فنجان قهوة بقلم: يسرى الفخرانى

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني

أسراري من لندن: رحم للإيجار.. اعترافات امرأة في الشهر الخامس! (2)

في الطائرة العائدة من لندن. تفاجئني امرأة تجلس بجواري بسؤال لم أتوقعه: تعرفني؟! وأنظر في ملامحها أبحث عن هذه المعرفة القديمة التائهة في وجه مرهق تبدو عليه حالة من الحيرة وربما الخوف.

أقول لها بالمصري: “غلب حماري”. تشبيه قديم ساذج بايخ جدا لكن لماذا لم أجد غيره لأرد به سؤالها. هكذا نستخدم كثيرا عبارات ليس ملكنا ولا تشبه حروفنا في المناسبات التي تفاجئنا. وهي تقول في كل ثقة كأنها تتسلى: خمن. فكر. ياه ه ه ه قد كدة أنا اتغيرت.

هل هو حب قديم يعود يصفع كل ذاكرتي؟

تقطع تركيزي الشديد في محاولة العثور عليها في ماضٍ بعيد. فتقول وهي تنظر في عيني تماما: أنا سارة، لم تعرفني بعد؟! أنا بائعة الورد في محل مدام نبيلة. افتكرت؟

كنت أشتري الورد كل يوم من هناك، إنها هي وإن تغيرت كثيرا عن كل سنواتها التي ظلت بها بمريلة بيضاء تقص وتنسق وتهذب الورد، أصبحت أجمل أو كشف السفر عن جمال خفي. السنوات أضافت لها أنوثة لا شك فيها. لكن كل شيء فيها ذابل كما وردة جف عنها الماء.

هل يمكن أن أحكي لك قصتي؟

توقفي عند الثانوية العامة في التعليم لم يمنع طموحي في أن أصبح يوما امرأة ناجحة. وجدت وظيفة في محل الورد المعروف عند مدام نبيلة. كل زبائني من صفوة المجتمع. كنت أذهب كل يوم بهمة وأتوقع أن أبيع الورد إلى نجم من نجوم المجتمع. أريد أن أصبح جزءا من هذا العالم بكل ضوئه وضوضائه. أحب الورود فأنا رومانسية بطبعي، لكن أحب الشهرة والفلوس أكثر. سارت الأيام لا جديد فيها إلا أرقام تليفونات أضيفها إلى تليفوني بزهو. أعتبر كل رقم تليفون لشخصية معروفة إنجازا أحققه. شهادة جديدة أهم ألف مرة من كل الشهادات التي يمكن أن يحصل عليها أحد. المعرفة حلوة خاصة لمشاهير بينهم وبين السماء خطوة.

توقفت لتعدل جلستها وتطلب مشروبا باردا من مضيفة الطائرة.

في يوم صارحت فنانة – كانت تطلبني في التليفون دائما لترسل باقات ورد إلى بيوت سفراء دول و ضيوف من الخارج على سبيل المجاملة – أنني أريد منها خدمة العمر! طلبت مني أن أذهب لها في بيتها بعد انتهاء عملي، استأذنت مبكرا من مدام نبيلة وذهبت إلى النجمة التي تسكن في نهاية الشارع بعيدا عن المحل بخمس دقائق. عمارة قديمة أنيقة مرتفعة، أول مرة أشعر أن العز والشهرة أجمل مما أتصور بكثير. استقبلتني في ملابس بيت كأنني صديقة قديمة، طلبت مني أن أدخل إلى المطبخ لأعد لنفسي كوب شاي ولها فنجان قهوة. استغربت جرأتها! تابعت نظراتها لي وأنا أذهب إلى المطبخ في نهاية الممر الطويل، شعرت بخوف مفاجئ، لكنها فاجأتني وهي تقف خلفي أن لديها فرصة لكي أسافر إلى لندن من أجل عمل مهم. قالت لي: فرصة العمر!

لم أفكر كثيرا.. سافرت.. كان لابد أن أسافر.. لم يكن لي شيء أتوقف أمامه في حياتي. كنت وحيدة بعد أن رحلت أمي. في كل الأحوال كنت مثل قشة خفيفة في مهب الريح، والريح كانت عاصفة وكانت ممطرة.. كنت شبه سعيدة في عملي، لكن كنت مؤكد تعيسة مائة في المائة لأسباب كثيرة ليس فقط معاملة مدام نبيلة ولا الأجر القليل.. إنما الحلم الضائع بين نظرات الرجال ونظرات النساء!

لم أسأل ماذا سأعمل؟ قلت فقط جملة عابرة حتى لا أضيع فرصة عمري: طبعا هاشتغل في نفس شغلتي.. أبيع ورد. وهزت النجمة الكبيرة رأسها.. تذكرت كل هذا وأنا في المطار وأنا في الطائرة وأنا تستقبلني برودة الطقس في لندن.

استقبلني رجل عرفت من طلته الأولى أنه منحرف!

 بدأت من هذه اللحظة أستعيد شعور الخوف الذي ولد وأنا أعد الشاي والقهوة في مطبخ النجمة في المهندسين. تمنيت أن تختصر المسافة بين لندن والمهندسين في غمضة عين. لكن.. كنت أعرف أن الوردة المقصوصة من أرضها لا تعود!

وجدت نفسي مع مجموعة من البنات من أكثر من بلد عربي.. التقيت سيدة تدير العمل، وجدت قسمتي مضيفة في فندق أعمل 12 ساعة في اليوم. هلاك.. تعبت.. وكان كل ما أدخره هو مجرد فلوس معيشة. فلماذا جئت؟ لماذا أنا هنا في غربة وفي برد وفي ألم..؟

كنت أحلم بعالم أفضل.. بمستقبل أجمل.. بثراء.. بشهرة.. وينتهي بي المطاف في عامين مضيفة نصف يومها عمل مجهد من أجل لقمة وإقامة! أين فرصة العمر؟ أين الأمل؟ أين الوعود أن أصبح في وظيفة تليق بأحلامي؟ أين حتى زهوري التي أقصها وأهذبها وورق السوليفان الذي كان يشبه حياتي؟

في يوم جاء لي عريس..

لا أحبه لا أعرفه أصلا.. من بلد عربي ويقيم مثلي في لندن.. وسيم فقير مجهد يتكلم لغتي المصرية لديه شقة صغيرة بالإيجار.. لماذا لا أتزوجه؟ وتزوجته..

بعد أسبوع العسل.. قالت لي صاحبة العمل: هل تريدين أن تستريحي من العمل في الفندق؟. طبعا نعم.. هتفت صرخت طرت من السعادة.. لكن إلى أين؟ إلى شقتي! خادمة؟.. قالت بنعومة لا أتوقعها: مساعدة لي!

وانتقلت إلى بيتها.. وتوقعت كل شيء.. وكنت مستعدة بالقرار لأي شيء.. أهرب أقتل.. أي شيء.. كان في كل ليلة سهرة طويلة لا تحضرها إلا النساء.. نساء فقط. رقص وقهوة عربي وبخور.. همس ربما وأنا أضيف لمسات صغيرة قبل الحضور وأنصرف في المنتصف. ماذا يحدث؟ قلت لنفسي وأنا مالي.. وحتى الآن بالمناسبة لا أعرف ماذا كانت هذه السهرات.. لكنها فاجأتني في يوم في الصيف الماضي بطلب غريب.. أول مرة أسمع هذا الطلب المرعب.. كان الطلب الذي يشبه الصدمة: أن إحداهن من رواد السهرة تطلب تأجير رحمي من أجل أن تنجب طفلا من زوجها!

ذهبت مفجوعة إلى بيتي إلى زوجي إلى عرائسي الصغيرة.. تطلب أن تؤجر رحمي! وقال زوجي في برود مدهش: وماله! في بلدكم تقولون: وماله! تسعة أشهر وتحصلين على عشرين ألف جنيه إسترليني!

أيها النذل.. كنت تعرف.. عندك التفاصيل.. جزء من اللعبة.. من أنا؟ ومن أنتم؟ ومن هي؟ ومن أنت؟ ومن قبض الثمن على جسدي؟

وضعت يدي على بطني كأنني أخفيها أحميها أصد عنها التمثيلية المرعبة السخيفة الرخيصة التي وجدت نفسي فيها.

قالت لي صديقتي الوحيدة التي خرجت بها من وحدة الغربة: اهربي.. سيقتلونك لو لم تصبحي معهم. الغريب أنني لم أهرب.. فقد تلقيت تليفونا من زوجي يطلب التفاوض من أجل الطلاق.. ومكالمة أخرى مجهولة تهدد.. ومكالمة ثالثة ترفع قيمة العرض إلى رقم لم أتوقعه.. ثروة.

ووجدتني.. أفكر.. قل أعيد نظر. فأنا في ورطة بالفعل.. منذ جئت إلى لندن وأنا في ورطة.. منذ تركت مقصي بجوار ورق السوليفان والزهور.. وأنا في ورطة!

لا تنظر لي أنني معتوهة.. مجرمة.. سيئة السمعة.. حتى لو سمعت بقية حكايتي.. لا تحكم على امرأة تائهة مفقودة غريبة.. من أول القصة.

جلست أتفاوض: الطلاق. شقة فاخرة في عمارة أنيقة.. مبلغ يشبه الثروة تم تحويله على حسابي.. مرتب شهري لزوم نفقاتي حتى نهاية الحمل. وفي المقابل: لن أعرف الأب والأم أصحاب البويضة الملقحة التي ستوضع في رحمي.. تنتهي علاقتي بالطفل منذ لحظة ميلاده بجراحة قيصرية.. بمعنى أنني قبل أن أستيقظ من غيبوبة البنج سوف يقطفون الطفل من جانبي.. ممنوع السؤال عنه أو محاولة رؤيته!

وافقت… وبدأت كل الإجراءات

قال زوجي وهو يتم خطوات الطلاق: تعبنا معك حتى نقنعك.. الباقيات يوافقن من أول شهر.. سوف تصنعين ثروة.. وسوف تكررينها بدل المرة ثلاث أربع.. بكرة أفكرك.

وابتسمت في وجهه ابتسامة صفراء.. في مقابل أنني بصقت من ورائه على هذا الوضيع الذي تصورته رجلا. حدد الطبيب الموعد.. فحص ومتابعة وصباح مبكر لزراعة البويضة الملقحة في رحمي!

وجع.. لكنه رائع. حركة ما في أعماقي.. روح أحملها.. من أنت يا صغيري؟ وبدأت أشعر ألا شيء يشبه متعة أن تحمل جنينا.. ينضج يتكون يتكور ينتفض يكتمل يغضب.. بدأت حديثي له.. أكلمه أغني له.. أسهر ويدي نصف مفتوحة على بطني لكي يشعر بأماني.. وأشعر بروحه.

في المرة الأولى التي رأيته على جهاز السونار.. كان له وجه لم تتحدد ملامحه بعد.. وذهبت إلى البيت سعيدة أقفز فأطول السحاب.. فرحانة بهذه البراءة التي أحملها.. فجأة تحول فرحي إلى مأتم.. هذا ليس ملكي أنا.. أنا شقة بالإيجار لزوجين في شهر العسل.. أنا مخزن لأحلام غيري.. أنا بالونة منفوخة سوف يقطعون خيطها لتلهو بها امرأة لا أعرفها… لا أحبها.. أكرهها بقدر حبي لهذا المزروع في رحمي!

والآن..

الآن أنا معك هنا على طائرة متجهة إلى القاهرة.. شهر كامل وأنا أمارس خطتي للهروب بسرية كاملة.. هذا جسدي يحمل طفلا في الشهر الخامس.. طفلي.. هل أنا لصة.. سرقت روحا في الخفاء وهربت.. كيف أترك هذا الكائن في داخلي لغيري؟! بأي منطق.. بأي سبب.. بأي أي شيء.. هذا ابني وجعي ألمي حالات السعادة التي أشعر بها وأنا أحمله..

ليس مهما من أشعل الشمعة.. المهم من وضع كفيه على شعلتها لكي تبقى مضيئة بعيدا عن العواصف..

سوف أربي هذا الطفل.. رأيت صورته الأخيرة في السونار.. إنه شبهي تصور!

اخترنا لك