم وراعية أطفال وطباخة ومدرسة بعد الظهر.. قبل أن تبدأ في عمل جديد في المساء على الإنترنت لتوفير دخل أفضل. صراع كامل ومستمر.. يفاجئها ضعف أو قلق أو خوف أو إرهاق في أوقات كثيرة.. لكنها كانت تنظر لأطفالها وهم يكبرون معها وتقول لنفسها: أنا صح.. أنا أستطيع.. أنا نجحت.. المشوار هان!

لكن في هذا الصراع.. يظهر الأب مطالبا برؤية أطفاله مرة في الأسبوع.. ومن دون دخول في تفاصيل قضايا أو خلافات رأت أنها سوف تؤثر حتما على الحالة النفسية لأطفالها.. منحته حق اصطحاب أطفاله مرة كل أسبوعين.. ثم امتد التفاوض برغبة الأبناء أن يكون مرة في الأسبوع وأن يناموا في بيته ليلة.

تصف هي هذه الليلة أنها أتعس ما يمكن أن يمر في حياة الإنسان.. أن يسرق تعبها وسهرها وأرقها، إنسان آخر لا هو تعب ولا هو ربى ولا هو شعر بالقلق على مرض أو ألم طفل.. ثم هكذا يسرقهم ليستمتع بهم في حضنه ومع زوجته التي تظهر لهم أجمل ما يحبون أن يروا، أما بديلة من حنان وعطاء وإفراط في كل شيء يطلبونه.

ببساطة أب يشتري كل ما ضاع منهم بإنفاق نقود كثيرة وضحك أكثر.. هم لا يرون منه غير هذا الوجه الناعم الذي لا يشخط ولا يغضب ولا يمنع ولا يرفض.. بالعكس كل شيء مباح دون حدود.. كل شيء حتى الأفكار الخطأ يمكن السماح بها..

وكانت المقارنة بالطبع بعد ذلك صعبة جدا: أب مبتسم طول الوقت في إجازة نهاية الأسبوع.. وأم منكوشة منهكة مرهقة متوترة طول أيام الأسبوع. المقارنة ظالمة.. لكنها حدثت للأسف بعد أقل من سنة واحدة.. فاجأها الابن الكبير بعبارة كانت آخر ما تتوقعه: انت فاكرة نفسك عملت لنا حاجة؟ بابا بيعمل في يوم ما تقدمينه لنا في سنة؟

هل هو جحود ابن مازال صغيرا على فكرة الجحود.. أم أنه تلقين من الأب أو زوجة الأب.. المهم أن الكلمة سمعتها من ابنها.. مدرك أو غير مدرك.. فقد تمت في حضورها لمجرد أنها رفضت خروجه مع أصحابه إلى السينما.

وسقطت على الأرض.. وعندما فاقت كانت في غرفة العناية المركزة وكل شيء أبيض مثل الثلج حتى عمرها الضائع في محاولة إنقاذه.. وظلت مكتئبة حزينة مريضة لفترة طويلة.. ولم يكن علاجها سهلا.. لقد خرجت من حالة الوحدة التي فرضتها على نفسها لسنوات طويلة جدا إلى حالة من الاستهتار واللامبالاة.. ولعلها كانت تفكر: ماذا جنيت بعد سنوات طويلة حرمت نفسي فيها من كل شيء.. إلا عبارة من السخرية المرة التي جاءت مقصودة تماما على لسان ابني.

إن حتى أطراف مشاعرها وحسها الأنثوى بنفسها وبالرجل كانت قد جفت أو ماتت من فرط ما تعمدت ألا تفكر في الرجال بأي صورة.. كانت تخشى أن تضيع أمام رجل بعواطف هي في أشد الاحتياج لها.. وإلى رجولة كم كانت تحتاج إلى وقعها على جسدها الذي هوى على أرض الواقع في الثلاثين من عمره.. يمكنها أن تقول إن أكثر ما كان يؤلمها حرمانها الذي يؤرق الجسد حتما.. لكنها كانت مشغولة بما هو شاق حتى على مشاعرها.

فهل حان الوقت وهي في منتصف عامها الأربعين أن تزيح الستار عن رغباتها وتحب.. لكنها سألت نفسها ذات السؤال الصعب: ومن هو هذا الرجل الذي يمكنه أن يفكر في امرأة على عتبة عامها الخمسين لا مفر؟ يتعلق بها ثلاثة أطفال في سن المراهقة يعتقد كل واحد منهم أنها خادمته وليست أمه؟.. أنها ملك له وليست هي التي تملك كل شعرة في رؤوسهم الصغيرة.

عندما تستيقظ من غيبوبتها وكآبتها.. تصر أمام نفسها أنها فعلت الصواب.. وأنها ليست الوحيدة التي فعلت ذلك.. وأن العمر لو عاد سوف تكرر نفس ما حدث بالضبط.. وسوف تهمل نفسها من أجل أطفالها الثلاثة.. وسوف تسعد نفسها بهم ولا شيء غيرهم.. لكن الحزن يعود ليسيطر عليها معلنا لها رغبته في الرحيل.. ويترك لها وصية مستحيلة أن تبحث عن سنواتها الضائعة بأى طريقة كانت.. وفي هذا العمر الذي خلفه سنوات شابة مليئة بالحيوية وأمامه سنوات عجوز مليئة بالتعاسة.. يصبح أمر التعويض صعبا.. يكاد يشبه رقصة مجنونة تحت المطر.. يكاد الإنسان فيه يتحول إلى عصفور في قفص قرر بعد أن فقد قدرته على الطيران وتعود على ذوبان أجنحته بين القضبان.. أن يبحث عن حريته.

وسوف تكون النتيجة حتما الاستسلام للأمر الواقع.. لكنها ربما أو غالبا لن تعود نفس الأم التي ضحت كثيرا كثيرا من أجل ابتسامة واحدة على شفاه طفلها.

اخترنا لك