فنجان قهوة بقلم: يسرى الفخرانى الحب في زمن الجفاف

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

“الموسيقى لا تعزف إلا لاثنين على وشك الرقص”.. تذكرت هذه العبارة التي قالتها جوليا روبرتس في أحد أفلامها، وهي مع جورج كلوني في قصة تحكي حبا مستحيلا، كانت تعبر الشوارع المؤدية إلى السوق القديم في العاصمة مراكش، كان هناك ما يزين الحوائط برسوم قديمة عتيقة كأنها ما فعلته الأمواج في الصخور زمن بعد زمن، سافرت نشوى من كازابلانكا إلى مراكش متحررة حتى من حقيبتها الصغيرة، تحمل فرشاة أسنانها كبطلة رواية “صباح الخير أيها الحزن” لفرانسوا ساجان، كفيها في جلباب مغربي مزركش بألوان فاقعة اشترته من بازار صغير عند مدخل المدينة، وحدها وحريتها، كم تبدو الحرية جميلة حين نستردها بعد سنوات طويلة.

كتبت استقالتها في التاسعة صباحا إلا خمس دقائق. وأرسلتها إلى مديرها لكي يحررها بعد سنوات من العبودية في شركة تحمل شعار “لا بد أن تعمل لتجد لقدميك مكانا لدينا”، وكم عملت وسهرت وسافرت وضحت وبكت، ودفعت ثمنا باهظا لبقاء قدميها في واحدة من أكبر شركات الاتصالات في العالم، بقاء القدمين هناك هو أن تكون أو لا تكون، على قدر ما تعطي تأخذ، وعلى قدر ما تأخذ، يعصرون العظم والدم!

سيفعلون معها ما فعلوه مع ندا زميلتها التونسية التي تجرأت وقدمت استقالتها يوما، فأجبروها على العودة، لم تذكر ندا أنهم هددوها، لكنها لمحت بشيء من ذلك، وقالت: منحوني مرتبا خياليا فأرغمني زوجي وابنتي على العودة إلى العمل.

نتحول إلى فئران تجارب في اللحظة التي نتصور عندها أننا بشر! حدثت نفسها بما سيفعله زوجها أدهم معها، ابنها عبدالرحمن بها، هل يمكن أن يجبرونها على العودة إلى ما لا تحبه، إلى الدوران في نفس الساقية التي لا تدر ماء!

شربت شايا أخضر في كستناءة صغيرة ملونة على ناصية شارع آخره مطاعم صغيرة؛ تقدم كل الأكلات الشعبية المغربية بسخاء وتوابل، لمحت مئات الوجوه تتجه في صحة وسعادة إلى حيث الأطباق تنتظر، شعرت بالجوع.. لأول مرة تشعر بالجوع، كانت دائما تأكل في مواعيد محددة بين اجتماع وآخر.. بين طائرة وأخرى، الغريب أن هذه الوجوه كأنها تعرفها أو تشبه وجوها تعرفها، فقد سافرت إلى نصف العالم تقريبا، بعض مدن قضت هناك نصف ليلة، وتتذكر أنها سافرت مرة إلى ماليزيا لمدة نصف ساعة، اجتماع في قاعة صغيرة بالمطار ثم استقلت طائرة في طريقها إلى مدينة أبعد.

كانت تعشق هذه الحياة، تذكرت كيف كانت تشعر بنشوة العصفور الصغير، وهو يحلق في السماء معلنا انتصاره، كانت المشاعر بالنشوة فقط هي التي تحركها، لم يكن في حياتها أبدا هدفا محددا، فقط إحساس بلحظات ما قبل إغماءة الحب بقليل.

جلست وحيدة على مائدة وسط طوفان من بشر يبحثون عن شهوة في إجازة قصيرة مرتفعة التكاليف قبل عودتهم مرة أخرى إلى الساقية، كلهم في الساقية التي لا تدر ماء، لكن شيئا ما يسوق القطيع إلى حيث لا يرغبون في الذهاب، تمنت والمزات المغربية الشهية تتساقط علي مائدتها أن لو كان للأطباق شريك، سألت نفسها سؤالا غير إجباري: يا ترى ماذا يفعل أدهم الآن؟ لم تنتظر من نفسها الإجابة، نست السؤال والإجابة بسرعة.. هنا هي تبحث عن أيامها التي ضاعت في ركام السنوات التي سرقت.

كانت المسافة بين كازابلانكا ومراكش فرصة لتضحك.. إنها تريد أن تضحك على أشياء كثيرة، على غبائها احتمال.. على تصرفها الطفولي الذي جعلها تكتب استقالتها، وتمضي دون انتظار انتهاء المؤتمر الذي جاءت من أجله أو العودة إلي القاهرة.. على نفسها الوحيدة في بلاد تفور بالبشر.

أكلت وشبعت ورقصت، التصق جلبابها بجسدها من رطوبة ليلة طويلة، بدا قوامها في عامه التاسع والثلاثين ممشوقا مسحوبا كما راقصة باليه، سقط من البشرة غبار فتأكدت أن بشرتها مازالت تلمع بنعومة عمر لم ينته بعد، تذكرت أن طائرتها العائدة إلى كازبلانكا ومنها إلى القاهرة اقترب موعدها، تعمدت أن تستند إلى الحوائط في طريق عودتها إلى الفندق، لتترك بصماتها هنا أو تأخذ خشونة الحوائط وألوانها معها.

خمس ساعات لماذا لا تتذكر فيها ما تعمدت أن تنساه سبعة عشر عاما، أدهم الذي تعمد منذ أيام زواجهما الأولى أن يلمسها على فترات متباعدة، كأنه يرتب لها روتينا أو يضع لها قانونا في كيف تتعامل مع جسدها، هل كان يترك مساحة بين الأشياء لكي تدخلها امرأة أخرى، مؤكد.. الآن تملك أن تحدث نفسها أنه فعل كل شيء عن عمد، منح لها الحرية عن عمد. منح لها متعة البحث عن نجاحها؛ لكي يجد لنفسه ألف عذر ليخونها مع أشباه النساء اللاتي يعاكسهن في رحلاتهما المشتركة باسم إعجابه بالجمال.

هذا أدهم المعجب بذاته كأن الله لم يخلق رجلا في هيئته ولا منح غيره الحق في أن يتمتع بالحياة. انحنت مضيفة الطائرة عند قدميها وقدمت لها وسادة تضعها تحت كعبيها المنهكين، قطعت عنها تدفق نهر الأسئلة التي فيها عذوبة وعذاب، كانت المضيفة لها ملامح تكاد تعرفها، وهي بالفعل عرفتها، إنها شادية جارتها القديمة في بيت العائلة، كما هي كأن عشرين عاما لم تغير من شفتيها النحيلتين ورقبتها النحيفة الطويلة، إلا عطر كثير وألوان كثيفة على الوجه تخفي إرهاق أو حزن الاثنتين معا، قامت من مقعدها واحتضنتها بشكل يليق بطفولة مشتركة ومراهقة، رحبت بها شادية بتحفظ يفرضه وظيفتها، لكنها لم تغفل أن قرصتها في فخذها كما كانت تفعل زمان وألقت في أذنها بكلمة “أبيحة” تعبر عن دهشتها بوجودها هنا.

انشغلت في متابعة فيلم على الطائرة التي تحلق في هدوء تام يشعرها بالأمان، تمنت يوما أن تكون مضيفة طيران، كل يوم في مدينة لكن أباها هو الذي أقنعها أنها وظيفة لا تليق بمكانتها الاجتماعية وذكائها، قالت بحنين إلى ماض لم يعد معها: ليتنا نختار ما نريد في اللحظة التي نريد، عادت تكثف نظرتها نحو النافذة التي يطل منها بحر شديد الزرقة، طلت شقيقتها التي لم تتزوج بعد على مشاعرها، تخطت عامها الثلاثين ومازالت ترفض الزواج، كيف يمكن لامرأة أن تتنازل عن سنواتها هكذا دون خوف، وهي تتجنب الشراكة مع رجل، لعلها خائفة من تجربتها، هي دائما تخبرها أن تجربة زواجها من أدهم تجربة تستحق الضحك والبكاء! هي تحب شقيقتها وتحترم رأيها حتى لو كان يشق الجلد والمشاعر بجروح، عاتبت نفسها أنها تتركها تعيش وحيدة في بيت العائلة بعد موت أمها، كانت تظن أنها مارست معها منتهى المشاعر حين تركت لها بيت العائلة دون النظر في نصيبها منه، لكنها الآن تدرك أنها مارست معها منتهى القسوة حين استبدلت خيوط الحرير بقيود حديد، في السنوات الأخيرة كيف ابتعدت عنها بكل هذه المسافة؟ دبرت أن رحلة العودة إلى القاهرة تستحق إعادة أشياء كثيرة إلى مرمى أهدافها في الحياة.

أحضرت لها شادية كوب عصير طازج، كانت القاهرة تقترب، ابتسمت لها بشوق حقيقي لذكريات لا تنسى، غاصت في مقعدها فشمت رائحة كل المقاعد التي نامت فوقها في طائرات تأخذها وتعود بها.. أين هو نديم؟.. سألت نفسها الصامتة في سكون يشبه الصلاة، كان نديم في يوم ما جارها في مقعد على طائرة من لندن إلى نيويورك، تعرفت على نبرته الهادئة ووجهه بكل نضارته، كان يصغرها لا شك، لكنها كذبت عليه في رحلة الساعات الست حين سألها عن سنة تخرجها، أين ضاع منها؟ هل يمكن أن يدخل إنسان إلى قلب إنسان آخر في رحلة طيران، “داخت” وهي تتذكر أنها لم تندم على المشاعر التي منحتها له لوقت محسوب هو مسافة الرحلة، لم تتألم من وجع في ضميرها، كانت تشعر أن جارها الوسيم الصغير ليس نزوة إنما قدر.

اهتزت الطائرة.. سقطت قطرات من العصير على فستانها الأبيض.

اخترنا لك